الرئيسية / مقالات / كتاب مفقود وآخر مبلوع

كتاب مفقود وآخر مبلوع

خاص- ثقافات

*يوسف غيشان

(1)

استغل الروائي الإيطالي المشهور أمبرتو أيكو، فكرة الجزء الثاني المفقود من كتاب الفيلسوف اليوناني الكبير ارسطو، ليبني من الموضوع رواية مهمة، وهي  ” اسم الوردة” التي ترجمت إلى العديد من اللغات، وحصلت على جوائزعالمية كبرى.

يقال إن القسم الثاني من كتاب الشعر لأرسطو يتحدث حول الكوميديا ودورها الكبير وقدرتها على  النقد والتغيير، هذا ما أزعج  الكثير من الجهات خلال التاريخ، فكانت المؤامرة الكبرى، العابرة للعصور، من أجل إلغاء  ما كتب ارسطو حول دور الكوميديا هذه، حتى يستمر السائد والعادي ، دون نقد ولا تغيير، وكان الدور الأكبر في الموضوع للكنيسة في العصور الوسطى، التي كانت تنوي تكريس سلطة رجال الدين إلى الأبد.

وكما أننا لا نستطيع إخفاء الشمس بغربال ، فإن إخفاء هذه الدراسة المهمة حول الكوميديا ، لن تلغي الكوميديا  أبدا. ولن تعرقل وجودها ..وها هم الكوميديون والساخرون يتحالفون من أجل المساهمة في عملية تغيير العالم نحو الأفضل والأجمل والأكثر عدلا.

(2)

أشعر بالجفاف في الحلق  والاكتئاب  في الروح بينما أتخيل الكاتب الألماني أرنست تولر الذي ألف كتابا  من  470صفحة يفضح  فيه النازية  ويعريها أمام الشعب الألماني .  كان ذلك في سنة 1933..عام صعود النازية …. وقد  أمر هتلر الكاتب  بأن يبتلع المؤلف أرنست تولر جميع نسخ كتابة المذكور أعلاه.

أتخيل المستر تولر وهو يمزق الصفحات ويلوكها بتؤده، محاولا البقاء قيد الحياة لأطول مدة ممكنة ، أتخيله يوجه نقدا ذاتيا إلى نفسه ، بسبب الحجم الضخم لكتابه. أما كان من الممكن أن يلخّصة إلى 150 صفحة مكثفة من الحجم الصغير  مثلا؟؟ أما كان من الممكن أن يتخلى عن المقدمة التاريخية ؟؟؟ أما كان من الممكن أن ينشر كتابه باسم مستعار .. أما كان…. أما كان…. أما كان….؟؟؟؟؟

ما كان بالإمكان إلا ما كان ، وقد مات المستر تولر خلال عملية هضم الكتاب . لكن حياته استمرت بالتأكيد بواسطة الكتاب المهضوم ، الذي لا أعرف عنه شيئا ، لكني أتوقع أن نسخا منه قد طبعت بعد هزيمة هتلر في الحرب العالمية الثانية ، وأعيد الاعتبار للمؤلف.

لعل هذه الحادثة تبين مدى خوف الديكتاتور من النقد الصريح الواضح، وتبين أيضا مدى وحشيته حينما يتعلق الأمر  بمحاولة الكاتب الناقد إزالة هذه الهالة المزيفة التي يحيط الديكتاتور نفسه بها ، ويوهم الآخرين من حوله بأنها حقيقية ، ويوهمونه هم بأنها حقيقية فعلا ، حتى تضيع الحقيقة تماما بين ركام الأكاذيب المكررة .

جاء يوم في ألمانيا … وقاموا بتكريم  مبتلع كتابه المستر  أرنست تولر ….. فهل يجيء هذا اليوم للكاتب العربي الناقد  ذات قرن؟؟؟

سؤال ينتظر الإجابة!!.

______

*كاتب أردني

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *