الرئيسية / مقالات / “الغريب” في مسرح الرحابنة … وواقعنا

“الغريب” في مسرح الرحابنة … وواقعنا

*يوسف غيشان

ثمة خيط غليظ  يلظم معظم مسرحيات الرحابنة والسيدة فيروز وسكتشاتهم الغنائية الرائعة، وهو بكل تلخيص، الغريب، ……الغريب الذي يدخل إلى القرية ، فيعكر أجواءها ويشوه حالة الصفاء والمحبة والمودة المتواجدة بين الناس في القرية ، وهنا تكون حبكة المسرحية.

يشي موضوع الغريب ، عن اعتقاد ، لا بل قناعة، بأننا في الواقع والحقيقة  أنصاف ملائكة وكائنات متحابة متعاضدة متساندة، لكن الغريب هو الذي يخرب هذا الصفاء ويشوه هذه المحبة …وبدون تدخلات هذا الغريب نحن نعيش في حالة مثالية تماما!.

أنا لا ألوم السيدة فيروز، ولا السادة الرحابنة، فكل ما عملوه هو أنهم عبّروا ، بإبداع، عن فكرة مغلوطة نتعاطاها جميعا – نحن العرب العاربة والمستعربة والمستغربة- ونحن ندرك عدم صحتها تماما، لكننا نلجأ إليها دائما، حتى لا ننتقد أنفسنا،ولا نزجر ذواتنا، ونحيل أصول مشاكلنا بين بعضنا إلى تدخلات الآخر…إلى الغريب.

دائما ثمة مؤامرة علينا ، دائما ثمة دولا وشعوبا تغار من عشقنا لبعضنا، فتدخل مثل الأسافين، وتفرق بيننا ، وتجعلنا نتقاتل ويذبح بعضنا بعضا، ويطعن بعضنا بعضا في الظهر والبطن والبنكرياس. دائما ثمة غريب..هو سبب مشاكلنا مع بعضنا .

لولا الغريب ، لتحقق التضامن العربي منذ قرون، والوحدة العربية منذ قرون، ولسرنا  معا صفا واحدا لتحقيق أهداف الأمة في الاستقلال الكامل والنهوض الاقتصادي والحضاري…وطبعا لحررنا فلسطن ولواء الإسكندرونة والجزر الثلاث وسبتة ومليلة وعربستان، ولا بأس باستعادة الأندلس،  وربما تمددنا على حساب الدول المحيطة، أيضا.

اسطورة الغريب هذه ، هي التي تمنعنا من النظر في دواخلنا واستكتشاف مشاكلنا الحقيقية بين بعضنا وبين أنفسنا، وتحولنا عبيدا لفكرة حمقاء، تعاملنا معها كحقيقة مطلقة.

 طبعا أنا لا استطيع ان انكر ان ثم تدخلات خارجية ومؤامرات  دولية ،لكن هذه هي طبيعة الحياة على هذا الكوكب، وجميع الدول تتآمر على بعضها، حتى الدول الصديقة .

لكن هذه المؤامرات  كانت ستكون أقل جدوى لو أننا، لم نختبئ وراء فكرة الغريب  ونقوم بتضخيمها، ونتناسى مشاكلنا الحقيقية بين بعضنا ، ذات المشاكل التي قد ينبشها الغريب للتفريق بيننا.

إذا لم نتوقف عن تصنيف العالم إلى سراطين ..نحن من جهة والغريب(كل العالم) من جهة أخرى ….وإذا لم نتوقف عن اتهام الآخرين(فقط) بمشاكلنا ومذابحنا الداخلية، وإذا لم ننظر إلى قضايانا الحقيقية بعين واقعية غير مثالية ، ونحاول حلها بأسلوب واقعي توافقي ،  فاننا سنحني ظهورنا طوعا ليركبنا  الغريب….. أي غريب .

[email protected]

________

*عن صحيفة الوطن

شاهد أيضاً

شوبنهاور وكراهية النساء

إبراهيم أبو عواد       يُمثِّل الفيلسوف الألماني أرتور شوبنهاور ( 1788م _ 1860م ) حالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *