الرئيسية / قراءات / أسفار هيكل سليمان بن داوود.. كتاب إشكالي للدكتور سليمان الطراونة

أسفار هيكل سليمان بن داوود.. كتاب إشكالي للدكتور سليمان الطراونة




خاص ( ثقافات )
عندما يتحرر الباحث من سطوة الأفكار المسبقة، والمعتقد، والمسلمات الموروثة، ويُسلِم نفسه للعقل، وفقط العقل، ومنجزه الأصيل- العلم، الذي بواسطته يمكنك تمحيص كلّ المسلمات، ونفض ركام القرون عنها. إنه عمل يشبه الحفر في طبقات الأرض للوصول إلى الحقيقة التي ترضي العقل، وقد تكون صادمة للوجدان.
هذا ما فعله الأديب والكاتب والباحث الدكتور سليمان الطراونه في كتابه الصادر عن الآن ناشرون وموزعون في مجلدين تحت عنوان: أسفار هيكل سليمان بن داوود،،حمل المجلد الأول عنوان: هيكل العبران وكعبة العربان- يهودية المسيحية والإسلام، والثاني يحمل عنوان: هيكل العائلة المالكة بمنظور العهد القديم والقرآن الكريم. يقسم المؤلف كل كتاب إلى قسمين، قسم يُضمِّنه مقالاته- سرديته حول الموضوع، بلغة أدبية ميّزت أسلوبه في أعماله الأدبية السابقة، إذ يمزج بين تقديم الفكرة والبلاغة العربية بصورتها التقليدية، والجزء الثاني أفرده لمحاورة آراء الكتاب والمؤرخين والباحثين الذين تناولوا الموضوعات ذاتها.
هذا كتاب إشكالي بلا شك، ويدرك الباحث ذلك، ويتوقع أن توجه له تهما متنوعة، من أشخاص وجهات متعددة ومختلفة المشارب الفكرية والسياسية، لكنّه يُقْدم على هذا البحث الجريء من باب الأمانة العلمية أولا، ومن باب المسؤولية الإنسانية ثانيا تجاه الصراعات التي عاشتها منطقتنا عبر القرون على أسس طائفية ومذهبية متعددة. لذلك نجده يهدي كتابه إلى الإنسان.. الإنسان.. المتحرر من سطوة أسطورة إنسان أوثان الأديان. بمعنى الإنسان المتحرر من التعصب الديني الأعمى.
الكتاب الذي يوجه نقداً لكثير من المسلمات الدينية التي تستمد جذورها من الأساطير المغرقة في القدم عند أصحاب الديانات السماوية وأصحاب المذاهب، ولم يستثني أحدا، أي أنه لم يكن منحازا، بل وجد أن عمله هذا يتطلب منه التخلي عن انحيازاته المسبقة، وأن يكون مخلصا للعقل والبحث العلمي.
وإذا ما كان الموضوع ذا مساس بالديانات كلها، إلا أن الباحث لا يسعى لفكرة دينية، لا مناصرة ولا نقضا، بل يريد أن يجلو الحقائق التي اختلطت بالأساطير الكثيرة، ليصل إلى نتيجة أن الديانات السماوية الثلاثة ذات جذر واحد هو الدين اليهودي، وأنه لم يحدث هناك قطع مطلق ما بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية، بل بقيت هناك عوالق كثيرة بين الديانتين، حتى على مستوى المذاهب( التشيع على سبيل المثال).
وينفي الكاتب مقدما أي استنتاج متسرع يمكن أن يصل إليه القارئ بأن المؤلف يسعى من وراء كتابه إلى التطبيع السياسي،وإنما هو يهدف إلى” استكشاف المخفيّ أو المُتخفّي من المشتركات التاريخية، والأسطورية، والإنثروبولوجية، والثقافية، والروحية، والفكرية الأعمق والأرسخ من العصبيات المتشدّدة الأحادية الرؤية، الصادرة عن العقول المغلقة أو الملتهبة من الأطراف كافة”. وهو يفسِّر ظهور الأساطير ذات الأصل الإسرائيلي في التراث الإسلامي، إلى أن المنطقة برمتها كانت مثقلة بالأساطير الدينية قبل مجيء الإسلام بقرون عديدة، وبالتالي كان لا بد من تأثرها بها.
ويقلب الباحث النظريات المختلفة على رؤوس أصحابها إذ يكشف أنها مستعارة من خصومهم، فمثلا يصر بنو إسرائيل على تسمية القدس باسمها الكنعاني «أورشليم»، فهم كنعانيون دون أن يدروا، أما العرب المسلمون فيسمونها القدس، وهو اسم الباحة الوسطى في الهيكل، ويسمونها بيت المقدس، وهو حرفياً اسم الهيكل ذاته، ومكنون صفاته. فنحن نسمي المدينة بالهيكل، ونصرّ على نفي الهيكل، وعلى إسكات صوت هضبة الهيكل بعد أن حوّلنا المدينة كلها عبر اللغة إلى هيكل!!
عن قدسيّة القدس، يشير الكاتب إلى أن التقديس قديم، فهو بدأ عند الكنعانيين، وانتقل إلى العبرانيين، الذين هم قبيلة كنعانية، فلو أُزيل بنو إسرائيل ودينهم الأسطوري من تاريخ فلسطين، ولو أُزيلت نصوصهم من تاريخها ما تقدّست فلسطين، وما تقدّست مدينة القدس وهضبة الهيكل (الحرم القدسي)، ولا الهيكل (المسجد الأقصى القرآني). لو أزيلوا وأزيل دينهم وأساطيرهم ومحي تاريخهم لأصبحت فلسطين مجرد (كرادور) للفتوحات الإمبراطورية، ولما امتلكت أي أهمية أو قداسة أو قدسية، فهذه القداسة الممتدة عبر القرون ارتبطت باليهودية، ووصلت إلى الإسلام مرورا بالمسيحية. ويمكن أن يلاحظ القارئ المتمعن أن القرآن الكريم لم يذكر فلسطين بوصفها أرضا مقدّسة إلا في معرض حديثه عن بني إسرائيل!
ويرى الباحث أنه لا بد من إنقاذ القرآن من التفسير الحرفي غير التأويلي لقصص القرآن الكريم ذات الأجواء التناخية والتلمودية والهاجادية، لأنها في أصلها وفصلها أساطير تناخية أو شبه تناخية مختلقة لا أساس تاريخي لها.
وعن العلاقة مع الآخر، التي يفرضها الواقع الموضوعي والتاريخ والحاجة الإنسانية، يرى الكاتب أن الآخر إنسانياً وعرقياً ودينياً ليس العدم وليس النقيض وليس الموت، ويؤكد على أن الآخر هو أنا عندما أخرج من أدواء الأنا ومن عزلتي عن الآخر الذي أنا هو وهو أنا، رغم تراكب أغلفة العُزلة العرقية القومية الدينية الوهمية التي تأبى الانتهاء إلا بتفجير أسوار فجر عزلة ظلمة ليالي الإنسان الظلماء!!
الكتاب يطرح العديد من التساؤلات ويعرّي الكثير من المتناقضات، ويكشف الزيف عن الكثير من المغالطات، ويمنحنا القوة في تناول جميع التابوهات، و يفضح معرفياً كل ما علق بالديانات الربانية من أساطير وخرافات أوصلتنا إلى ما نحن فيه من تعصّب أعمى لا يمت للدين بصلة.
ويذكر أن الدكتور سليمان الطراونه من مواليد سنة 1956 في الكرك، درَسَ الهندسة المدنية في جامعة “ويِسْكُنْسِن” الأميركية فحصل منها على شهادة البكالوريوس (1980)، وشهادة الماجستير (1983)، ثم حصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية (تخصص مصادر المياه/ السدود) من جامعة “بيركلي” ببريطانيا سنة 1986.ثمَّ حصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي من الجامعة الأميركية في القاهرة سنة 1990.
عمل في التّدريس بجامعة مؤتة منذ 1986، وفي الجامعة الأردنية (2000-2009)، ثم خبيراً للسدود في سلطنة عُمان (2009/2010)، وخبيرَ سدودٍ واستشارياً في سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وقد أشرف على تنفيذ العديد من المشاريع الهندسية. وله من الأعمال الأدبية روايات “مقامات المحال”، 1991، و” البتراء الأم العذراء” 1994، ومجموعة قصصية” مقامات التحولات” 1992، و”مقام الأختام في زمن السلام” 2002، وكتاب نصوص أدبية بعنوان” ابتهالات ثقافية” 1994، وله في الدراسات: دراسة نصّية أدبية في القصة القرآنية، 1992، والإعجاز العلمي في القرآن الكريم- الكون والماء، 2000.
دعوة للقارئ الذي يسعى لمعرفة الحقيقة، لقراءة هذا الكتاب.

شاهد أيضاً

“الحياة التي” لم نعشها لأماليا داود

(ثقافات) صدر كتاب”الحياة التي لم نعشها” للمترجمة والكاتبة الفلسطينية المقيمة في فرنسا آماليا داود، وهو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *