الرئيسية / قراءات / روايات رصينة وأخرى ملفّقة (1)

روايات رصينة وأخرى ملفّقة (1)



*لطفية الدليمي


القسم الأول
لديّ تقليد يوميّ في القراءة داومتُ عليه منذ سنوات عدة ، ويقوم هذا التقليد على قراءة رواية مكتوبة بالعربية أو الإنكليزية لما يقارب الساعة يومياً قبل النوم ، وحصل قبل بضعة شهور أن وقعت بيدي نسخة ورقية لرواية ( Still Alice ) للكاتبة ليزا جينوفا Lisa Genov ، وممّا شجّعني على قراءة الرواية بلغتها الإنكليزية هو مشاهدتي السابقة للفلم السينمائي المنتج عام 2014 و- المأخوذ عن الرواية – والذي حازت عليه الممثلة المرموقة ( جوليان مور ) جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة . كانت غايتي الأساسية من وراء قراءة النص الأصلي للرواية هو معرفة الكيفية التي طوّعت بها الكاتبة التفاصيل الإكلينيكية لمرض الزهايمر في سياق سردية روائية حازت انتشاراً واسعاً فرض نفسه على السينما الهوليودية المعروفة بجشعها التجاري الذي لايرى غير الربح الفاحش مبتغى وحيداً جديراً بالسعي والمغامرة.

تحكي ثيمة الرواية عن ( أليس هولاند ) : البروفسورة في مادة علم النفس المعرفي والآليات الإدراكية الخاصة بديناميات تعلم اللغة ، والتي تعمل أستاذة في جامعة هارفرد العريقة بصحبة زوجها الأستاذ في الجامعة ذاتها . تعمل الروائية منذ الصفحات الأولى على تمهيد الأرضية أمام القارئ ليعرف أنه إزاء شخصية تعاني تمظهرات مرضية تشير إلى بوادر مرض الزهايمر ، وتنبهت إلى تلك العبارات المهمة التي وضعتها المؤلفة في مطلع روايتها وقبل الانطلاق نحو المتن الروائي ، وقمت بترجمتها:
“حتى في ذلك الوقت قبل ما يزيد قليلاً عن السنة كانت ثمة خلايا عصبيةّ دماغية قريبة من أذنيها تذوي في سكينة تامة إلى حدّ جعل من قبيل الاستحالة أن تسمع أليس صوت استغاثة تلك الخلايا المتلاشية . يمكن أن يعتقد البعض أن هذا المرض قد أوسعها غدراً وجعل خلاياها العصبية الدماغية تسلك على نحوٍ يقود لدمارها الذاتي ، وسواءٌ كان هذا جريمة جزيئية أم انتحاراً ذاتياً للخلايا فقد عدمت تلك الخلايا الوسيلة الكفيلة بتحذير أليس ممّا سيحدث لها عمّا قريب قبل أن تذوي إلى الأبد …..”
تساءلت مع نفسي وأنا أقرأ هذه العبارات الافتتاحية : كيف أمكن لهذا الحشد اللغوي المزحوم باستعارات مفاهيمية علمية أن يثير انتباه القارئ وبخاصة في المطلع الافتتاحي للرواية ؟؟، وتضاعفت رغبتي في البحث عن السبب الذي جعل الرواية تحقق مبيعات كبرى “بيست سيللر Bestseller كما تسمى في العادة” وتُترجم إلى سبع وثلاثين لغة ، علماً أن المؤلفة هي ذاتها عالمة أعصاب جازفت بتحمّل تكاليف نشر هذه الرواية عام 2007 ” وهي روايتها الأولى التي نشرت بعدها ثلاثة أعمال أخرى”، ثم دفعت المبيعات الكبيرة للرواية دار نشر مرموقة هي (سايمون آند تشوستر) لشراء حقوق نشر الرواية من من الكاتبة عام 2009 وإعادة نشرها بصيغة كتاب جيب زهيد الثمن بغية إيصال الكتاب إلى أوسع حلقة من القرّاء.

دفعتني تساؤلاتي العديدة إلى قراءة مراجعات نقدية عدّة للرواية ، وقد اتفقت معظم المراجعات على ضرورة أن يمتلك القارئ شيئاً من معرفة معقولة بعلم النفس الإكلينيكي، أو أن يسعى في الأقل إلى امتلاك شيء من تلك المعرفة إذا شاء الاستمرار في قراءة هذه الرواية ، كما أكّدت المراجعات النقدية أن من المهمّ الاصطبار على قراءة الصفحات الأولى التي تبدو متيبّسة على نحو واضح ومفتقرة إلى التشويق الروائي المطلوب الذي يثير إنتباه القارئ ويجذبه إلى متابعة العمل الروائي بسلاسة وتلقائية توفّر له المعرفة والمتعة معاً.
 يتبع
______
*المدى

شاهد أيضاً

(الخيبة الرابعة بعد الألف) للشاعرة سميحة التميمي

قراءة في قصيدة :الخيبة الرابعة بعد الألف من ديوان “وتريات غجرية ” لسميحة التميمي * …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *