الرئيسية / إضاءات / حين تصبح الرواية أمثولة التمرد الآمن

حين تصبح الرواية أمثولة التمرد الآمن


*ليلاس سويدان


في مقال للروائي السوري فواز حداد بعنوان «الرواية على طريق الدراما»، تحدث عن الرواية التي تكتب اليوم والتي كما ذكر في مقاله «لا تخفي جموحها نحو التعبير المنفلت عن القيود ولكن دون هدف أو رؤية»، وهو ما يجعل تسويقها وتقديمها تحت فكرة تشجيع التجريب في الرواية أمرا مشكوكا فيه، لأن التجريب دون موقف من الحياة كما يرى حداد أمر عبثي لاجدوى منه. ولفت النظر إلى أن هذا النهج وراءه سلطة ثقافية تدفع الكتاب الشباب نحو كتابة الرواية «حسب المواصفات» أو مدجنة، وفي الوقت نفسه تمتص حاجتهم للتعبير التي قد تأخذ أشكالا أخرى غير الكتابة.
تشجيع وتدجين
لا أظن أن الحديث عن «سلطة ثقافية» تبدو أنها تشجع الرواية، ولكنها في الوقت نفسه تدجنها، أمر يمكن نفيه بسهوله، فالحديث عن الرواية أصبح مقرونا بالحديث عن الجوائز وعن الفسح والمنع في بعض الدول العربية. والجوائز هي جوائز سلطة حتى وإن حمل بعضها تسميات عالمية أو أسماء أفراد أو كانت جوائز دولة بشكل مباشر. مرة واحدة انفجرت حمى كتابة الروايات وحمى إطلاق الجوائز، وحديث كثير عن مضامين جديدة ومقاربات لموضوعات «شائكة» كما تسمى، في مجملها ليست أكثر موضوعات «آمنة» طرحها الواقع والإعلام قبل أن تطرحها الرواية، والتي ليس مطلوبا منها كأدب يحتوي فكرا أن تكون جرس التنبيه أو أداة السرد المختلفة لما هو معروف، ولكن بلغة رفيعة وتكنيك مختلف، وإلا لأصبحت الرواية «أمثولة» بسرد روائي ولغة أدبية أو توصيفا بليغا لحركة الواقع لا استجوابا تأمليا لها.
قراء جدد
كثير من الروائيين اليوم وقفوا في منطقة قريبة من محلل سياسي أو كاتب صحافي وأقل من مفكر أو روائي كبير أو ناقد، ونبتت شريحة قراء جدد يبدو أن قراءاتها وثقافتها وهمومها تستجدي كتابة كهذه، لذلك تحتفي بالرواية وتجد أن قراءتها تلخص معنى «الثقافة» وتتقاطع مع نمطية ذهنية تكونت لديها عبر عشرات السنوات من أن الأدب أو الفن يطرح مقولاته وأسئلته بشكل غير مباشر، وكأن هذا ملخص براعة الكاتب!. وهناك إشكالية كبيرة في فهم معنى «المباشرة» والتأويل عمقتها سنوات القمع والتلصص على الكلمات.
سياسة الاحتواء
كثيرا ما كنت أطرح على نفسي سؤالا يتعلق بجدية دعم الثقافة وأنا أتابع خطابات الجوائز والمناسبات الثقافية الرسمية وغير الرسمية التي هي بشكل آخر رسمية أو سلطوية أيضا، والتي تتحدث عن دعم الإبداع و«زيادة الوعي الثقافي المعرفي» كما تهدف إحدى المؤسسات الثقافية العربية التي أطلقت جائزة للرواية. لماذا الرواية تحديدا؟ وأين التعليم والحريات من فضاء الإبداع؟، هل السلطة يؤرق مضجعها فعلا وضع الرواية العربية تحديدا؟! الرواية مهمة فعلا، وتحتل المرتبة الأولى من قراءات أكبر شريحة من القراء في كل المجتمعات، العربية وغيرها، وتأمين هذه المنطقة من القراءة والكتابة يبدو أنه يتم بسياسة الاحتواء، بمعنى «اكتب بمعاييرنا وسنروج كتابك، والقارئ سيصله ما نريد». خارج هذه الدائرة قد يبدو الكاتب جريئا وهذا جميل، ولكن نعود للمربع الأول والسؤال عن معنى كتابة الرواية والتجريب والتكنيك وقراءة العالم، إن كنا نتفق مع كونديرا في أن الرواية هي «الشكل الأكبر من النثر الذي يفحص فيه المؤلف حتى النهاية وعبر ذوات تجريبية بعض تيمات الوجود».
___
*القبس

شاهد أيضاً

الروائى السورى هيثم حسين : خبرة الكاتب لا يمكن أن تظلّ حكراً عليه

حوار‭:‬منصورة‭ ‬عز‭ ‬الدين ‭ ‬فى‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عاشت‭ ‬الكاتبة‭ ‬البريطانية‭ ‬أجاثا‭ ‬كريستى‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *