الرئيسية / قراءات / ما بين الوهم والحقيقة تتأرجح أحلامنا في “أوهام أوغسط اللطيفة”

ما بين الوهم والحقيقة تتأرجح أحلامنا في “أوهام أوغسط اللطيفة”


*سماح خليفة


خاص ( ثقافات )
عندما قرأت عنوان الكتاب راودني السؤال التالي: هل يمكن للأوهام أن تكون لطيفة في أي حال من الأحوال؟؟ الوهم هو السراب، فكيف للسراب الذي يبقينا عطشى ويجفف أوصالنا أن يكون لطيفا؟ أم أننا كفلسطينيين منهكين ومتعلقين بخيط من الأمل نواسي أنفسنا دائما ونغمض أعيننا عن الخيبات التي تجترنا؟
هذه الأسئلة أجابني عليها مشهور البطران في كتابه “أوهام أوغسط اللطيفة”، حيث يدعونا مشهور البطران في كتابه إلى الانتصار على ذواتنا اليائسة التي تشكلت لبناتها من الخوف والجبن والحزن واليأس، يدعونا إلى أن نحطم ذلك البناء ونرمي تلك اللبنات في قاع الماضي؛ لنبني ذواتنا من جديد، ونستبدل تلك اللبنات الهشة بلبنات صلبة من قوة وجرأة وإرادة وطاقة وعزيمة؛ لتكون قادرة على النهوض والوقوف في وجه الريح؛ ليقول لنا: كل منا لديه طاقة وإرادة كبيرة، ولكننا لا نكتشفها إلا إذا اخترنا خيار المواجهة، ولكن مواجهة ماذا؟ مواجهة عدونا الداخلي الذي يمكّننا فيما بعد من مواجهة عدوّنا الخارجي، مواجهة مخاوفنا بل أوهامنا وهذه المواجهة هي التي جعلت من تلك الأوهام لطيفة؛ فهي لم تستطع فرض وجودها، وهذا ما يتضح في مجموعته القصصية الحافلة بالرموز، وأرى أن الكاتب كان موفقا جدا في الرمزية وعدم الكشف عن هوية تلك الرموز لتركها للقارئ، يأوّلها حسب ما تقتضيه ظروفه ومعاركه الحياتية، فهذا العملاق الغريب في قصته “الرجل ذو العين الواحدة”ص17 قد يأخذ القارئ إلى عدة احتمالات، هل هو العدو الصهيوني؟ أم هو عدوّنا من بني جلدتنا؟ أم هي ذاكرتنا التي سمحت لصور وأحداث جبانة أن تنمو تحت سقف أسود قاتم؟…الكاتب جعلنا في هذه القصة أمام ثلاث خيارات: الانتحار “اعتليت النافذة لأرمي نفسي إلى الأرض”ص19، أو الاستسلام “لا فائدة من المقاومة، فعندما يكون عدوك متوحشا فلا مناص من التسليم بالأمر الواقع” ص20،أو المقاومة “سأقاوم، فإن نجحت فزت بما تبقى مني، وإن فشلت سأكتفي بشرف المحاولة” ص22، ويوضّح الكاتب أن تلك المقاومة لا يجب أن تكون مقاومة نتيجة لحظة انفعالية عبثية؛ بل عليه اختيار اللحظة والمكان المناسب لإنجاح العملية بتحقيق النصر “اختيار اللحظة والمكان وموقع الطعنة أمورٌ تحدد مدى نجاح العملية” ص23، وفي هذا نجد دعوة من الكاتب للتفتيش في إمكانياتنا المجهولة والتفكير أيضا في خيارات المقاومة؛ فلكل شخص أو عدو مهما بلغت قوته وجبروته نقطة ضعف علينا التركيز عليها حتى نحرز النصر، وهذا ما فعله البطل عندما لم يهاجِم إلا بعد أن بحث في إمكانياته، واستعد جيدا ثم هاجم لينتصر وينال حريته؛ ليتضح فيما بعد رؤيته للأشياء ويكتشف جمالها من حوله، فربما ذلك المارد العملاق لم يتمادى في جبروته إلا لضعف ضحيته.

وتلتقي الرسالة الموجهة في هذه القصة مع قصته “الرجل الأزرق” ص67، فهو يبين دور الإشاعات في تضخيم الأمور وتهويل الحوادث وجعل الحقائق الصغيرة أقرب إلى الأوهام الكبيرة الضخمة التي تصل إلى حد الأساطير المخيفة التي تعشش في الذاكرة “وخُيّل لي أني أسمع طقطقة عظامي بين طواحينه…أمعائه” ص68، “إذا ما بتعمل كذا رح أخلي الرجل الأزرق يوكلك” ص69، “كبرت وأصبحت رجلا وما زلت أرى الكهل الأزرق على حاله حتى الآن”ص70. 

ويوضح الكاتب أن الأوهام هي عدو بغيض عندما نسمح لها بالسيطرة علينا كما في قصته “الدّمل الذي كاد يفقأ صاحبه” عندما أورد ص31 “فنظرَت إليّ باستغراب وقرأتُ في وجهها كلاما لم تقله: ما الذي يدفعك للاعتقاد أن وضعك أكثر إلحاحا من غيرك؟”…وفي قصته هذه أظن أن الدّمل هو الكيان الصهيوني؛ فذلك الدمل الذي يجب علينا أن نتعامل معه بشكل طبيعي؛ لأنه -حسب أوهامنا ومخاوفنا التي تكدست على مر السنين- لم يكن وليد الساعة بل حصيلة نمو سنوات طويلة “الأمر ليس بهذه البساطة يا عزيزي، فإزالته ممكنة نظريا،…لقد أخذ سنوات طويلة وهو ينمو ويتبلور ويتشكل، وما نراه منه هو فقط مرحلة قصيرة من مراحل تطوّره” ص34، ولكن هل يجب أن نتعايش مع هذا المحتل أو مع أي خوف يستوطن الذاكرة، فربما لا نستطيع أن نحذف الماضي من الذاكرة، ولكن ربما نستطيع تجاوزه لنمضي قدما “ونصحني ألا أفكر فيه وأن أتعايش معه بكل هدوء وطمأنينة”ص35، وقد يرمز الكاتب من وراء كل ذلك إلى دعوة الغرب لنا للتطبيع والسلام مع الكيان الصهيوني. وهذا يبدو جليا واضحا في قصته “حرب الصراصير” ص10، حيث أن الصراصير(الإسرائيليون) يستوطنون بيتنا(فلسطين) ويشير الكاتب إلى رحلة مفاوضات أوسلو منذ أن قبلنا بمبدأ التفاوض حتى أصبحوا هم الأسياد ونحن العبيد؛ مما خلق الإحباط لدينا ليجعلنا نتخلى عن حريتنا ووطننا ونسلمه لعدونا؛ لنعتاد العيش في ظل الشعور بالحرمان والقهر والاضطهاد، وهذا ما عبر عنه في قصته”يده اليسرى” ص53، عندما صور الإنسان لشدّة يأسه وإحباطه من ظروف الحياة أحيانا يبدي استعداده للتخلي عن كثير من الأشياء التي تخصه في لحظة ضعف ويأس كما أبدى البطل استعداده التخلي عن أحد أعضاء جسمه وهو يده اليسرى ليعتاد العيش دونها.

وبالعودة إلى موضوع التطبيع والسلام الذي أشار إليه الكاتب سابقا فهو يوضح في قصته “معنى السلام…معنى الاحتلال” ص117، حيث أشار الكاتب إلى الأفكار التي يتم زرعها في عقول الناس في الدول الغربية الأجنبية “ثمة غسيل دماغ مسبق لكل عابر إلى هذه البلاد” “الفلسطينيون انتحاريون إرهابيون، غزة والضفة بؤرة إرهابية، إسرائيل بلد الديمقراطية” ص122، وهذا يتضح عندما التقى بطل القصة بكيت شوجرمان على حاجز ترقوميا العسكري لتبدأ الحكاية من هنا.

ويشير الكاتب في قصته “مسوخ في الطريق الى البيت”ص39 الى التخبط والقلق الذي يسود المجتمع الاسرائيلي رغم القوة التي يمتلكها “ثمّة قلق في الشارع الاسرائيلي من أن أصدقاء ربما يكونون عرضة لهجمات كلبية” ص46

وفي قصته”الطوفان الثاني” ص،50 لا يُخفي الكاتب أُمنِيَته -وسط ما تتعرض له بلاده من هيمنة الطغاة والحكام والمستعمرين- بهيمنة جديدة لطوفان جديد لا يفرق بين قوي وضعيف كلهم سواسية “لأول مرة هذه الأرض بلا طغاتها ولا ملوكها،لا قادة فيها ولا زعماء، كل الناس سواسية أمام الماء، أمام البحر،أمام الطوفان” ص52 
وبين كل هذه الأوهام والحقائق وما يتأرجح بينهما من أحلام جميلة تبدو جليه في قصته “النهر الذي أراد أن يكون شاعرا” ص79، ففي داخل كاتبنا حلم جميل وهو أن يصبح شاعرا، ففي داخل هذا الكاتب مرهف الإحساس يسكن شاعر لم يخرج إلى العالم بعد؛ إلا أنه يطرق الباب بين الفينة والأخرى في محاولة للخروج، ولابد أن يتنبّه له صاحب البيت ليفتح الباب على مصراعيه؛ ليسمح لذلك الشاعر بالانطلاق “…:هل أنت شاعر أيها النهر؟” ،”الآن أدركت لماذا كان النيل يبتلع الصبايا، كان يريد أن يكون شاعرا”ص83

وينطلق هذا الكاتب الشاعر مرهف الإحساس ليتطرق إلى الحديث عن حاجة الإنسان إلى الحب والعشق وحاجة الرجل إلى امرأة تفيض حنانا وعاطفة كي تخفف عنه وجع الواقع المرير كما يبدو في قصته “انتظرتها” ص136 “تُحاول تهدئتي بدندنة تشبه تموجات ريح ساعية من بحر صاخب الغناء”، وقد يحب الرجل امرأة لتصبح قصة مطرودة من حياته فيحاول التحرر منها عبثا؛ ليكتشف أنه لا خلاص أحيانا من قصة حب مرّت في دربنا “القصص بشر تأخذ هيئة صانعيها. فهي تحزن وتفرح، وتغضب وتتشرد، لكنها لا تموت، لا بل تظل خالدة وتُخلّد في خلودها كتّابها الموتى”
ويشير الكاتب إلى أن عجز الإنسان عن تغيير الحاضر وصنع المستقبل يدفعه إلى أن يظل قابعا في الماضي في سجن للذكريات، بؤس الواقع يجعل الفرد بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص إلى العودة للتاريخ الفلسطيني باحثا وراء تجربة سالفة، وأي تاريخ سنبحث فيه؟! تاريخ بعيد يحتاج أشواطا للخلف؛ ليستطيع استحضار لحظة مبهجة “تأملات في صورة على الجدار”ص143، ومن هنا نجد الكاتب يبحث عن بصيص أمل عن فسحة من نور يجدد بها حياته ويعطيها طعما آخر؛ ولكنه لا يجد حوله إلا مشاهد باهتة لا حياة فيها، الانفعالات والشجب والاستنكار وحده لا يأتي بجديد لفلسطين الأرض والوطن، وعلينا أن نتجاوز هذه الحالة إلى حالة الفعل “القصيدة لم تأت بعد” ص147

ومن منا لا يخطئ؟!…ولكن علينا أن نتجاوز الماضي بأخطائه ولا نسمح له أن يكبلنا في سجن الماضي؛ فيشلّ حركتنا في الحاضر ليخلق فجوة كبيرة بيننا وبين مستقبل مشرق يمكن أن تتضح ملامحه مع الزمن؛ فبطل قصته “كوميديا الأخطاء” ص103 بعد أن كبّلته أوهام الماضي “ما تبحث عنه يا صديقي، سقط في داخلك. العالم ليس موجودا هناك، بل هنا في رأسك” ص105، ورغم أنه لم يستطع مسح الماضي بأخطائه من ذاكرته عندما أخذ يشطب كل العناوين الحمراء من كتابه ليعود ويجدها ماثلة من جديد، أخذ يضحك بصوت هستيري ويقول:” من منّا بلا أخطاء؟ وما قيمة حياتنا دون أخطائنا؟” “وحتى التاريخ ما هو إلا مجموعة من الأخطاء واللا أخطاء” ص108

وكل شيء في بلادنا مختلف حتى الموت فللموت وجه واحد في كل البلاد، إلا في فلسطين فللموت عدة أوجه، وأما أكثرها إيلاما هو أن تموت منتحرا هاربا من هذا الواقع الأكثر إيلاما “احتمالات أخرى للموت” ص139، لينتقل بعد ذلك إلى صورة الموت في غزة”ستائر” ص153، ليتحدث بعد ذلك عن تلك النفوس الفولاذية الصلبة والإرادة القوية التي خلّفها الظلم والعنف والقتل على أرض غزة ورغم وجودها إلا أن الألم والحنقة تتغلغل في أغوار نفوسنا ومع ذلك يظل الأمل بمستقبل أفضل خير عكازة نتكئ عليها “حزن أعالي القلب” ص155، ثم ينتقل بعد ذلك في قصته “جرد حساب” ص159 وكأنه يطرح سؤالا: هل يمكن للفلسطييني أن يتصالح مع ذاته؟…فيفضفض لها وتفضفض له.

وما هو لافت للنظر أن قصته التي اختارها ليختصها بعنوان الكتاب “أوهام أوغسط اللطيفة” 109، لا تجد فيها الأوهام لطيفة على الإطلاق لأنها انتصرت على البطل وبقيت أوهاماً تحيا في عالم من الخيال؛ فلابد أن ننتصر على أوهامنا ونروضها لتصبح حقيقة حتى تكون لطيفة.

جاء هذا الكتاب في 164 صفحة من القطع الصغير، صدر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب الفلسطينيين/الأمانة العامة، وتزين غلافه الأمامي بلوحة من إبداع الفنانة أمينة رائد صوايفة، أما الغلاف الخلفي فتزين بلوحة من إبداع الفنان ريان رائد صوايفة. ضمت هذه المجموعة 20 قصة موزعة من حيث الطول ما بين القصة الطويلة والقصيرة والخاطرة.

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *