الرئيسية / إضاءات / البوكر 2016… حوار مع جورج يرق المرشح في القائمة القصيرة

البوكر 2016… حوار مع جورج يرق المرشح في القائمة القصيرة



أين كنت عند الإعلان عن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية؟ وماذا كان رد فعلك؟
كنت لائذاً بالفراش في ذلك الصباح الماطر والبارد. أتنتقل بين الصحف على شبكة الانترنت. كنت اعرف ان القائمة القصيرة ستعلن بعد اقل من ساعة. او ربما أُعلنت. ترددت في البحث في “غوغل” عن النتيجة. إذ حسبي أن اضع عبارة ” القائمة القصيرة- البوكر 2016″ حتى اعرف الخبر. خشيت أن اخسر الامل ومتعة الانتظار اذا ظهرت القائمة ولم تكن روايتي في عداد الروايات الست. ذاك الامل وتلك المتعة رافقاني منذ وصول الرواية الى القائمة الطويلة. كنت مشوّشًا. أقرأ مقالاً تلو مقال ولا طاقة لدي على الاستيعاب. للمناسبة، كنت جعلت هاتفي خارج الخدمة. لأن اذا تجاوزت الساعة الثانية عشرة ولم يتصل بي أحد حاملاً إلي البشرى السارة، فهذا نذير مقلق. أخيراً قررت المواجهة. كتبت العبارة المذكورة آنفاً في خانة البحث في غوغل. فقرأت على أحد المواقع خبر اعلان القائمة القصيرة من غير ذكر الروايات المختارة. نقرت الرابط فظهرت أغلفة ثلاث روايات. لم تكن روايتي بينها. لا استطيع ان اصف الشعور الذي دهمني عندما رحت، نظير لاعب بوكر يحرك اوراقه ببطء شديد كي يرصد طرف الورقة المنتظرة، رحت ارفع الصفحة على مهل حتى بانت أطراف اغلفة الروايات الثلاث الاخرى، استمررت في الرفع، دوماً ببطء، وعرفت من اللون الازرق للغلاف في الموقع الوسط وتباعاً من رؤوس حروف الدارين الناشرتين أن روايتي في القائمة. ابتهجت جداً. شعور لم اعشه ربما منذ ايام الجامعة، حيث كنا نرقب صدور النتائج معلقة على لوح كبير، ونمضي نبحث عن علاماتنا في المربعات الصغيرة. تمالكت حتى استعدت هدوئي. تركت السرير وقصدت إلى الصالون حيث كانت أمي وشقيقتي. أخبرتهما بصوت خافت واعصاب باردة. لم تصدقاني. ظنتا أنّي أمزح. جلبت الـ “آيباد” وأريتهما النتيجة. فصدقتا وفرحتا. وفي المساء أقام صديق لي مأدبة في بيته احتفاءً بالمناسبة. 

ماذا يعنى لك ترشيح روايتك فى القائمة القصيرة للجائزة؟
جملة من المعاني: الأول، رفع عبء المسؤولية لدى الكتابة مستقبلاً، ولا سيما بعدما منحني هذا الترشيح بعضاً من الصيت. الثاني، الاعتراف، لأن البوكر جائزة محترمة. الثالث، احياء فكرة ان هنالك احداً يقدر الصنيع الادبي الجيد. الرابع، فتح الطريق واسعاً الى عالم النشر. احد الناشرين وافق على انجاز طبعة ثانية من “ليل” (2013) بشرط ان يتولى هو نشر روايتي المقبلة. الخامس، مضاعفة نسبة مبيع الرواية، وتالياً اتساع دائرة القراء. الطبعتان الثانية والثالثة صدرتا بعد وصول الرواية الى القائمتين الطويلة والقصيرة. السادس، اشاعة شيء من البهجة في محيطي العائلي.
هل لديك طقوس للكتابة؟
العمل الصحافي اليومي أكسبني قدرة على التكيف وجميع الاحوال والامكنة لدى الكتابة. حسبي الركون الى عزلتي الداخلية حتى انفصل عن المحيط وحركته. اكتب اينما كنت. روايتي الثالثة (ستصدر آخر السنة الجارية) كتبتها كلها على شاطىء البحر حيث هواة السباحة والحمّام الشمسي. احياناً أكتب في سيارتي، أو في المقهى. قبل مباشرة الكتابة اقرأ نحو ثلاثين دقيقة، أي شيء اقع عليه في الـ”ميني آيباد” الذي زودته قرابة ألفي كتاب. مع وجود هذا الجهاز الصغير الذي يمكنك وضعه في الجيب، لست في حاجة الا الى الرغبة في الكتابة. لا اوراق. لا قلم. لا طاولة. ثلاثة امور تمنعني من الكتابة هي نفسها التي تمنع المرء من النوم: الخوف والجوع واحتقان المثانة. طقوس الكتابة في الشتاء هي غيرها في الصيف. في الشتاء بامكاني البقاء اسبوعاً في البيت، من غير ان اخرج الا الى الشرفة. اضع فيلماً في جهاز الـ”دي في دي”، اشغله بلا صوت، وامضي في الكتابة. اكتب وأقرأ طوال اليوم. في الصيف لا استطيع الكتابة في البيت. اذهب الى البحر حيث امارس احبّ هوايتين إلي وهما المشي والسباحة. وهنالك أكتب أيضاً.
لماذا تكتب؟ ولمن؟
تلتقي غالبية اجوبة الكتّاب عن هذين السؤالين في مكان واحد مع بعض الفروق. حتى أضحت كليشيهات: إصلاح المجتمع، عدم إجادة عمل آخر، مواجهة الوقت… عندما عملت في الصحافةً كتبت من اجل اللقمة. كانت الكتابة حرفتي. منذ مطلع المراهقة اقسمت اني لن أكل لقمتي الا من الكتابة. وقتذاك كنت قد ابتليت بحرفة الادب. لا ازال وفياً لذلك القسم برغم كل شيء. اليوم، بعدما انصرفت عن الصحافة قسراً، استغللت البطالة لكتابة باكورتي “ليل” ممهداً بها الدرب الى المسلسل الدرامي التلفويوني. شئتها بطاقة تعريف بي للمنتج ولسواه من العاملين في ذلك المجال الحيوي. صودف ان أسباباً شخصية حالت دون البدء بكتابة المسلسل، وفي الوقت نفسه حصدت روايتي الاولى صدى طيباً لدى القراء والنقاد اذ بيع منها لدى فروع إحدى المكتبات المشهورة في لبنان ثلاثمئة نسخة. وهو رقم لم يبلغه روائيون معروفون بشهادة مدير القسم العربي في المكتبة المذكورة. هذا كله حثّني على كتابة “حارس الموتى”. بلوغ هذه الرواية القائمة القصيرة والترحيب الذي رافق صدورها ثم اختيارها في عداد الروايات الست سببان اضافيان لتكملة طريق التأليف الروائي من غير التخلي عن الكتابة التلفزيونية التي قد تكون مورد رزق. فقلة من الكتّاب، ويا للأسف، تعيش من مردود مؤلفاتها.
لمن أكتب؟ أكتب للقارئ الباحث عن “الامتاع والمؤانسة”. هاتان المزيتان هما مبتغاي كاتبًا وقارئًا. وأجهد لتأمينهما في كتاباتي.
من هم الكتاب الذين أثروا فيك كروائي؟
جميع الروائيين الكبار هم اساتذتي. علمني كل منهم شيئاً معيناً. كذلك تعلمت من الشعراء وكتّاب المسرح واللغويين. امسك عن ذكر الاسماء وعناوين الكتب خجلاً من الاستعراض الثقافي المفتعل الذي تزخر به الحوارات. تعلّمت أيضاً من الروايات التي قرأتها مخطوطةً إبان عملي محرراً ومدققاً لغويًا في دارين كبيرتين للنشر في بيروت.
يستعجب أحد النقاد من أن عابر يصرح دائماً بأنه يكره العنف والحرب إلا أنه ينخرط فى هذه الأعمال حتى وإن كان ذلك كمتفرج فقط ويتساءل: “هل بمقدور المُصادفات وحدها حمل شخص يمقت العنف والقتل وكل ما يمت إليهما بصلة، على الإنخراط في ميليشيا ثم العمل في برّاد موتى؟” ما رأيك؟
يبدو ان ناقدنا المستعجب ليس على بينة تامة من شخصية عابر ليطاني. ان الحرب بالمناظير سهلة. من عاش الحرب بكواليسها وكوابيسها مثلما عاشها عابر، يدرك مدى معاناة شخص غريب في مدينة على فوهة بركان. لو ظل عابر خارج الحزب لربما تحول سارقاً أو مجرماً. الثكنة حمته. فقد بقي نقياً برغم اشتراكه في المعارك وفي بعض العمليات الخاصة، وفي المتراس. عندما اُختير للقنص رفض قتل الناس. راح يتسلى بحل الكلمات المتقاطعة والقراءة والرمي على طائرات الورق وصور الزعماء. وخلال تمشيط منطقة العدو انقذ مقاتلاً من الموت إذ اطلق النار عليه واصابه برجله. فعل ذلك لأن رفاقه كانوا سيجهزون على المقاتل الفار. ثم أقنعهم بجدوى أسره كي لا يقتلوه. أضف أن عابر لم يكن متفرجاً بل شاهداً واعلن شهادته عندما دان الحزب واعماله القبيحة وسلوك بعض رفاقه الذين حاربوا لا انتصاراً لقضية ومبادىء بل لغايات صغيرة. لكن عابر “تلوّث” خلال عمله في المستشفى. كيف لعامل كادح ان يرى ادارة المستشفى تسرق الهبات التي تأتيها لمساعدة الفقراء، ويبقى محافظاً على نقاوته ونظافة كفه. هذا الواقع، بالاضافة الى ضعفه الانساني، جرّه الى ارتكاب أفعال لم يكن ليرتكبها لو أنه لبث في ضيعته. 
من المحتم أن المصادفات تغيّر المصائر. كم من مصادفة فتحت باباً واغلقت باباً. الشواهد وافرة. نظريات كثيرة في العلم والطب طلعت من رحم المصادفة. لن أذهب بعيداً فأنا من الاشخاص الذين غيّرت المصادفة مصائرهم. حتى اولئك الذين خرجوا من الحرب سالمين فهم أحياء بالمصادفة غذ صودف انهم لم يكونوا أيام القصف والقتل، في المكان الذي فجرته قذيفة او سيارة مفخخة.
__________
*موقع الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)

شاهد أيضاً

عزالدين المناصرة: يا عنب الخليل كُنْ سُمًا على الأعداء..!

* فيصل درّاج احتضنت الخسارة برحيل عزالدين المناصرة وجوهًا متعدّدة: خسرته الثقافة العربية، وهو الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *