الرئيسية / إضاءات / بين غاليانو و بورخيس

بين غاليانو و بورخيس



*لطفية الدليمي


نشرت في “المدى” قبل نحو عامين ترجمتي لحوار طويل مع الكاتب الكبير أدواردو غاليانو ، الصوت الأعلى للضمير الاجتماعي لقارة أميركا اللاتينية والعالم. وأورد غاليانوفي الحوار آراء جريئة في وقائع وأشخاص من قارته اللاتينية هو أقرب اليهم منا وأكثر اطلاعا على أوضاعهم وفكرهم، صدم بعض القراء ممن يضفون القداسة على أسماء أدبية بعينها مثل اسم “بورخيس” الذي قلدّه ومجدّه كثير من كتابنا لمكانته الإبداعية وأسلوبه المتميز، وهاجم بعضهم غاليانو لأنه أبدى رأيا شخصيا حراً في بورخيس وهو الرأي الذي لم يكن صنيعة الإشاعة والموضة بل نتاج معرفة مباشرة ودقيقة تمنح غاليانو الحق في ابداء حكم من منطلقات وعيه وتجربته الخاصة.
يقول غاليانو عن بورخيس : بورخس لم يشغل أية مكانة في قلبي ولا أشعر بتلك الكهربائية الدافقة بالحياة في أعماله، أقدر كثيرا أسلوبه وحذقه ورفقته وهو مثقف كبير قطعا لكني أراه رجلا بمحض رأس و لا شيء غيره، لا قلب ، لا جنس ، لا معدة ، رأس وحسب ، رأس لامع في غاية الذكاء ، أراه أيضا نخبويا غارقا في نخبويته وعنصريا ونكوصيا يعتاش على حنينه الدائم والممض للدكتاتوريين العسكريين مثل الجنرال “فيديلا” في الارجنتين والجنرال “بينوشيت” في شيلي ، حقا لا أشعر بأي قرب تجاهه وهو لي محض مثقف قابع في مكتبة..
في مجتمعاتنا العربية المحكومة بالاتباعية وتبنّي أحكام الآخرين الجاهزة ننفر من الآراء الحرة المخالفة للسائد الذي يتبناه المشهد الثقافي وكأنه عقيدة ثابتة ، إذ تبدو المخالفة وكأنها نوع من التجديف بذات مقدسة سواء كان صاحبها كاتبا أو فنانا أو فيلسوفا، ويعد البعض أن قناعاته بشأن توصيف الكتّاب والشعراء والفنانين نهائية وغير قابلة للدحض فنحن لم نتعلم اتخاذ المواقف الفردية وإبداء الرأي الحر ولانجرؤ على نقد بورخيس أو ماركيز أو باموق أوكونديرا على سبيل المثال لأن بعضنا أحاطهم بهالات العظمة وصرنا نتقبل نتاجهم وكأنه فوق كل نقد.
يقول غاليانو صاحب الآراء الحرة “لا أؤمن بالحدود التي تفصل بين الأجناس الأدبية استنادا إلى ضباط كمارك الأدب وعندما كتبت كتابي ( ذاكرة النار) لم أشأ أن يكون رواية أو ملحمة أو قصيدة” وهذه هي الحرية التي تتيحها الكتابة للكاتب: فقد تمتزج الأجناس كلها في نص واحد ، ويكتب في مقدمة كتابه هذا “كنت طالبَ تاريخٍ بائسأ، وكان حضور درس التاريخ يشبه الذهاب الى متحف الشمع أو إلى إقليم الموتى ، كان الماضي ميتا أجوف وأخرس،علمونا عن الماضي بطريقة جعلتنا نستكين للحاضر بضمائر جافة لا لنصنع التاريخ الذي صنع مسبقا بل لكي نتقبله” بينما تقدس شعوبنا التاريخ بطريقة لا يجرؤ أحدنا معهاعلى نقده وتفكيكه.
ماذا يحدث لو اعترف كاتب من بيننا بأنه لايقرأ الرواية الا نادرا ومن باب الواجب كما اعترف بورخيس في سيرته “رغم أن حياتي مكرسة للأدب إلا أني قرأت روايات قليلة للغاية بدافع الواجب فقط لكني كنت اقرأ القصص فالقصة أقرب إلى إمكانياتي” 
سنة 2008 وقبلها نشط اتجاه عولمي لتسقيط الأساطير السياسية والفكرية فقد شهدت باريس أنشطة عدة لتجريد الثائر غيفارا من هالته المعظمة بإصدار عدد من الكتب المضادة له، وصادفت مئوية ميلاد سيمون دوبوفوار فنشرت مجلة النوفيل اوبسرفاتور – وكانت سيمون أحد كتابها – صورة عارية لها وعنونت الموضوع : دوبوفوار الفضائحية، وهكذا بعيدا عن يقينياتنا الثابتة تتغير قناعات العالم من حولنا كل لحظة.
________
*المدى

شاهد أيضاً

“ملف” تيسير سبول: الكتابة حين تكون صرخة احتجاج

اعداد وتقديم: جعفر العقيلي*   ما حدثَ أقرب إلى مشهد سينمائي مرسوم بدقّة؛ لا مجال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *