الرئيسية / قراءات / وحيد الغامدي يفكك أيقونات التدين

وحيد الغامدي يفكك أيقونات التدين


*محمد العباس



ليس الآخر فقط هو من يريد التعرُّف على طبيعة وأثر التديُّن في السعودية، التي يُنظر إليها كمضخة لتخريج المتطرفين، بموجب مجموعة من وقائع العنف والإرهاب المتداولة إعلامياً، بل حتى الإنسان السعودي نفسه صار معنياً بهذا السؤال، وهذا ما يحاول وحيد الغامدي الإجابة عليه من خلال كتابه «حكاية التدين السعودي» الصادر حديثاً عن طوى للثقافة والنشر والإعلام، حيث يرتد إلى الجذور التاريخية ليقف على ما آلت إليه الصيغة المتداولة للدين، التي أنتجت خمسة عشر سعودياً من أصل تسعة عشر ضمن المجموعة التي نفذت عملية الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية، عبر عملية فحص لمادة التدين السعودي، وتحليل أدبياته، لتقديم ما يشبه التفسير للمخرجات السلوكية والفكرية لتلك الحالة الصاخبة التي صارت محل اهتمام وبحث.
ومن ذلك المنطلق وضع نصب عينيه خليط المؤثرات البيئية والنصوص الدينية والمسار السياسي والأفكار الاجتماعية، ليفكك تلك الخلطة المعقدة المتماسكة التي استقرت في الوجدان الديني والاجتماعي، وصاغت طبيعة الوعي المحرك للأفراد والجماعات، وعلى هذا الأساس أراد ضبط المصطلحات المبعثرة ليرفع من قيمة الدرس البحثي، حيث فرق ابتداء ما بين السلفية والوهابية والصحوة، وحدد ملامح الفضاء الفكري لكل حالة، بما هي أيقونات التدين السعودي، خلافاً لما تم الاعتياد عليه من خفة في التعامل مع الحواجز والفروقات، ما بين تلك الحالات، فلكل حالة أذرعها الميدانية المختلفة عن الأخرى، ورصيدها في الأجهزة الحكومية وصفتها الدينية المغايرة.
لم يقصد بكتابه مناقدة الحالة الدينية، بقدر ما أراد تحليل حالة ثقافية قائمة بكل حياد وشفافية ووضوح، بموجب نضج في الظروف الموضوعية لتلك المجادلة، خصوصاً أنها تأتي من أحد أبناء تلك الحالة، ولا تأتي من رؤية بحثية خارجية، إذ من المعروف أن وحيد الغامدي قد (تشرب أدبياتها، وعايش تفاصيلها، تعاطى معها نقداً وكتابة ومعايشة ومعاناة لسنوات عدة من حياته)، بمعنى أنه بقدر ما يكتب عن الحالة يكتب من داخلها، وعلى هذا الأساس يقيم الحدود الإجرائية اللازمة ما بين أيقونات التدين الثلاث، التي راكمت وعي الإنسان السعودي وبنت تصوراته عن العالم، وهو التباس يقع فيه حتى بعض المستنيرين في الداخل الذين يتعاملون مع حالة التدين ومراحله ككتلة اعتباطية واحدة.
ولقراءة أصل الحاضنة السلفية بتميزها عن الحواضن السنيّة الأشعرية والماتوريدية والزيدية والظاهرية، يعود إلى لحظة وفاة الرسول (ص) وظهور الانقسامات السياسية في ما بعد، التي أتى على إثرها الخلاف المذهبي، الذي أخذ بالتشظي، حيث برزت مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، وحيث تفرع من مدرسة الحديث الحنابلة، ونشوء مدرسة الفكر السلفي ببعدها الأخلاقي، بما يختزنه هذا التيار من رؤى تتعلق بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتجسيم، والجهر بالبسلمة، وتحريم زيارة القبور، ومفاهيم الولاء والبراء، إلى آخر المعتقدات التي رسمت ملامح الحالة، مروراً بابن تيمية وتقسيماته المعروفة للتوحيد، بما يحتويه هذا التقسيم من فرز ديني لقسم كبير من المسلمين، حيث ظهرت فكرة التكفير ووصم المخالفين بالمبتدعة، ليستقر الأمر عند محمد بن عبدالوهاب، الذي استفاد من ذلك التقسيم في رسم الخطوط لأتباع حركته والمخالفين له.
وبعد تطواف عميق وواسع في قراءة الفروقات ما بين الحاضنة السلفية وخصومها في دائرة أهل السنة، يصل إلى ملاحظة منسوب عدم (الموادّة) أي الحث على الكراهية، ليقبض على جذر الوعي السلفي في المملكة، حيث أنتجت مفاهيم الولاء والبراء موجات العنف، التي منعت الكائن السعودي من التواصل الحضاري، فلا هو قادر على نقد تلك الأفكار السلفية المتأصلة، وليس بمقدوره تسويق هذه النسخة من الإسلام، الأمر الذي أوقع السلفيين في المملكة في ورطة، ودفعهم للعب دور حراس العقيدة، حيث اعتبرت السلفية نفسها أداة تنزيهية لتنقية الدين، وحازت السعودية احتكار تمثيل مرجعية السلفية، لدرجة أن الألباني رأى ضرورة إخراج القبر النبوي من المسجد، أو هدم القبة، كما صرح كل من الشيخين ابن باز وابن عثيمين، وهذا هو البعد العقدي الذي جعل التدين السعودي على درجة من التأثر بذلك التنميط من التربية، بما في ذلك التنمية الروحية وبناء الذات، وهذا هو ما يفسر – برأيه – فساد مخرجات التعليم،
أما الوعي الوهابي الذي درج الكثيرون على إطلاقه عنواناً للتدين السعودي فلا يمكن فهمه إلا بفهم سيرورة الحالة السلفية، ووعي المكتسبات التي صقلتها لتأخذ شكلها النهائي، حيث تقوم في منشئها على تصنيع ظاهرة الشرك والتكفّل بتدمير تلك الظاهرة، بمعنى اختلاق العدو اللازم لتسعير المعركة وشد عصب الجماعة، حيث يحاول تفنيد ما يسميه بالبروباغندا الوهابية، ودحض الرواية الرسمية التاريخية لذلك الوهم المختلق، إذ لا وجود لأي مظاهر شركية، استناداً إلى دراسة خالد الدخيل «الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة»، أما مادتها فتحمل العنوان الإصلاحي الثوري، أي عندما بدأ التسويق لفكرة النقاء العقدي، اعتماداً على التغول العقدي ذاته، أي تقديم نفسها كوكيل حصري للفهم الديني، من خلال مادة لفظية مشبعة بامتلاء الذات التي تزعم التميز والاختلاف.
والأهم أن الوهابية، على عكس السلفية حولت (المنتج الفكري السلفي إلى برنامج سياسي وعسكري على الأرض)، وتلك هي أصول اللعبة الوهابية، حسب تعبيره، حيث تمت صياغة النظام الديني والاجتماعي في الدولة السعودية الثالثة على يد أهم شخصية وهابية في القرن العشرين، وأحد أبرز أعلام التدين السعودي، الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ، أو من يسميه نبيّ التدين السعودي، بما تحصل عليه من مناصب وصلاحيات تربوية وتشريعية أخطبوطية، فهو مفتي البلاد الرسمي، ورئيس القضاء والمعاهد والكليات الشرعية، والمشرف العام على رئاسة تعليم البنات، ورئيس مجلس إدارة رابطة العالم الإسلامي، والرئيس المؤسس للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، تلك الجامعة التي لعبت دوراً في عولمة السلفية، حيث فرض مزاجه المعادي للفنون والثقافة.
أما الصحوة فهي بمثابة الصقل النهائي لشكل التدين السعودي، بالنظر إلى كونها (اتخذت صفة الحركية الفاعلة لتنفيذ نظريات المدونتين: السلفية والوهابية، وبذلك يمكن اعتبار الصحوة الجناح الحركي لتلك القيم التشريعية)، حيث ظهرت ابتداء كرد على صعود المد القومي والعروبي والناصري، ثم كجزء من حالة استخبارية لدعم الحالة الدينية الشاملة والجهاد الأفغاني بشكل خاص، حيث أخذ اللجوء إلى التدين في المملكة شكله الهستيري، في ما يبدو ردة فعل مبرمجة ضد الشيوعية والقومية والناصرية والبعثية، حيث بدت الحاجة ملحة لاستقطاب الإخوان المسلمين، واستنبات حالة قد لا ترضي السلفيين، المهم أن توجد حركة قادرة على القتال والمجابهة.
وهكذا تم تفعيل كل القوى القابلة للتفجير بما في ذلك الألباني الأب الروحي للجماعة السلفية المحتسبة، الذي يكن خصومة للوهابيين التقليديين، حيث حدثت مجموعة من الانشقاقات أدت إلى بروز حركة جهيمان واحتلال الحرم عام 1979 لتنطوي صفحة الجماعة السلفية المحتسبة، ويظهر ما تبقى منهم تحت مسمى (الجامية)، فيما خلا الجو لجماعة الإخوان المسلمين تحت مسمى (الصحوة) لأن المملكة لا تحتمل أي عنوان حزبي، لتبدأ مرحلة ثقافية دينية شاملة عنوانها العريض جملة من المحرمات الحياتية، وقد توافقت تلك الصحوة تاريخياً مع انتصار الثورة في إيران، وهكذا تأسس ذلك (الربيع الديني).
لم تكن (الصحوة) من منظوره سوى حركة إخوانية بلباس مراوغ، وهو (شعار رسالي مخفف من الحمولة الحزبية للمصطلح، ويحمل قيمة دينية مستساغة في بيئة سلفية، ولا يوحي بأي سياق سياسي يمكن أن يشكل قلقاً للسلطات في المملكة)، وهو إجراء يدل على الفطنة عند الإخوان الأوائل، وعلى براغماتية في التعامل مع المؤسسة الدينية ورموزها، إلا أن حرب الخليج فضحت نوايا الصحوة وحدث التباين الذي أدى إلى القطيعة مع السلطة، مع ملاحظة أن رموز الإخوان ليسوا هم رموز الصحوة، حيث لم يتخل التيار الإخواني عن حذره ويظهر إلى العلن والحركة إلا بعد اكتمال الرعيل الأول، كما حدثت انشقاقات أدت إلى بروز تيار السرورية، لتجتمع كل تلك الخلائط تحت عنوان الصحوة، بكل ما تحمله من تناقضات وتحزبات، إلا أن المادة الصحوية قامت على فقه الواقع وحراك الجماعة داخل النصوص الفقهية.
لم ترض الصحوة بتدين المجتمع الطبيعي، ولذلك أرادت أسلمته، فتدخلت في كل ما يتعلق بالشأن الإنساني من تعليم وترفيه وثقافة وفنون، كما صاغت مواقفها من المرأة بسلبية واضحة، كما سوّقت مشروعها كفكر إسلامي بديل لكل الأيديولوجيات، وبالتالي فهي تلتقي مع الوهابية في استهدافهما للفضاء الاجتماعي، وما استتبع ذلك من رهانات على طبيعة المجتمع المحافظ، وعلى هذا الأساس كانت تجادل القضايا، أي من منطلق الدفاع عن العقيدة وصيانة المجتمع، لدرجة أنها تسببت في تعطيل الحياة الاجتماعية بسبب التغول في عرض مظاهر التدين وافتعال التناقضات التي تمكنها من الحضور في كل شأن، لدرجة أنها صارت مسؤولة عن صناعة الوعي، الأمر الذي أدى إلى الإخلال بمفهوم الدين وظهور موجة إلحادية كردة فعل على القهر، وهذه نتيجة طبيعية لأي (حالة دينية بهذه النمطية من الجفاف الإنساني والفكري والسلوكي).
الكتاب على درجة من الثراء والقدرة على الإقناع، وهو إذ لا يزعم مناقدة حالة التدين إلا أنه يختزن تلك الطاقة التنويرية الواخزة، حيث يقدم في القسم المتعلق بتطبيقات التدين السعودي أمثلة في القضاء والدعوة والأمر بالمعروف تتجاوب مع القسم التنظيري، فيسائل المادة الاحتسابية وآليات الإرشاد الديني بوعي ومعرفية واسعة، ومن خلال أمثلة واقعية، كما يمدد تلك الأيقونات التي تختزن الوعيد الديني السعودي ليرسم معالم ما يسميه بالماركة الثقافية، التي أنتجت متوالية الطائفية وفوبيا التغريب وإقصاء الرأي المضاد إلى حد شيطنة المخالف وتدميره، حيث ذكر أمثلة لمجموعة من الضحايا إلى جانب ما تعرض له هو شخصياً من أذى مادي ومعنوي، كالحصار الوظيفي والتضييق الاجتماعي والمناصحة والمقاطعة، ولذلك لم يكن من المستغرب أن يكون كتابه على تلك الدرجة من الجرأة والمعرفية والمرجعيات التأصيلية المدفوعة بنضال ذاتي.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “لعنة فردوس” للكاتبة نور أرناؤوط

د. جهاد العمري من الصعب جداً ان تكون من جيل الستينات او السبعينات في اربد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *