البشريَّة.. متخلّفة إنسانياًً


*إميل أمين


هل لنا ونحن نتجاوز منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين أن نتساءل عن حال الإنسان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في أحسن تكوين، غير أنه عمد ولا يزال إلى تشويه إبداع الخالق عبر أنواع شتى وصنوف متعددة من الوسائل والآليات التي تبخس الكائن البشري قدره، لا سيما في زمن الرأسمالية المتوحشة التي تجعل من الإنسان مجرد خادم للشهوات الاستهلاكية؟ تحاول هذه الدراسة أن تتقصى مشكلة هوية الإنسان وكرامته انطلاقاً من البحث عن مكانته في الكون، الذي يشهد تطوراً هائلاً على صعيد الاكتشافات المذهلة التي تمخضت عنها البشرية في هذا القرن، بحيث إن المصير الفردي والمصير الإنساني عامة أصبحا مدعاة للقلق أمام التساؤلات الكبيرة التي نتجت عن اجتياح العلوم الوضعية لقطاعات فكرية عديدة تؤثر على مسيرة حياة الإنسان في هذا الكون.

يعيش الجنس البشري، اليوم، ذهولاً كبيراً أمام اكتشافاته الخاصة وسلطانه الذاتي. لكنه مع هذا التطور، يعيش قلقاً واضحاً في ما يخص مكانة الإنسان ودوره في هذا الكون، ومعنى جهوده الفردية والجماعية. إن الإنسان يعيش حياة تمزق هائلة، ولذا من الضروري المطالبة بالحفاظ على حقوق البشر انطلاقاً من تحديد كرامة الإنسان واحترامها؛ فالحروب الأخيرة جلبت لعالمنا ويلات هائلة في الحقلين المادي والأخلاقي وهي لا تزال تجتاح كل يوم بعض مناطق هذه الأرض.
أضف إلى ذلك أن وحشيتها وقسوتها تفوق وحشية الحروب السابقة وقسوتها، نظراً لما يستخدم فيها من أسلحة علمية مختلفة الأنواع، علاوة على أن تعقيدات الوضع الراهن وتشابك العلاقات الدولية يسمحان بأن تطول الحروب الباردة التي تستخدم فيها أساليب حديثة، خداعة، وهدامة، فيما يبقى الإنسان هو من يدفع ثمن تجرد المجتمع الدولي من الإنسانية.
آفات أخلاقية
لعل أخطر ما يواجه الإنسان في القرن الحادي والعشرين من أمراض أخلاقية هو: داء النزعة الفردية، والميل للعزلة، وضرب الجسور بين الأمم، وإقامة الحواجز العنصرية، والتمذهب، ففي هذا القرن تحول الاختلاف من اختلاف التنوع المحمود إلى اختلاف التضاد المذموم، وما من حلّ أمام الإنسان إلا العودة لفتح أبواب الحوار واسعة على مصراعيها لكل الأمم والشعوب والقبائل.
في هذا السياق، يمكن القول إن الجور طبع في الإنسان أما العدل فهو تطبع، إن الظلم انسيابي تلقائي من الطبيعة البشرية، أما الإنصاف فهو تكلف ومجاهدة، لذلك جاءت الأديان كلها برسالة تحقيق العدل، وفيه أيضاً تكلم الفلاسفة.
يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو: الظلم من طباع النفوس وإنما يصدها عن ذلك أحد علتين: إما علة دينية لخوفِ مَعاد، أو علة سياسية لخوفِ سيف.
وكثيراً ما تكون القوة المفرطة والسلطة المفرطة هي المشكلة، ولهذا يقول القرآن الكريم: (إن الإنسان ليطغى، إن رآه استغنى».
فيما ذهب برتراند راسل الفيلسوف البريطاني الشهير في كتابه السلطان إلى «أن كل واحد لا مانع لديه أن يصبح أحد آلهة الأولمب».
وأكد هذه الحقيقة الإمام الغزالي في قوله «إن أعظم اللذائذ الحكم وإن آخر ما يخرج من قلوب الصالحين متعة الألوهية.
وفي المثل العربي: يا حبذا الإمارة ولو على حجارة.
زمن العبودية
مرت أزمان كان فيها الإنسان يستعبد أخاه الإنسان ويفعل به ما يشاء وكأنه شيء من الأشياء وليس أخاً له في الإنسانية والانتماء إلى ذات الأصل الواحد والتميز بذات النفخة الإلهية الأزلية حين نفخ فيه الرب من روحه.
وقامت حضارات في بابل وطيبة وأثينا وروما وبغداد على الاستعباد ورق الإنسان لأخيه الإنسان، وأصبحت هذه الحضارات أثراً بعد عين ولكن التاريخ بقي حاملاً مأساة استعباد الإنسان للإنسان.
والغريب في الأمر أن اضطهاد الإنسان للإنسان يمارس باسم قيم عليا ومثل نبيلة وفضيلة يدعي الدفاع عنها.
لقد استلزم الأمر آلاف السنين حتى استطاع الإنسان أن يحقق بعض التقدم في إنسانيته، ولا أقول في علمه أو تقنيته أو معرفته، وكان الثمن المدفوع دماً ودموعاً أثقلت كاهل تاريخ مازال يئن تحت وطأتها.
نعم إن الإنسان تقدم كثيراً في علمه وتقنيته ومعارفه عن نفسه وعن الكون من حوله ولكنه بقي متخلفاً في ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالإنسان. وجاءت الأديان لتذكر الإنسان بإنسانيته، وجاء المفكرون عبر التاريخ مذكرين بإنسانية الإنسان ومنذرين من نتائج اضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان، فقال المفكر الفرنسي الكبير «جان جاك روسو: «ولد الإنسان حراً ولكنه مقيد بالأغلال في كل مكان». فيما جاءت الثورة الفرنسية لتؤكد على أنه «يولد الناس أحراراً ويظلون أحراراً متساويين في الحقوق».
وأخيراً وصلت البشرية إلى قناعة بأن إنسانية الإنسان واحترام كرامته هما أساس كل مجتمع إنساني أو يستحق أن يوصف بهذه الصفة فكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يشير في بنده الأول إلى أن «كل البشر يولدون أحراراً ومتساويين بالكرامة والحقوق ويتميزون بعقول وضمائر وواجبهم التعامل مع بعضهم بعضاً بروح الإخوة».
ورغم تأكيد الديانات، وما قاله المفكرون والمصلحون عبر تاريخ الإنسانية، ورغم الثورات وانفجارات البشرية، ورغم اعتراف العالم بالإنسان وإنسانيته وحقوقه باعتبارها معيار التقدم والتخلف ومحك الحضارات ونموّها واستمرارها، رغم ذلك كله ما زال هناك مجتمعات في عالم اليوم تتعامل مع الإنسان وكأنه شيء من الأشياء وليس خليفة الله على هذه الأرض وكل الأشياء وجدت من أجله ولأجله.
زمن العولمة
في زمن العولمة المنفلتة والرأسمالية المتوحشة، ثمة مجتمعات لا تعتبر الإنسان جزءاً من مفاهيمها، وليس الإنسان إلا مجرد رقم أو مجرد ترس في آلة جبارة لا تعترف إلا بنفسها، وليس له إلا أن يؤمر فيطيع ولا معنى لكائن اسمه الإنسان أو مفهوم اسمه الإنسانية.
هذه المجتمعات وإن بدت قوية ومتماسكة في لحظة من لحظات الزمان إلا أنها في النهاية ستذوب وتذوى كما جرى مع النموذج السوفييتي السابق، ومن قبله النازي في ألمانيا، والفاشي في إيطاليا ولا يبقى إلا من يحترم الإنسان وإنسانية الإنسان.
والتساؤل الواجب الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة هو: ما العمل في مواجهة ظلم الإنسان للإنسان على كافة الأوجه والأصعدة؟
يمكن الإجابة باختصار غير مخل: كل ما يحتاجه الشر لينتصر هو أن يقف أهل الخير أمام مشاهد الظلم دون أن يفعلوا شيئاً. إن صمت الإنسان واستسلامه أمام الشر سبب رئيس في مأساته، والعكس هو الحل: كل يحتاجه الخير لينتصر على الظلم هو أن يقف أهل الخير صفاً واحداً متحداً، قلباً وقالباً، وفكراً وعقلاً واحداً في مواجهة الظلم وفي هذا نهايته.. ورغم أن الشر والخير مفهومان نسبيان، يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمجتمعات والأفراد، إلا أن أسوأ وصمة يمكن أن يوصم بها إنسان القرن الحادي والعشرين هي إيذاء الإنسان لأخيه الإنسان، هذا هو الشر المجرد أما الشر المطلق فأن تتخلى البشرية عن مساندة بعضها البعض في مواجهة جحافل الظلام وطيور الإظلام، وفي هذا يصدق قول من قال: «الخوف جدار متين عالي البناء، لا أستطيع هدمه أنا، لكن نستطيع هدمه كلنا».
وإذا كان الظلم واللاعدل وجهاً من وجوه الإنسانية؛ فإن غياب التسامح من خريطة العالم الإنسانية قادته إلى حربين عالميتين كبيرتين في القرن الماضي وعشرات بل مئات الحروب الإقليمية، ولعل هذا ما يستلزم منا التركيز على قيمة التسامح وكونه ضرورة وجودية، لا سيما وأن التسامح الديني والذي أضحى للأسف عنصراً مفقوداً في عالمنا المعاصر، بل إن البعض سعى ويسعى لتأجيج نيران الاختلافات رغم أن الاختلاف والتعدد والتنوع سنَّة ربانية.
إن طبيعة الوجود قد اقتضت أن يكون وجود الناس على الأرض في شكل تجمعات بشرية، وهي وإن اتفقت في ما يجمع بينها من وحدة الأصل والحاجة إلى التجمع، والحرص على البقاء، والرغبة في التمكن من مقومات الحياة والسعي في إقامة التمدن والعمران، والتوق إلى الارتقاء والتقدم، فإنها تباينت في ما تتفرد به كل جماعة بشرية من خصوصية عرقية ودينية وبيئية وثقافية، وقد صرح القرآن بهذه الحقيقة الوجودية فقال: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا».
ولقد أكدت الآية الكريمة ما كان قد توصل إليه الحكماء والفلاسفة من قبل وأثبته الواقع التاريخي المشاهد من أن الإنسان مدني بطبعه؛ بمعنى أنه لا تتحقق حياته، ولا ينبني كيانه وتكتمل ذاته، ولا يكتسب ما تصبو إليه قدراته إلا داخل وسط اجتماعي متشابك، فيه الخير والشر وفيه التجاذب والتباغض، وفيه التجانس والتنافر، وفيه الأنا والأنا الآخر؛ فالإنسان ابن بيئة هي التي تنشئه وتكونه وتلونه، وهي التي توفر له ما يفي بحاجاته الأساسية، كما أنها هي التي تطبعه بما تقدر من عادات وهي التي تأقلمه بشكل يجعل ما هو من متعلقات ذاتية يتناسق مع روحها العامة وينسجم مع ما لديها من غاية مشتركة.
من ذلك يتبين أن التنوع بين الناس أفراداً وجماعات ما كان انحرافاً ولا شذوذاً ولا مروقاً.. بل كان من طبيعتهم البشرية ومن أصل خلقتهم الآدمية؛ فهو ظاهرة ضرورية اقتضتها الفطرة الإنسانية واستلزمتها النشأة الاجتماعية، وعليه فإن قيمة التسامح الديني تتمثل في كونه يقر الاختلاف، ويقبل التنوع، ويعترف بالتغاير، ويحترم ما يميز الأفراد من معطيات نفسية ووجدانية وعقلية.
والتسامح الديني قيمة تتمثل في كونه يقتضي التسليم المطلق اعتقاداً وسلوكاً بأنه إذا كان لهؤلاء دين له حرمته فلأولئك دين له الحرمة نفسها. وإذا كان لهؤلاء خصوصية ثقافية لا ترضى الانتهاك فلأولئك خصوصية ثقافية لا تقبل المس أيضاً.
ومن نافل القول التأكيد على أن التسامح الديني يعد أرضية أساسية لبناء المجتمع المدني ولإرساء قواعده، فالتعددية والديمقراطية وحرية المعتقد وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان وتقدير المواثيق الوطنية واحترام سيادة القانون، خيارات استراتيجية وقيم إنسانية ناجزة لا تقبل التراجع ولا التفريط ولا المساومة. فالتسامح إذن عامل فاعل في بناء المجتمع المدني الإنساني وطريق للعودة إلى روح الإنسانية الحقّة لا المنحولة.
ولعله من البديهي القول إن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء فإنها لا تأمر إلا بالخير والحق والصلاح، ولا تدعو إلا للبرّ والحب والرحمة والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوماً في حد ذاتها عائقاً أمام التبادل والتلاقح والتثاقف، ولا أمام العيش والتعايش والتعارف والحوار. وإنما العائق يكمن في الذين يتوهمون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، ويستغلون الأديان في التحكم بأقدار الناس ومصائرهم، تلك المهمة التي أبى الله سبحانه وتعالى أن يمنحها لأنبيائه الأخيار.
ومما لاشك فيه أن القرآن الكريم لم يكتف بتشريع حرية التدين بل نجده قد وضع جملة من الآداب يمكن عدها أوليات للتسامح الديني؛ فقد دعا المسلمين إلى أن يكونوا لغيرهم موضع حفاوة ومودة وبر وإحسان، فقال تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يجب المقسطين».
لماذا نجوع؟
إذا أردنا أخذ ما يسمى بدراسة الحالة عن أبشع أنواع الظلم التي يعيشها إنسان القرن الحالي فليس هناك ما هو أشدّ هولاً ومأساة من الجوع؛ فطفل لا يجد رغيف خبز، ورضيع يفتقد إلى نقطة حليب، وشيخ كهل يفتقد إلى ما يقيم أوده، هو لطمة قاسية على وجه الإنسانية. وهنا تصدق المقولة القائلة: «إن جوع الآخرين يدين حضارة الذين لا يجوعون».
وتطرح أرقام الملايين التي تهلك جوعاً كل يوم في طول الأرض وعرضها السؤال التالي: هل الجوع متأت عن ضيق الأرض بسكانها أم أن ضرع الأرض قد جفف وباتت ضنينة شحيحة على الإنسان والإنسانية؟
الإجابة هي إن المخزونات العالمية من الحبوب والحليب والزيوت في تزايد مستمر، وهنا يحق لنا القول: إذا كانت في البلاد الغنية فوائض من الحبوب والحليب والسمن وغير ذلك، فلماذا لا تستفيد منها البلاد المحرومة؟ لماذا لا تباع بأسعار معتدلة في متناول يد الفقراء؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكشف لنا السر المريع وراء مأساة الجوع في العالم ألا وهو أن محور التركيبة الاقتصادية السائدة في العالم اليوم ليس الإنسان بل الكسب. ولذلك فإن مجتمعات الوفرة في الدول الغنية تفضل التضحية بالإنسان على تدني مستوى كسبها.
ليس الجوع إذن نتيجة إهمال الله تعالى للإنسان وإخلافه بوعده بالعناية به لكنه نتيجة سوء تصرف الإنسان بخيرات الأرض وإساءة استعمال الأمانة التي حملها الإنسان؛ فقد انقضَّ ولا يزال على خيرات الأرض بجشع واستئثار فانهمك بالعطايا الإلهية إلى حد أنه نسي المعطي، وغاب عنه معنى العطايا على أنها هبة حب من الخالق تستدعي ممارسة الحب والمشاركة لدى من تلقاها.
من هنا نشأ هذا الوضع المأساوي الذي نشهده اليوم، حيث أقلية من المحظوظين تستأثر بخيرات الأرض على حساب أكثرية بائسة جائعة. وقد تكرس هذا الجشع وهذا الاستئثار في بنى ظالمة تشكل واحداً من أبشع وجوه العنف المؤسسي ألا وهو مجمل التركيبة الاقتصادية التي تسود معظم العلاقات ضمن البلاد الفقيرة من جهة وبينها وبين البلاد الغنية من جهة أخرى.
إن هذا الاستئثار الذي يتنكر لمقاصد الله، يعطل بآن معاً إنسانية الإنسان، تلك الإنسانية التي لا تتحقق إلا عبر الانسجام مع مقاصد خالقها، الإنسانية تتعطل في المظلوم والظالم على حد سواء، وإن كان بأشكال مختلفة.
مرة قال أحد المفكرين المعاصرين: «إن الآخر المهجور دينونتنا حتى نستقبله ملكاً ونعامله ملكاً. وملوكنا العراة الجياع، الذين يموتون كل سنة يعدون بالملايين في بلدان كثيرة لأن الظالمين لا يزالون أسياد الحياة والموت، والمترفون لا يحسنون ولو علموا، ويموتون في عبودية تخمتهم والموت يتفرج على الصغار وهم يلعنون الوجود وهم في لعنتهم اقرب إلى الله من الذين في بطرهم يصلون».
وخلاصة القول: إذا كنت بصدد التأمل في أسرار الكون والسماء والإلهيات بحيث صعدت بالروح إلى السماء السابعة، وكان إلى جانبك إنسان يحتاج إلى طعام، فانزل من السماء السابعة وأعطه طعاماً، فإن النضال ضد البؤس والجوع في العالم اليوم واجب مقدس لا نقول يقع فقط على عاتق كل مؤمن بالله بل يقع على عاتق كل مؤمن بالإنسان؛ فمداواة مجروح خير من الانخطاف بالروح.
إخفاق المادية
ومن بين الأسئلة الواجب إثارتها في تأملنا هذا تلك المتعلقة بمجال تقدم العلوم والتقنيات وإلى أي مدى يخدم هذا التقدم الإنسان لا سيما وأن الإشكالية الكبرى التي يواجهها الإنسان في القرن الحادي والعشرين هي إنه ينزع نحو تأليه نفسه، ويرى أن العلم قادر على حل جميع مشكلاته، وليس بالضرورة العودة إلى المعطيات الروحية والدينية على اختلاف أنواعها وتنوع مشاربها.
والواقع أن ازدياد البشر يوماً بعد يوم وتقدم العلوم والتقنيات والصلات الوثيقة بين الناس لم تجعل أبعاد رسالة البشر مترامية الأطراف وحسب، تلك الأبعاد التي لا يلجها غيرهم في معظم مجالاتها، بل تخلق معضلات جديدة تفرض عليهم عناية واعية وسعياً متواصلاً. وفي أيامنا الحاضرة نجد عدداً غير قليل من الناس ممن أولوا تقدم العلوم والتقنية ثقة متطرفة جنحت بهم إلى عبادة الأشياء الزمنية، فصاروا عبيداً لها أكثر منهم أسياداً.
إن تطور العلوم يجب أن يساهم في تقريب الإنسان من خالقه، ومن أخيه الإنسان أيضاً، فالإنسان بحاجة إلى هذا التطور ليتلاقى البشر مع بعضهم البعض من خلال الإفادة من هذه العلوم.
إن قيمة الإنسان هي في ذاته أكثر مما هي في ما يقتنيه، وينطبق هذا على كل ما يصنعه الإنسان لتسود العدالة أكثر مما هي عليه، ويزداد انتشار الإخوة، وليسود نظام أكثر إنسانية في العلاقات الاجتماعية؛ فقيمة كل ذلك تفوق قيمة التقدم التقني إذ إن التقدم إذا استطاع أن يوفر الأساس المادي للرقي الإنساني يعجز بذاته تماماً عن تحقيق هذا الرقي.
وفي الواقع أن تقدم العلوم والتقنية بإمكانها أن تساهم في بحبوحة الإنسان المادي غير أن الشأن الروحي هو من مسؤولية المؤسسات الدينية والاجتماعية والإنسانية، وعليه فإن الواجب يدعو إلى توازن حقيقي بين التقدم العلمي والتقدم الروحي وإلا فإن الخلل سيكون سبب الصراع الكبير الذي سيجعل الإنسانية في رفض لمعطيات الدين ولمحورية الله تعالى في كل شيء.
ويبقى القول إن كل ما يتكون منه النظام الزمني، أعني خيرات الحياة والعائلة والثقافة والاقتصاد ومؤسسات الجماعة السياسية والعلاقات الدولية وغيرها، يجب أن يسخر لخدمة الإنسان حتى لا يصبح ثمنه «زوجيّْ حذاء» كما اشتكى عاموص ابن أموص نبي بني إسرائيل الذي رفض الظلم الواقع على الإنسان في عهده، وهذا لن يتأتى بالجهود الفردية إنما يحتاج إلى تكاتف وتعاضد إنساني خلاق لا سيما في زمان قنوات الاتصال بين البشر، مما يكشف للجميع ولكل واحد بطريقة أكثر اتساعاً ثروات الإنسانية الفكرية والروحية والمادية. وهكذا يفسح في المجال رويداً رويداً لنوع من الحضارة أكثر شمولا يدفع بوحدة الجنس البشري إلى الأمام، ويعبر عنها بقدر ما يحترم ميزات كل ثقافة على حدة.. وهكذا يؤدي ازدياد التبادل الإنساني الثقافي لحوار حقيقي ومثمر بين مختلف الفئات والأمم والشعوب. حوار لا يهدم حكمة الأجداد ولا يعرض للخطر العبقرية التي يمتاز بها كل شعب وتتصف بها كل أمة دون تناحر أو تصادم بل في تعايش تحت راية واحدة عنوانها: أنت أخي وأنا أحبك.
الإسلام والحوار
اهتمت الثقافة العربية الإسلامية بالآخر والحوار معه، ووضعت منهجاً ثرياً للحوار أسمته: المناظرة، وبينت فيه أصول الحوار وقواعده وشروطه وضوابطه، ونظرت إلى الحوار بوصفه معرفة ويؤدي إلى معرفة، وسيلته الأساسية السؤال الهادف إلى الحصول على المعرفة الموضوعية.
وقد نصح الجاحظ في رسائله «بعدم تعصب الإنسان لرأيه إذا تبين خطله، ونهى عن العصبية التي هلك بها عالم بعد عالم والحمية التي لا تبقي ديناً إلا وأفسدته ولا دنيا إلا أهلكتها».
وتطرق أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة إلى أهمية الحوار وشروطه؛ فبين أن الهدف من المناظرة هو معرفة الحقائق التي عند كل طرف من أطرافها لأن لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير.
وتناول بن حزم الأندلسي موضوع الحوار في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل « فأكد أن الهدف منه هو وصول الفهم أو اكتساب المعرفة والوقوف على الحقائق وتناول أصول الحوار في رسالتين من رسائله هما « مراتب العلوم « والتقريب لحد المنطق « فاشترط الاستماع لرأي الآخر لأن الحقيقة ليست وقفاً على أحد فقال في رسالته الثانية « أعلم إنه لا يوصل إلى معرفة الحقيقة بالاستدلال إلا البحث، والبحث يكون عن فكر واحد، ويكون عن تذاكر أما من معلم أو متعلم، وإما من متناظرين مختلفين متباحثين. وبحث ابن رشد في كتابه تهافت التهافت في شروط الحوار؛ فأكد ضرورة رسم الحدود للحوار والتزام المحاورين بهذه الحدود، لأن القصد من الحوار هو طلب الحق لا إيقاع الشكوك، ولهذا لابد أن يسمع الإنسان أقاويل في كل شيء يفحص عنه إن كان يحبُّ أن يكون من أهل الحق. وأدرك علماء المسلمين وفلاسفتهم أن الإنسان لا يمكن أن يملك الحقيقة كاملة؛ فأكد الشهرستاني في كتابه «الملل والنحل» أن الحق والحقيقة منبثّان في كل ملَّة ونحله، ولابد من ضوابط وقواعد للحوار لئلا يمسي جدلا وعناداً.
الحوار.. معرفة
تناول ابن حزم الأندلسي موضوع الحوار في كتابه «الفصل في الملل والأهواء والنحل»، فأكد أن الهدف منه هو وصول الفهم أو اكتساب المعرفة والوقوف على الحقائق. وتناول أصول الحوار في رسالتين من رسائله هما: «مراتب العلوم» و «التقريب لحد المنطق»، فاشترط الاستماع لرأي الآخر لأن الحقيقة ليست وقفاً على أحد، فقال في رسالته الثانية: «أعلم أنه لا يوصل إلى معرفة الحقيقة بالاستدلال إلا البحث، والبحث يكون عن فكر واحد، ويكون عن تذاكر إما من معلم أو متعلم، وإما من متناظرين مختلفين متباحثين».
مجتمعات نافرة
رغم تأكيد الديانات وما قاله المفكرون والمصلحون عبر تاريخ الإنسانية، ورغم الثورات وانفجارات البشرية، ورغم اعتراف العالم بالإنسان وإنسانيته وحقوقه باعتبارها معيار التقدم والتخلف، ومحك الحضارات ونموّها واستمرارها، رغم هذا كله إلا أن هناك مجتمعات في عالم اليوم ما زالت تتعامل مع الإنسان وكأنه شيء من الأشياء وليس خليفة الله على هذه الأرض الذي وجدت كل الأشياء من أجله ولأجله.
خيارات إنسانيّة
التسامح الديني يعد أرضية أساسية لبناء المجتمع المدني ولإرساء قواعده، فالتعددية والديمقراطية وحرية المعتقد، وقبول الاختلاف في الرأي والفكر وثقافة الإنسان، وتقدير المواثيق الوطنية، واحترام سيادة القانون، خيارات استراتيجية وقيم إنسانية ناجزة لا تقبل التراجع ولا التفريط ولا المساومة.. فالتسامح إذن عامل فاعل في بناء المجتمع المدني الإنساني وطريق للعودة إلى روح الإنسانية الحقّة لا المنحولة.
قيمة التسامح
قيمة التسامح الديني تتمثل في كونه يقتضي التسليم المطلق اعتقاداً وسلوكاً بأنه إذا كان لهولاء دين له حرمته فلأولئك دين له الحرمة نفسها.. وإذا كان لهؤلاء خصوصية ثقافية لا ترضى الانتهاك فلأولئك خصوصية ثقافية لا تقبل المس أيضاً
_______
*الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

العولمة بين الهيمنة والفشل

(ثقافات) العولمة بين الهيمنة والفشل قراءة في كتاب “ايديولوجية العولمة، دراسة في آليات السيطرة الرأسمالية” لصاجبه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *