الرئيسية / إضاءات / الكتابة والاكتئاب والانتحار

الكتابة والاكتئاب والانتحار




ويليام غرايمز ترجمة: آماليا داود


خاص ( ثقافات )

عندما علمت الشاعرة آني ساكستون بانتحار سيلفيا بلاث عام 1963، ارتعبت وقالت: “هذا الموت لي”، وبعد إحدى عشرة سنة أنهت حياتها.



جذب موضوع الموت كُتاب الأدب، وانشغل به القسم الأكبر منهم أيضاً في حياتهم الشخصية؛ “الرغبة في الموت: الانتحار والأدب” مؤتمر نظمته الجمعية الأميريكية للانتحار، ناقش عدد من العلماء والأدباء الرابط بين الانتحار والاكتئاب في حياة سيكستون وبلاث وإرنست همنغواي.


الروائي ويليام ستايرون روى معركته الخاصة مع الاكتئاب في كتابه “الظلام المرئي”، وأشار إلى العلامات التحذيرية لمرضه في رواياته: “أنا أدرك الآن أن الاكتئاب وأفكار الانتحار جزء لا يتجزأ من شخصيتي الإبداعية طوال حياتي”. 


ثلاث شخصيات رئيسية في رواياته ينتهي بهم الأمر إلى قتل أنفسهم، وأضاف أن الحالة العقلية الكئيبة وصفها بالتفصيل في “الاستلقاء في الظلام”، و”خيار صوفي”، وهذا تنبؤ بمرضه قبل حصوله. 


وفي إعادة قراءة أعماله يقول: “بدأت أدرك أن أعمالي كلها كانت لشخصية كئيبة تكافح لمنع شياطين اضطراب المزاج من الازدحام”.


الروائي ستايرون ينضم إلى قائمة طويلة من الشخصيات الأدبية التي حاربت اليأس والاكتئاب، قال أستاذ الطب النفسي كاي جيمسون من جامعة جونز هوبكنز ومؤلف كتاب “لمسته النار: مرض الهوس الاكتئابي ومزاجه الفني”: “الكُتاب يعانون أكثر بعشر مرات من الناس العاديين من الاكتئاب الهوسي وأمراض الاكتئاب، والذي يؤدي إلى الانتحار أكثر من أي مرض عقلي آخر”.


وليس مستغرباً أن اضطراب المزاج هذا مرتبط بالعقل الإبداعي: “الأسلوب المعرفي للاكتئاب الهوسي يتداخل مع المزاج الإبداعي”.


وقد وجد الباحثون أنه في حالات الهوس المعتدل، يفكر المبدع بسرعة أكبر وبسلاسة وأصالة، بينما في حالة الاكتئاب يميل المبدع إلى النقد الذاتي والاستحواذ، وهو إطار مناسب للعقل من أجل المراجعة والتحرير، وقال الطبيب النفسي جايسون: “عندما نفكر في الكتابة الإبداعية، نفكر في الجرأة، والحساسية والأرق وعدم الرضا، وهذا هو مزاج الهوس الاكتئابي”.
الشياطين التي أغرت الروائي ستايرون أعطت سكستون موضوع غني ومهم وفي النهاية قضى عليها، وقالت دايان ميدليبروك كاتبة السيرة الذاتية لسكستون، في البداية قاومت سكستون إنهاء مسيرة حياتها بالانتحار، خوفاً من تفكيك صورتها كامرأة حولت الحطام في حياتها إلى مواد أولية شيدت منها الشعر بقوة غير عادية وعفوية.


وأضافت ميدليبروك: “في ذلك اليوم الذي انتحرت فيه سكستون كان يجب أن لا يمنعها أحد وهذا ما حصل”، ويرفض هيربت هيدين الطبيب النفسي أن انتحار سكستون كان لا مفر منه: “هذا أمر مغرٍ للمعالجين النفسيين وكُتاب السير الذاتية، يقوم بتلطيف اليأس من فعل الانتحار، وتقديم العزاء للقارئ”، “وقد قامت الكاتبة ميدليبروك ومعالج سكستون الدكتور مارتن تي أورون باقتراف نفس الخطأ، في عدم الطعن في الفرضية المركزية التي تنظم معاملة نفسية سيكستون، أي أنها ليس لديها ما تقدمه سوى شعرها”.


ربما أكثر من الفنانين الآخرين، الكُتاب يمكن أن تغريهم جاذبية الانتحار كوسيلة للسيطرة على قصة حياتهم، وأضافت ميدليبروك: “اعتقدت سيلفيا بلاث وسيكستون بفكرة مشتركة أن حياة الفنان العظيم يجب أن تنتهي بالانتحار”، علقت سيلفيا بلاث على انتحار همنغواي وقالت: “هنيئا له”.


همنغواي بالطبع، كان مبرمجاً على الانتحار، فوالده قتل نفسه، وأخاه وأخته، وتظهر الأدلة على هوسه بالموت في كتاباته الأولى، ويشكل هذا الهاجس موضوعه الكبير في الأعمال الناضجة.


قال مؤلف كتاب السيرة الذاتية لهمنغواي سكوت دونالدسون: “قوة الإرادة”: “لقد لام والده على الانتحار، لأنه رأي أنه جبان”، وأنه “لم يكن انتحاراً ما قامت به بل هروب من القتال”، ففي النهاية قام همنغواي بحل مشكلة تدهور صحته، وأوهام جنون العظمة.


وقد اقترح أستاذ الطب النفسي وعلم الاجتماع في جامعة نيويورك جاي ليفتون شيئاً أسماه بنية الانتحار: كتفسير لعدم القدرة على مقاومة الميول الانتحارية، ببناء صورة أو فكرة ذاتية للانتحار قادمة من انتحار أحد أفراد الأسرة، وهناك بحسب تعبيره البحث عن مستقبل في الانتحار، والقدرة على الإدلاء بتصريح لم يستطع الشخص قوله في الحياة، وقد قال ليفتون إن الروائي يوكيو ميشيما لديه بنية انتحارية قوية لدرجة أن الموت بالنسبة له أصبح مثل كائن شهواني.


بلاث مثل همنغواي، حاولت مقاومة مطاردها، “فكان عليها أن تواجه والدها الميت وتنظر في عينيه”، “بالنسبة لها كان الموت صراعاً عنيفاً مع قاتل، تعاملت معه باستمتاع معين وطاقة ساخرة” على حد تعبير أ. ألفاريز، الشاعر وصديق بلاث.


وقد وصف انتحار بلاث بأنه: “ثمن لا يطاق لنوع معين من الفن الحديث”، مثل روبرت لويل وجون بيريمان، استخدمت بلاث مرضها كموضوع، “وهذا المشروع المنفرد، عندما تضغطه بطريقة معينة، هو نشاط عالي المخاطر”، “وكانت النتيجة المحتمة لإبداعها الانتحار”.


المصدر: nytimes.com

شاهد أيضاً

لويز جلوك ..حاكَت ألمَها بإبرةِ الانتظار

لويز جلوك ..حاكَت ألمَها بإبرةِ الانتظار وحكَتْ وجعَها بلغة الوصْل فقدت الكلام كشهيتها لويز جلوك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *