الرئيسية / إضاءات / ابن الفارض في أوج نيرفانا الخمر

ابن الفارض في أوج نيرفانا الخمر



علي عبيدات*


خاص ( ثقافات )

الخمر والحانة والنديم والكأس والراح والقدح، وأدرها وناولها واسكبها وهاتها وداوني بها وأرحنا، والخمار والمخمور والساقي والثمالة والنادل والغلام والدِنان والكرْم، والصهباء والصرفة والعتيقة والصبوح، لا شيء في ظاهر هذا يدنو من عالم التصوف، ولا شيء كهذا يمثل باطن التصوف وذروة العرفان.

إن مخالطة النص الصوفي ومعرفة حال وأحوال أهله كفيل بأن يجد الباحث في التصوف والمتلذذ منه وفيه وعليه، الهوية الحقيقية لخمرة العاشق ومعرفته وسكره، فهو النشوَان بتعطيل كل حواسه لينثال مركز حواسه عملاً، وهو الساعي بسكره إلى نهايات ما لا يتصوره العقل ولا يتأتَّى إلا بانسياق عاشق صب صوب لا معقولية العشق.

السكرُ بعضٌ من كأس المحبَّة الذي ساق رجلاً مأساوياً كالحلاج إلى قول: ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم، وخالط هياج منتشٍ مسَّه الجذب كالبسطامي ليقول: “سبحاني ما أعظم شاني”، والكأس ذاتها فجرت ينابيع العشق في قلب مولانا جلال الدين الرومي وهو يناجي ساقيه التبريزي قائلاً: “يا إسرافيل قيامة العشق”، وهو الذي حثَّ لسان الغيب وترجمان الأسرار حافظ الشيرازي إلى الصراخ بأعلى ذبذبات قلبه قائلاً: “وشارب الخمر الذي لا رياء فيه ولا نفاق/ خير من بائع الزهد الذي يكون فيه الرياء وضعف الأخلاق”.(1)

خمرة الصوفي بلا طعم ورائحة لكنَّها نكهة قلب، ولا توابع لها لأنها بدون بداية ونهاية، والمخامرة هنا لا تخاطب حاسة من حواس المدرك والملموس وتفتك في لُب العاشق وأخيلته وتخاطب أحر منطقة في صدره متساميةً بروحه، والعاشق إذ يسكر بمعرفة وحب معشوقه (الله) لا تذبل له حاسة ولا ينأى به أي ظاهر، فهو يحاول قدر الإمكان أن يُعَطِّلَ أي دور للعقل العاجز عن إنقاذه من فقدان الوعي المطلق في حضرة البحث عن خالق الوعي وعدمه، فتراه ثملاً دون كأس وتأرجح دون ذبول وانجذاب دون جاذب، سعياً لمواصلة النريفانا الإيمانية التي يحترق بها بلذةٍ انعدم نظيرها في مسكرات الدنيا. 

{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}. (الإنسان 17)
{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} (الإنسان 21).

ومن انتشى بكؤوس المحبة الصوفية كما انتشى سلطان العاشقين عمر ابن الفارض، وهو عميد الخمريات والثمل بكلِّ مسكرات الروح، فيروي ابنه الشيخ محمد عن حال أبيه قائلاً: “كان الشيخ في غالب أوقاته لا يزال دهشاً وبصره شاخصاً لا يسمع من يكلمه ولا يراه. فتارة يكون واقفاً، وتارة يكون قاعداً، وتارة يكون مضطجعاً إلى جنبه، وتارة يكون مستلقياً على ظهره كالميت ويمر عليه عشرة أيام متواصلة وأقل من ذلك أو أكثر وهو على هذه الحالة، لا يأكل ولا يشرب، ولا يتكلم ولا يتحرك، ثم يستفيق وينبعث من هذه الغيبة، ويُملي من الشعر أبياتاً”.(2) 

على هذا النحو كان سُكْرُ ابن الفارض بمعرفة ربه وسعيه خلف حدوسه واستجلاب هدأته، وفي هذا كان عيشه، فكيف بشعره الذي وصلنا بديوان صغير الحجم، شاهق المعنى متناهي العشق ويحتوي على حوالي 1861 بيتاً، ما قرأه متعبٌ إلا واتكأ ولا مر به صاحب غِلة إلا وارتوى وما شاكلَ إلا العشاق، رغم أنه ابن عصر ماتت فيه القلوب وانغمس فيه الخلق في الصراع (الأيوبي)، وفي ميميته التي يحفظها العشاق، ينسى سلطان العاشقين موت القلوب ويحفر في ذاكرة التكوين بحثاً عن حب الله بخمرته التي تلخص رؤية العاشق المحب لمعشوقه السخي، فالخمرة هنا أزلية سرمدية باقية مستشرية ولا بدايات وحدود لها، فهي لا تُشْرَب لأنها لم تدرك، ولا تدرك لأنها صاحبة سبق في الخَلْق وجاءت قبل الموجودات، كأنه يرمي إلى خمرة الكون البِكر التي تتجلى في تجليات الله في كل موجودات الكون واصلاً بالوجد والعشق مكاناً ومكانةً لم تطأها الأخيلة قبْله وما تآلفت معها خمريات من سبقوه، فهو يقول:

‎شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً
سَكِرنا بها، مِن قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ
‎لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها
هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ

‎خمرٌ مشاع، والسبقُ لمن ثمل، ليست كخمرة القدماء كطرفة بن العبد وعدي بن زيد وعمرو بن كلثوم وعنترة بن شداد، عندما كان الخمر فرعاً من عنبٍ وبلح وكان النديم سيفاً ودم، أو كخمرة من تغنوا بأقداحهم قبل وبعد الإسلام أمثال كعب بن زهير وحسان بن ثابت والحطيئة والأخطل (غياث بن غوث بن الصلت)، ولم تكن كخمرة أكثر من اشتغل بها -شرباً ووصفاً- أبو نواس وصحبه أمثال أبو العتاهية والحسين بن الضحاك، ولم تكن الخمرة في عصر الطرب والفكر (إشبيلية وقرطبة) خمرة معنى وعمق أبان حضورها في شعر تلك الناحية أمثال شهاب الدين العزازي وابن سناء الملك ويحيى القرطبي والمعتضد بن عباد، وغيرهم.

وحتى العصر الحديث وهواة الخمر وسيرته أمثال على محمود طه ومحمود سامي البارودي وأحمد شوقي، فهي في الميمية كرامة حُب وعندهم رهينة الألفاظ والوصف والطعم. ولعل شعر هؤلاء، على امتداد تاريخ الشعر لم يتجاوز ما قاله صاحب “العقد الفريد” عن حال الخمر: “إن مشارب الرجل يقال له نديم من الندامة، لأن معاقر الكأس إذا سكر، تكلم بما يندم عليه”.(3) فبعضهم سكر ليفرح والبعض لينسى وآخرين لجأوا للكأس ليخالفوا محيطهم العام الذي حرَمَهْ، إلا أن سكر الروح ونشوة الثمل دون كأس ليست إلا لأهل العرفان.

امتلاء وارتواء، ووجود شهودي وتجليات إلهية في كأس ابن الفارض، تجاوزت الأمر والنهي وخرجت عن سياق أي ثنائية أو ضدية، فوجوبها يجب والاستجابة لها واجبة وسط اندلاق روحي وتسامٍ نفسي تجاوز كل معاني الخمر وسياقاته الدلالية لنكون أمام كأس محبة صرفة، بني خطابها ضمن ارتقاء روحي تعطلت فيه الحواس، واندلق الشعر بأثره، ليقول:

وقالوا: شربتَ الإثمَ! كلا، وإنما
شربتُ التي، في تركها عنديَ الإثمُ
‎هنيئا لِأهلِ الدير! كم سكروا بها، 
وما شربوا منها، ولكنهم همُّوا

يجد متلذذ خمرة سلطان العاشقين تجليات السُّكر المادي بتبعات سُكر العشق الإلهي، فإذا ثمل الرجل بخمرة العنب ثمة تبعات لحالة السُّكر، وأن يقبل المرء على الخمر يعني أنه وجد فيه لذة ما قبل الشرب وشوق عارم لمقارعة نشوة الخمر، وكذلك سُكر سلطان العاشقين، فمحاسن خمرته طاغية، ليكون الخمر هنا في مقاربة بين ثملين، ثمل يسكر بعنب الدنيا وآخر انتشى بسكر روحه وانشداه حواسه وتعطيلها بداعي النشوة، وتثير الخمرة كليهما بنفس الطريقة، لكن المفارقة في الوصف الذي سيترتب على السُّكر في كلتا الطريقتين، فالأول حسبه جسده الذي أنهكه والثاني تتألق روحه وتضوع في معارجها دون تعب، ومن هذا قوله:

‎محاسنُ، تهدي المادحينَ لوصفِها
فيحسُنُ فيها منهُمُ النثرُ والنظمُ
‎ويطربُ من لم يَدْرِها، عند ذكرها
كمشتاق نعم، كلما ذكرتْ نُعمُ

ولا يخفى على القريب من النصوص العرفانية أن الخمر تحديداً كمعرفة إلهية وحالة هياج عاطفي واندلاق روحي، يعامل على أنه عمود من أعمدة التلقي عند الصوفية، يكتب الشعر بمعيته، وتندلق نصوص العرفان بكل أشكالها آناء انتشاء صاحبه، ومن الفوارق الجوهرية كما أسلفت، ما سيقال وسيحدث وسيترتب على الثمل بعد وأثناء سكرته، فيقول حافظ الشيرازي في هذا:

ألا يا أيها الساقي أدر كأساً وناولها/ كه عشق آسان نمود أول ولى افتاد مشكلها

جاء الخمر في خمريات ابن الفارض بين حال ومقام، “فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال تأتي من الوجود نفسه، والمقامات تحصل ببذل المجهود”(4)، ولعل الطرب كحال أقرب ما يكون إلى الخمر لأن السُّكر كرمٌ من المعشوق يجود به على العاشق الذي سعى بمقام اليقظة طمعاً بحال الطرب أو شيء من البسط والقرب، فالنظر (الطلب) وحده كفيل بأن تفتح أبواب النورانية، ومن مات قلبه وسعى لحياة جديدة (العشق) سيكون الخمر ترياقاً لبث الحياة فيه، كما في قوله:

ولو نظر الندمان ختم إنائهــــــــا
لأسكرهم من دونها ذلك الختــــــم
ولو نضحوا منها ثرى قبر ميــــت
لعادت إليه الروح وانتعش الجســم
ولو طرحوا في فيء حائط كرمهـــــا
عليلاً، وقد أشفى، لفارقه السقـــم

عُدَ ابن الفارض سلطاناً للعاشقين وأكبر شاعر عربي بين المتصوفة العرب، فكان مأخوذاً بالعشق الإلهي وسجيناً حراً وهو يتماهى مع تجليات الصفات الإلهية وجمال الحضرة والحالة الصوفية التي سكر بها، ليصوغ خمرة عشقه الخاصة والمنقطعة النظير، وأثر بها على كل المتصوفة العرب، فتراه يقول:

كل من في حماك يهواك لكن/ أنا وحدي بكل من في حماكا
فيك معنى حلاك في عين عقلي/ وبه ناظري معنى حلاكا
فقت أهل الجمال حسناً وحسنى/ فبهم فاقة إلى معناكا
يحشر العاشقون تحت لوائي/ وجميع الملاح تحت لواكا

وفق مراحل ومقامات وأحوال الطريق إلى الحقيقة (الطريق الصوفية) ثمة خطاب دائم يردِّده الشيخ للسالك ويقول به العارف لمن يجهل ويجود به من ذاق وعرف وأنهى احتجابه بالرياضة (المجاهدة)، ويلخص هذا الخطاب بالنصح والإرشاد بين طرفين يشكلان عصب الحالة الصوفية (الشيخ والمريد) ليكون العارف في المحصلة صاحب رؤية خاصة أنارها المعشوق للمأخوذ به، وبعدها يندلق العارف بوصف رؤاه مسهباً بما رآه، وإلا لما حضرت أنوات النفس في نصوص العرفان، فالأنا غرور مطلق ولا يستسيغها المتصوفة وما جيء بها إلا كدليل من العاشق المحترق على حتمية ما رآه وكُشف له وأدركه، وأن تكون خمرة هذا الشيخ كصهباء سلطان العاشقين يعني أن يجلبها بمسيرة الخمر الشاقة التي انتشى بها السلطان وأصبحت رافداً مهماً لمن يليه، ليقول:

قل للذين تقدَّموا قبلي ومِن/ بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى
عنِّي خُذوا وبيَ اقتدُوا وليَ اسمعوا/ وتحدَّثوا بصبابتي بين الورى

تفعل خمرة ابن الفارض بصاحبها فعل النار بالهشيم، ولا يخلو شعره من هوس النشوة والغبطة المطلقة بهذا السُّكر، فتراه على باب احتراق وفي تسامٍ صرف أسبغ عليه خصوصية سكره ووعيه وبيانه وسلوكه، فهو الهائم بين شعاب مكة في غير وقت الحج، وهو أكثر من قال بسكر المتصوف وانسياقه إلى نشوة معرفة المُصافي (الله)، وهو الذي كان يفقد الوعي ويسقط مغشياً عليه عندما تنطبق عليه المكاشفات وتنهكه الهواتف وفق الروايات، لأن “المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات، والذروة العليا من الدرجات”(5)، وأي محبة تلك التي يجيء بها خمر معرفة الذات الإلهية، فلا حب دون معرفة المحبوب، فالعشق في الطريق الصوفية مقام يتأخر عن مقام المعرفة، وبينهما مقام الطلب الذي يفتك بقلب السالك ريثما يؤذن له بالعشق وما بعده من معرفة.

وخير دليل على غبطة ابن الفارض المستديمة كصوفي شاعر وليس كشاعر صوفي، احتشاد المجازات والسجع والتشبيه والاستعارات وسائر صنعات البديع ونفائس البلاغة في خمرياته، فهو مهيأ كشاعر لقول الشعر ونظم القصيد لكن لو قال شعره دون انغماسه ونيرفانا خمره سيكون شاعراً فقط، كغيره من شعراء القافية والبناء والمضمون والقوالب، ورغم هذا من الصعب أن نفاضل بين ابن الفارض الشاعر وابن الفارض الصوفي وأيهما الأسبق في نفسه بصورة مطلقة، لكن، استقر في صدور الناس عموماً والعشاق خصوصاً شعر النشوة الصوفية والمخامرة الهائجة التي منعت المُفاضل أن يُبوِّب شعر ابن الفارض بين جبلَّة شاعر مجيد وسُكر متصوِّف منجذب، فلا فكاك بين هذه الدينامية المتشابكة بين ذهنية عاشق صبٍّ وأسلوبية وجبلة شاعر فحل، وبين السكر والاحتراق ترتقي النيرفانا الصوفية بصاحبها ليقول:

زدني بفرط الحبِّ فيك تحيُّراً / وارحم حشىً بلظى هواك تسعَّرا
وإذا سألتك أن أراك حقيقةً/ فاسمح ولا تجعل جوابي لن ترى
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا/ سرٌّ أرقُّ من النسيم إذا سرى
وأباح طرفي نظرة أملتها/ فغدوت معروفاً وكنت منكَّرا
فدهشت بين جماله وجلاله/ وغدا لسان الحال عنِّي مخبِرا

على هذا، ينبئ شعر ودور وقيمة وتأثير وإرث وانغماس وتفرُّد ابن الفارض في صوفيَّته بأننا أمام مشروع روحي لم يتكرَّر بعد بكامل سياقات واندلاقات الدفق المعرفي والروحي والفلسفي والشعري الذي جاد به ابن الفارض، والخمر وأحواله تحديداً ركنٌ رئيسٌ من أركان المساحات الصوفية في شعر ونثر المتصوفة، إلا أنه امتاز بميزات خاصة رسمها ابن الفارض في إنتاجه الشعري وفي خمرياته تحديداً، فالشعر كبيان مجبولٌ بالحالة الصوفية كمشرب فكري ورحي وسلوكي بأبعاد فلسفية دقيقة واطلاع واسع برع به الشاعر المُجيد بوصفه والصوفي الذي نبغ في شعر طائفته العرفانية.

في خمر ابن الفارض، نرى الخمر أصلاً في التكوين، ونرى النديم تجاوز المحسوس والملموس والبشري، وسما حتى لامس فرقدان الشراكة الروحية ورفرف جوزاء القيم الروحية والمعاني النورانية التي لا يتذوقها إلا من عرف عالم الحال والأحوال واتكأ على سدرة المراقبة والسعي والتأمل والفصل بين المُعاش المريب والمتخيل المؤكد وسائر ضروب الفطنة الروحية والانغماس في المطلق وما بعده.

_______________

الهوامش:

1.أغاني شيراز أو غزليات حافظ الشيرازي، ترجمة إبراهيم أمين الشواربي، القاهرة 1944، ص68.
2. المجاني الحديثة: فؤاد إفرام البستاني وآخرين، المطبعة الكاثوليكية، الطبعة الثانية، 
بيروت 1960 م.
3. ابن عبد ربه، العقد الفريد، جار الهلال، بيروت، المجلد الثالث، ص328.
4. القشيري: الرسالة القشيرية ص 57.
5. الغزالي، إحياء علوم الدين، ص 252.
*شاعر ومترجم من الأردن.

شاهد أيضاً

(أمضي وحيداً) للياسري بالفرنسية بترجمة غرافي

( ثقافات ) صدر عن دار لارماتان الفرنسية مجموعة “أمضي وحيدا” للشاعر العراقي المقيم في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *