الرئيسية / فكر / ابن حزم مجدداً

ابن حزم مجدداً


*حمّادي ذويب


ذاعت شهرة أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت 454 هـ) فقيهاً مجدداً للمذهب الظاهري، بالقدر الذي غطّى على شهرته مؤرخاً مرموقاً. والواقع أنّ هذا التجديد يتجاوز المذهب الظاهري ليشمل كثيراً من خصائص الفكر الإسلامي عامة والفكر الأصولي الفقهي بشكل خاص. ولعلّ إحدى أهمّ تجليات هذا التجديد الموقف النقدي إزاء كثير من ممثلي السلطة العلمية في الفترات المبكرة، فهو لا يتهيب من إعلان رأيه النقدي بكلّ جرأة وثقة بالنفس، على غرار روايته أنّ الطبري وجد للشافعي أربعمائة مسألة خالف فيها الإجماع[1].
وفي هذا الصدد نقد ابن حزم المالكية، واتهمهم بعدم المعرفة بعلم الأصول[2]. فردّ عليه القاضي أبو الوليد الباجي[3] (ت 474 هـ) من خلال كتابه “إحكام الفصول في أحكام الأصول”. ويبدو أنّ الباجي فكّر في تأليف كتابه هذا عقب المجالس والمناظرات التي جمعت بينه وبين ابن حزم بجزيرة ميورقة في السنة نفسها التي عاد فيها من رحلته المشرقيّة.
وقد انتقد ابن حزم حضور العامل المذهبي في التنظير الأصولي لمبحث المتواتر، من ذلك ما ذهب إليه فريق من علماء المالكية، فهم في سبيل نصرة إجماع أهل المدينة اعتبروا أنّ أخبارهم أخبار تواتر. أمّا أخبار غيرهم فإنّها آحاد. يقول ابن القصار: “فلمّا كانت لهم (أهل المدينة) هذه المنزلة منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى انقطع التنزيل وقُبض بينهم، فمحال أن يذهب عنهم وهم مع هذه الصفة ما يستدركه غيرهم، لأنّ غيرهم ممّن ظعن منهم إلى المواضع هم الأقلّ، والأخبار عنهم أخبار آحاد لأنّ عددهم مضبوط، وأخبار أهل المدينة أخبار تواتر فكانت أولى من أخبار الآحاد”[4]، ويتأسس هذا الموقف على اعتبار نقل أهل المدينة معصوماً من الخطأ لأنّ الكافة نقلته عن الخاصة بعدد لا يحصر، لكنّ نقل غيرهم غير متواتر لأنّه يقوم على عدد محصور لذلك يجوز عليهم الغلط[5].
وقد تصدّى ابن حزم وكثير من العلماء لإبطال هذا المذهب، لأنّ أصحابه وإن اعتمدوا إجماع أهل المدينة فإنّهم في الواقع لا يعودون إلا إلى شخص واحد هو مالك. يقول: “وأيضاً فإنّ الإجماع لا يصحّ نقله إلا بإجماع مثله، أو بنقل تواتر، وهم لا يرجعون في دعواهم الكاذبة لإجماع أهل المدينة إلا إلى إنسان واحد، وهو مالك، فهو نقل واحد كنقل غيره من العلماء ولا فرق”[6].
وقد انطلق ابن حزم من هذا التّوظيف المذهبي للمتواتر لشنّ حملة نقديّة على علماء أهل السّنة وأئمّتهم في تعاملهم مع الحديث متّهماً إيّاهم باعتماد أحاديث مرسلة وغير صحيحة أو مختلف فيها ووسمها بالتّواتر لأغراض مذهبية. يقول: “وأمّا دعواهم وقولهم في الاشتهار والانتشار فطريف جدّاً، وإنّما هم قوم أتى أسلافهم كأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمّد بن الحسن وعيسى بن أبان ونظرائهم، وكمالك وابن وهب وسحنون وإسماعيل ونظرائهم، وكالشّافعي والمزني والرّبيع وابن سريج ونظرائهم، فاحتجّوا لما قاله الأوّل منهم بمرسل أو رواية عن صاحب نجدها في الأكثر لا تصح، أو تصحّ ونجد فيها خلافاً من صاحب آخر أو لا نجد، فأشاعوها في أتباعهم، فتلقّاها الأتباع عنهم وتدارسوها وتهادوها بينهم، وأذاعوها عند القلّة الآخذة عنهم فتداولوها على ألسنتهم ومجامعهم وفي تواليفهم وفي مناظراتهم بينهم أو مع خصومهم فوسموها بالانتشار والاشتهار والتّواتر ونقل الكواف، وهي في أصلها هباء منبث وباطل مولد أو خامل في مبدئه وإن كان صحيحاً لم يعرف منتشراً قطّ”[7].
إنّ هذا الرّأي على قدر كبير من الأهمّية لأنّه يبرز بحسّ تاريخي نادر أنّ الأخبار المتواترة كانت في الأصل أخبار آحاد تعتورها إشكاليات كثيرة، وهكذا فإنّ ما هو قطعيّ كان في الأصل ظنّياً، وهذا ما يضعف من حجّيته، كما يوضح ابن حزم أنّ المتواتر لم يصبح كذلك إلا بفعل ما قام به أئمّة المذاهب وعلماؤها من جهود لنشره في كتبهم ومجالسهم، وبالتّالي تنتفي عن الأخبار المتواترة لدى السّنيين صفة النّزاهة والمصداقية. لكن هل تتوفّر الموضوعية في هذا النّقد؟
لئن بدا موقف ابن حزم جديراً بالاهتمام فإنّ دوافعه لم تكن الغيرة العلمية والحرص على الموضوعية، بل كانت خلفيات مذهبية تكمن في استثمار موقفه لنفي مشروعية الأخبار التي لا تتناسب مع أطروحاته وعقائده الظّاهرية. من ذلك دحضه حديث معاذ الذي يعتمده السنيّون لإثبات حجّية القياس، يقول: “فهذه صفة ما تدّعون فيه الانتشار والتّواتر كالخبر المضاف إلى معاذ في اجتهاد الرّأي، فما عرفه أحد في عصر الصّحابة ولا جاء قط عن أحد منهم أنّه ذكره لا من طريق صحيحة ولا من طريق واهية، وإنّما أخذه عن مجهول لا يعرفه أحد عن مثله فيما ادعى… ثم اختلفوا أيضاً في كافّة لفظه ومعناه على أبي عون، فلما ظفر القائلون بالرأي عند شعبة وثبوا عليه وطاروا به شرقاً وغرباً، وكادوا يضربون الطبول حتى عرفه من لا يعرف عن الرسول كلمة، وادّعوا فيه التواتر”[8].
امتدّ هذا المنزع النقدي لدى ابن حزم إلى نقد متن الحديث النبوي، فقد وضع مقاييس لهذا النقد منها مخالفة الحديث للقرآن مع تعذر الجمع بينهما، ومخالفته للحديث الثابت، ومخالفته لما ينبغي أن يتصف به الرسول، ومخالفته لمقاصد الشريعة ومخالفته للأحداث التاريخية، وغير ذلك من المقاييس9.
ومن مظاهر تجديد ابن حزم للفكر الأصولي نقده لأهمّ حجّة تؤسّس الإجماع، وهي حديث “لا تجتمع أمّتي على الخطأ” الذي ترسّخت مكانته في سياق إثبات حجية الإجماع منذ القرن الخامس، يقول الغزالي: “المسلك الثاني وهو الأقوى التمسّك بقوله (صلى الله عليه وسلم): لا تجتمع أمّتي على الخطأ، وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدلّ على المقصود، ولكن ليس بالمتواتر كالكتاب”10. ولئن اختار هذا الأصولي بناء حجية أصل قطعي على خبر آحاد لا يفيد سوى الظنّ فإنّ شيخه الجويني رفض ذلك لأنّه في مستوى السند ليس مقطوعاً به. وعلى صعيد الدلالة هو محتمل لمعانٍ عدّة وقابل لتأويلات شتى11.
وقد اعتبر ابن حزم أنّ هذا الحديث غير صحيح اللفظ والسّند، ومع ذلك قبل معناه، لكن صحّة هذا المعنى لا يكتسبها من لفظه بل من خبرين سبق ذكرهما12.
وقد نفى ابن حزم حجية القياس في كتابه “المحلّى”، حيث خصّص فصلاً موسوماً بـ”أدلّة إبطال القياس” استهلّه بقوله: “ولا يحلّ القول بالقياس في الدين ولا بالرأي لأنّ أمر الله (ت) عند التنازع بالرد إلى كتابه وإلى رسوله (ص) قد صحّ فمن ردّ إلى قياس وإلى تعليل يدّعيه أو إلى رأي، فقد خالف أمر الله (ت)”[9]، أمّا الكتاب الثاني الذي أجمل فيه الفقيه الظاهري موقفه من القياس فهو “ملخص إبطال القياس والرأي والتعليل والاستحسان والتقليد”[10]. غير أنّ أهمّ عرض مطوّل لآرائه في القياس يوجد في ثنايا كتابه “الإحكام في أصول الأحكام”[11]. وانطلق فيه من التحديد النظري لمفهوم القياس وأقسامه وهويّة مثبتيه ومنكريه، ثم يفصح عن منهجه، فهو يقوم أولاً على عرض حجج المدافعين عن القياس من النقل والعقل، وإثر ذلك يناقشها ويحاول دحضها ونقد الحجج الإبستمولوجية التي تأسس عليها القياس وخاصّة مقولة التشابه ومقولة العلّة الشرعيّة. وينتهي بتقديم حججه النقلية على بطلان القياس. يقول في هذا الشأن: “وشغب أصحاب القول بالقياس بأشياء موّهوا بها، ونحن إن شاء الله ننقض كلّ ما احتجوا به، ونحتجّ لهم بكلّ ما يمكن أن يعترضوا به، ونبين بطلان تعلّقهم بكلّ ما تعلّقوا به في ذلك، ثم نبتدئ بعون الله بإيراد البراهين الواضحة الضرورية على إبطال القياس”[12].
ويستهلّ ابن حزم نقده لأدلّة مثبتي القياس بالحجج القرآنية، فيستعرض آيات كثيرة استندوا إليها. ويقرّ أن أهمّها ثلاث في مقدمتها الحجة التي بنى عليها الشافعي حجية القياس، وهي في رأيه نصّ لا قياس. أمّا الآية الثانية فهي التي عوّل عليها أغلب الأصوليين، وهي تتضمّن الأمر بالاعتبار. وهذه الآية في نظره لا تمثّل حجّة مقبولة لأنّ الاعتبار في اللغة العربيّة لا يدلّ على القياس، بل العبرة تعني التعجب فقط[13]، والآية الثالثة هي “كذلك يحيي الموتى”[14].
وقد انتقد هذا الفقيه الطابع الانتقائي في تأويل الأصوليين لبعض الآيات التي اعتمدوها لإثبات القياس، فهم يعتمدون على جزء من الآية ويهملون البقية، من ذلك احتجاجهم بهذا الجزء من الآية “لعلمه الذين يستنبطونه منهم”[15]. وإضرابهم عن أول الآية “ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر”.
ومحصلة نقد ابن حزم في هذا السياق أنّ القرآن لا يحتوي آيات تشير صراحة إلى إمكانية الأخذ بالقياس، وأنّ الآيات التي احتجّ بها مثبتوه وضعت في غير مواضعها.
وينتقل إثر هذا إلى نقد حجج إثبات القياس من الحديث فيذكر ثمانية منها بسندها الكامل ومتنها لتسير نقد هذين المستويين، من ذلك حديث: “إذا كنت إماماً فقس الناس بأضعفهم”[16]، فهو في نظره لا يعتدّ به لأنّ ضمن رواته طلحة بن عمرو، وهذا الراوي ركن من أركان الكذب، ومتروك الحديث عند ابن حزم[17]. ومن ذلك أيضاً الحديث التالي: “إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران”[18]، وهذا الحديث حسب الفقيه الظاهري ليس فيه للقياس أثر لا بدليل ولا بنص ولا للرأي أيضاً، وإنما فيه إباحة الاجتهاد فحسب[19].
وقد توقف صاحب “الإحكام” لإبطال الاحتجاج بأهمّ حديث عند مثبتي القياس، وهو حديث معاذ، فعدّه ضعيف السند لأنّه روي عن قوم مجهولين. وفي سنده الحارث بن عمرو، وهو مجهول عند المحدّثين، واتهمه بأنّه موضوع لتعارضه مع الآيات التي تقرّ أن القرآن بيّن كلّ شيء، على غرار الآية “ما فرّطنا في الكتاب من شيء”. وصرّح ابن حزم أنّه كان في التابعين الراوين عن الصحابة خبث كثير وكذب ظاهر من أمثال الحارث الأعور وغيره ممّن شهد عليه بالكذب، فلا يجوز أن تؤخذ رواية عن مجهول لم يعرف من هو ولا ما حاله. وردّ على لجوء بعض مثبتي القياس إلى الادعاء أنّ هذا الحديث منقول نقل الكافة أي بطريقة التواتر، وكشف ظاهرة التوظيف المذهبي للحديث، وأقرّ أنّه لا أحد يعجز عن أن يدعي في كلّ حديث مثل هذا. ولعلّ هذا ما جعله يستخلص أنّ ما لا شكّ في أنّه نُقِل نَقل تواتر يوجب العلم الضروري هو النص القرآني. وبناء على هذا يعتقد ابن حزم أنّ حديث معاذ لا ذكر فيه للقياس البتة، وإنما فيه ذكر للرأي المختلف عن القياس. وأنّه معارض بحديث آخر رواه علي عن الرسول هو: “إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء”[20].
وينتقد إثر هذا حجج مثبتي القياس من إجماع الصحابة. يقول: “وادّعى بعضهم ـ دون مراقبة- إجماع الصحابة على القول بالقياس، وهذه مجاهرة لا يعدلها في القبح شيء أصلاً، وباليقين نعلم أنّه ما روي قط عن أحد من الصحابة القول إنّ القياس حقّ بوجه من الوجوه لا من طريق تصحّ، ولا من طريق ضعيفة إلا حديثاً واحداً نذكره إن شاء الله بعد فراغنا من ذكر تمويههم بدلائل الإجماع، وهو لا يصحّ البتة”.[21] وينطلق ابن حزم في تفصيل رأيه من مقدمات نظرية منها اقتصار إجماع الصحابة على إيجاب ما ورد في القرآن ممّا لم يصحّ نسخه وما قال الرسول، وعلى أنّه لا يحلّ لأحد أن يحرّم ولا أن يحلّل ولا أن يوجب حكماً لم يأت به الله ولا الرسول. وفضلاً عن ذلك يرى ابن حزم أنّ عدد الصحابة عشرات الألوف، وقد روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم، فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس ولا أمر به البتة. ولم يقل أحد منهم بالعلل ولا أحد من التابعين، وإنما هو أمر حدث في أصحاب الشافعي واتبعهم عليه أصحاب أبي حنيفة ثم تبعهم فيه أصحاب مالك. وإثر هذا يقدّم أحد عشر شاهداً من أدلّة الإجماع عند مثبتي القياس. وأوّل هذه الشواهد الاحتجاج بإجماع الأمّة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة، وأنّ ذلك قياس على تقديم النبي له إلى الصلاة. ويردّ على هذه الحجة لأنّ الرسول قد استخلف علياً على المدينة في غزوة تبوك، آخر غزواته. وقياس الاستخلاف على الاستخلاف اللذين يدخل فيهما الصلاة والأحكام أولى من قياس الاستخلاف على الصلاة وحدها[22].
وقد قام ابن حزم بحملة شعواء على القائلين بالاستحسان في عدة مصنّفات كتبها[23]، واستدلّ على موقفه بأدلّة عدة منها استناد الاستحسان إلى هوى النفس من دون دليل شرعي، وهذا في نظره مناقض لما ينصّ عليه القرآن في آيات كثيرة تحرّم اتّباع الهوى مثل الآية “وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ”[24]. واحتجّ ابن حزم كذلك على نقضه الاستحسان بكمال الدين، فهو مبين كلّه، منصوص عليه، ولا حاجة للاستحسان لأنّه لا معنى لوجوده إلا لو كان الدين ناقصاً. كما استدلّ على نفي الاستحسان بالإجماع فقال: “أجمع الصحابة على عدم استعمال الرأي ومنه الاستحسان والقياس”[25].
واستند ابن حزم كذلك في نفيه للاستحسان إلى أنّه باب من الفقه غير منضبط، ذلك أنّه لا توجد ضوابط للاستحسان وقواعد لتمييزه عن الاستقباح، يقول: “ونحن نقول لمن قال بالاستحسان، ما الفرق بين ما استحسنت أنت، واستقبحه غيرك، وبين ما استحسنه غيرك، واستقبحته أنت؟ وما الذي جعل أحد السبيلين أولى بالحقّ من الآخر؟”.
ويبدو لنا أنّ من خلفيات موقف ابن حزم التاريخية من الرّأي عموماً والاستحسان خصوصاً ردّ الفعل على الخلافات المذهبيّة التي طبعت حياة المسلمين بقوّة وأدّت إلى ما لا تحمد عقباه، وأحد عوامل الخلاف في رأيه الاستحسان غير المؤسّس على برهان، لأنّ مثل هذا الاستحسان يؤدّي إلى الاختلاف نظراً إلى تنوّع طبائع العلماء واتجاهاتهم.[26] كما أنّه يردّ الفعل على ظاهرة التقليد الأعمى لأصحاب المذاهب وترك الأصول والنصوص يقول: “وأمّا من أخذ برأي أبي حنيفة أو رأي مالك أو غيرهما فقد أخذ بما لم يأمره الله قطّ بالأخذ به…”[27].
وعندما ننظر في منزلة المرأة في الفكر الأصولي نقف على من أشار إلى نقص عقلها ودينها، فعلى المستوى الأول خاض فريق من الأصوليين في مبحث تفاوت العقول، ومال بعضهم إلى تبنّي فكـرة تفاوت العقول بين النـاس لتشريع نقص المرأة مقارنة بالرجل[28].
ولم يسعَ أصحاب هذا الرأي إلى توضيح المقصود بالتفاوت، هل هو تفاوت في بنية العقل وتركيبته، أم في ما ينتجه من فكر ونشاط ذهني[29]؟ لكنّ مظاهر هذا النقص تتمثل في ضعف مدارك عقل المرأة وخاصة الضبط والحفظ، وهذا ما يبرّر في نظرهم اشتراط امرأتين في الشهادة.
وعلى المستوى الثاني الخاص بنقص المرأة ديناً اعتبر الأصوليون أنّ حيض المرأة يضطرها إلى قطع الصلاة وإلى الإفطار في رمضان ممّا يؤدي إلى عجزها عن أداء واجباتها الدينية بالشكل الكامل والمثالي.
ويحتجون على نقص عقل المرأة ودينها بحديث رواه أبو هريرة عن الرسول يقول فيه: “ما رأيت ناقصات عقل ودين أقدر على سلب ذوي العقول عقولهم منكنّ يا معشر النسوان. فقيل: يا رسول الله ما علامة نقصان عقولهنّ وأديانهنّ؟ فقال: جعلت شهادة امرأتين بشهادة رجل، والمرأة تمكث شطراً من عمرها لا تصلّي، ويمضي عليها اليوم والخمسة لا تصلي سجدة واحدة”[30].
ولئن وقع التسليم بصحة هذا الحديث فإنّنا نجد من خرق إجماع الفقهاء وهو الفقيه الظاهري الأندلسي ابن حزم فهو يعترض على الاحتجاج بهذا الحديث لاستخلاص نقص عقل المرأة، ويستحضر أمثلة لبعض الرموز النسائيّة الكبرى في الإسلام وقبله، مثل مريم أمّ عيسى وعائشة زوجة الرسول وفاطمة ابنته ليبيّن أنّ من الرجال من هو أنقص ديناً وعقلاً من النساء. وهذا لا يعني أنّ ابن حزم يلغي فكرة نقص المرأة بل إنه يقرّ بها لكنه يحصر هذا النقص في وجهين فقط هما الشهادة وكونها إذا حاضت لا تصلّي ولا تصوم[31]. غير أنّ ابن حزم لم يذهب إلى حدّ إنكار الحديث فهو مدوّن في صحيحي البخاري ومسلم، وإيمانه بصحّة مدوّنة الأحاديث وعدالة الصحابة يقف حاجزاً بينه وبين ردّ هذا الحديث.
ويعتبر ابن حزم من القلائل في القديم الذين لم يعتدّوا بإجماع العلماء في موقفهم من المرأة، فقد صرّح بالتساوي بين الرجال والنساء في الفضل. وهذا الموقف أصله في القرآن، فهو ضدّ كلّ تمييز على أساس الجنس يقول: “وما ذكر الله تعالى منزلة من الفضل إلا وقرن النساء مع الرجال فيها كقوله تعالى: “إنّ المسلمين والمسلمات”[32] حاشا الجهاد فإنّه فرض على الرجال دون النساء”[33].
ويعتقد ابن حزم أنّ مجرّد الانتماء إلى جنس الذكور لا يوجب أيّ فضل على عكس ما فهم بعض المفسرين من الآية “وليس الذكر كالأنثى”[34]، فهو لا يرى فيهـا غير اختلاف جنس الذكر عن جنس الأنثى[35]. وإذا كان ابن حزم ابن القرن الخامس للهجرة قد أدرك هذه الحقيقة، فإنّ أبناء عصرنا أحرى بأن يعتقدوا أنّه ليس هناك جنس أفضل من جنس.
هذه المواقف النقدية وغيرها تحتاج إلى المزيد من الجمع والدرس، وهي في رأينا المتواضع من علامات تنوع الاجتهاد الأصولي بسبب صلته بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي عاصره الأصولي، واختلاف البيئات الثقافية والجغرافية التي عاش ضمنها. ولعلّ هذا التنوع يخيف البعض لأنّه يهدد وحدة البنيان الإيديولوجي والروحي الذي يشدّ الأمّة ويحقق تماسكها، لكنه يبرز في نظرنا أنّ الفكر الأصولي تميز بالاختلاف والتنوع والثراء بقدر تميزه بالوحدة والثبات. ولا يمكن لأمّة من الأمم ولا لثقافة من الثقافات أن تتميز بميزة واحدة متصلة مستمرة، فالإنسان دأبه التأرجح بين الثبات والاختلاف وبين الوحدة والتنوع وبين التقليد والتجديد، وابن حزم يُعدّ مجدداً في كثير من القضايا، لكنه متبع ومقلد في قضايا أخرى، وهل كان له أن يكون غير ذلك وهو ابن بيئته وعصره وثقافته، ثقافة ما قبل العصر الحديث؟
لقد كان تجديد ابن حزم محدوداً وغير قادر على تجاوز سقف المنظومة السنيّة، لذلك فإنّ طاعة القرآن والسنّة الثابتة مسألة ضرورية في رأيه، والإجماع حجة عنده لكنه يقصره على عهد الصّحابة، فلا يعتدّ في نظره إلا بإجماعهم، أمّا الإجماع المبنيّ على الاجتهاد بعدهم فهو مرفوض[36].
إنّ محدودية تجديد ابن حزم في المجال الخاص بأصول الفقه لا يعني غياب مواقف تجديدية له في مجالات غير أصولية على غرار موقفه من المرأة من ذلك قوله: “إنّ الإسلام لم يحظر على امرأة تولّي منصب ما، حاشا الخلافة العظمى”[37]. لقد أدرك ابن حزم برؤية مقاصديّة قلّ نظيرها أنّ روح الرسالة الإسلاميّة يقتضي الاعتقاد أنّه لا فرق بين مسلم ومسلم وبين ذكر وأنثى إلا بالتقوى، وأنّ القائلين بأفضليّة الرجل على المرأة لدواع أخرى غير التقوى لا يمثّلون رأي الإسلام[38].

[1]- ابن حزم، الإحكام في أصول الإحكام، 4/189

[2]- Urvoy: La vie intellectuelle et spirituelle dans les Baléares musulmanes, Andalus, n° 37, 1972, p. 103

[3]- انظر ترجمته في د.م.إ. ط2 (بالفرنسية) لـ دونلوب، 1/889

[4]- ابن القصار، المقدمة في الأصول، ص 77

[5]- يقول ابن الفخار: “وما نقله غير أهل المدينة فليس نقل تواتر كنقل أهل المدينة الكافة عن الخاصة لا يحصرون بعدد، ونقل غيرهم، هم عدد يقع عليهم الحصر بمعرفة عددهم فيرجع أصل تواترهم إلى عدد محصور، فإذا كان ذلك جاز السهو والغلط، وإذا كان الأمر كما ذكرنا لم يكن نقل أهل المدينة فيما يجري مجرى التواتر كنقل غيرهم”، مقدمة كتاب الانتصار لأهل المدينة، ضمن ملاحق المقدمة في الأصول لابن القصار، ص 225

[6]- ابن حزم، الإحكام، 4/591

[7]- ابن حزم، الإحكام، 4/602، فصل في إبطال قول من قال إنّ الواحد من الصّحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع وإن ظهر خلافه في العصر الثاني.

[8]- ابن حزم، المصدر نفسه، 4/602 وانظر نقداً مماثلاً لاعتبار هذا الحديث متواتراً في تحفة الأحوذي، 4/465

9- راجع مشهور علي قطيشات، منهج ابن حزم في نقد متن الحديث النبوي الشريف، مجلة دراسات، علوم الشريعة والقانون، المجلد 34، العدد1، 2007

10- الغزالي، المستصفى، ص 138

11- يقول الجويني: “فإن تمسّك مثبتو الإجماع بما روي عن النبي أنّه قال لا تجتمع أمتي على ضلالة، وقد روى الرواة هذا المعنى بألفاظ مختلفة، فلست أرى للتمسك بذلك وجهاً، لأنّها من أخبار الآحاد فلا يجوز التعلق بها في القطعيات ولا حاصل لقول من يقول هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإنّ المقصود من ذلك يؤول إلى أنّ الحديث مجمع عليه، وقصاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنّه لا تستتب هذه الدعوى أيضاً مع اختلاف الناس في الإجماع، ثم الأحاديث متعرضة للتأويلات القريبة المأخذ الممكنة، فيمكن أن يقال: قوله (ص) لا تجتمع أمتي على ضلالة بشارة منه مشعرة بالغيب في مستقبل الزمان بأنّ أمته (ع) لا ترتدّ إلى قيام الساعة، وإذا لم يكن الحديث مقطوعاً به نقلاً، ولم يكن في نفسه نصاً فلا وجه للاحتجاج به في مظان القطع”، البرهان 1/678-679

12- يقول ابن حزم “:وقد روي أنّه (ع) قال: لا تجتمع أمتي على ضلالة، وهذا وإن لم يصح لفظه ولا سنده، فمعناه صحيح بالخبرين المذكورين آنفاً” الإحكام، 4/527. والجدير بالذكر أنّ أحد الخبرين المقصودين رواه ثوبان عن الرسول: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله”.

[9]- ابن حزم، المحلّى، 1/56

[10]- حقّق هذه الرسالة سعيد الأفغاني.

[11]- جعل ابن حزم الباب الثامن والثلاثين من الإحكام بعنوان “في إبطال القياس في أحكام الدين” واستغرق 173 صفحة، أما الباب التاسع والثلاثون فقد وسمه بـ”في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين.

[12]- ابن حزم، الإحكام، 7/370

[13]- المصدر نفسه، 7/389

[14]- البقرة 2/73

[15]- النساء 4/83

[16]- لم نجد هذا الحديث إلا عند ابن حزم، الإحكام، 7/409

[17]- راجع الإحكام، 7/409

[18]- هذا الحديث ورد في الصحيحين حسب الشربيني في مغني المحتاج، 4/372. وانظر ابن حزم، المصدر نفسه، 7/419

[19]- راجع ابن حزم، الإحكام، 7/419

[20]- ابن حزم، المحلّى، كتاب الأقضية، وهو على شبكة الأنترنت بالعنوان التالي www.al-eman.com

[21]- ابن حزم، الإحكام، 7/420

[22]- ابن حزم، الإحكام، 7/423

[23]- انظر خاصة: الإحكام، الفصل 35 “في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كلّ ذلك”، المجلد 2، 6/192-226. وملخّص إبطال القياس والرّأي والاستحسان والتقليد والتعليل، ص 97

[24]- القصص 28/50

[25]- ابن حزم، الإحكام، 6/196

[26]- يقول ابن حزم: “لا يجوز أصلاً أن يتّفق استحسان العلماء كلّهم على قول واحد على اختلاف هممهم وطبائعهم وأغراضهم… ونحن نجد الحنفيين قد استحسنوا ما استقبحه المالكيون، ونجد المالكيين قد استحسنوا قولاً قد استقبحه الحنفيون، فبطل أن يكون الحقّ في دين الله مردوداً إلى استحسان بعض النّاس”، الإحكام، 6/193

[27]- ابن حزم، المصدر نفسه، 6/226

[28]- يقول الزركشي: “واختلف فيه (العقل) في أمور أحدها هل يتفاوت، والأصح كما قاله الإمام في التلخيص وسليم الرازي في التقريب وابن القشيري وغيرهم أنه لا يتفاوت فلا يتحقق شخص أعقل من شخص وإن أطلق ذلك كان تجوزاً أو صرفاً إلى كثرة التجارب… وعن المعتزلة وكثير من الحنابلة أنه يتفاوت لقوله عليه السلام ناقصات عقل ودين”، البحر المحيط في أصول الفقه، 1/88

[29]- نلمس عدم الوضوح هذا في قول الكلوذاني: “فقال أصحابنا (الحنابلة) إنّ العقل يختلف فمن الناس من يكون عقله كثيراً ومنهم من يكون عقله قليلاً ويزيد وينقص خلافاً للأشعرية…”، التمهيد 1/52-53

[30]- الكلوذاني، المصدر نفسه، 1/55. وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 1/405، كما رواه مسلم في صحيحه 1/87

[31]- يقول ابن حزم تعليقاً على هذا الحديث: “إن حملت هذا الحديث على ظاهره فيلزمك أن تقول إنك أتمّ عقلاً وديناً من مريم وأم موسى وأم إسحاق ومن عائشة وفاطمة، فإن تمادى على ذلك سقط الكلام معه ولم يبعد عن الكفر وإن قال لا سقط اعتراضه واعترف بأنّ من الرجال من هو أنقص ديناً وعقلاً من كثير من النساء، فإن سأل عن معنى هذا الحديث قيل له قد بيّن رسول الله وجه ذلك النقص وهو كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل وكونها إذا حاضت لا تصلّي ولا تصوم، وليس هذا بموجب نقصان الفضل ولا نقصان الدين والعقل في غير هذين الوجهين فقط إذ بالضرورة ندري أنّ في النساء من هن أفضل من كثير من الرجال وأتم ديناً وعقلاً غير الوجوه التي ذكر النبي، وهو عليه السلام لا يقول إلا حقاً فصحّ يقيناً أنه إنما عنى ما قد بيّنه في الحديث نفسه من الشهادة والحيض فقط، انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل، 3/54-55

[32]- الأحزاب 33/35

[33]- ابن حزم، المحلّى، 3/43

[34]- آل عمران 3/36

[35]- يقول ابن حزم: “وقد قال قائل ممّن يخالفنا في هذا: قال الله عز وجل وليس الذكر كالأنثى فقلنا فأنت إذن عند نفسك أفضل من مريم وعائشة وفاطمة لأنّك ذكر وهؤلاء إناث، فإن قال هذا التحق بالنّوكى وكفر فإن سأل عن معنى الآية قيل له: الآية على ظاهرها ولا شك في أنّ الذكر ليس كالأنثى لأنّه لو كان كالأنثى لكان أنثى والأنثى أيضاً ليست كالذكر لأنّ هذه أنثى وهذا ذكر، وليس هذا من الفضل في شيء البتّة”، المحلّى، 3/53

[36]- انظر ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 4/539

[37]- محمد الغزالي، السنّة النبويّة بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 55

[38]- انظر مثالاً لهذا الاتجاه فخر الدين الرازي ذلك أنّه يقول: “واعلم أنّ فضل الرّجال على النساء حاصل من وجوه كثيرة بعضها صفات حقيقيّة وبعضها أحكام شرعيّة، أمّا الصّفات الحقيقيّة فاعلم أنّ الفضائل الحقيقيّة يرجع حاصلها إلى أمرين، إلى العلم وإلى القدرة. ولا شكّ أن عقول الرّجال وعلومهم أكثر، ولا شكّ أن قدرتهم على الأعمال الشاقّة أكمل، فلهذين السببين حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوّة..”، التفسير الكبير، المجلد 5، 10/71
_________
*المصدر: مؤمنون بلا حدود

شاهد أيضاً

إشكالية الحب عند نيتشه

إشكالية الحب عند نيتشه بحث في فلسفة التحليل النسوي أنـوار طاهـر بطبيعة الحال، لو لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *