الرئيسية / إضاءات / حوار مع الروائية جويس كارول أوتس (2)

حوار مع الروائية جويس كارول أوتس (2)


رجمة وتقديم لطفية الدليمي



هل ثمة من معلم ما الهمك؟
• نعم خبرت في حياتي بضعة منهم و أولهم معلمتي الأولى التي كانت امرأة أمازونية ذات سمات بطولية فائقة و كانت تدير مدرسة من ذات الصف الواحد one – class school في نيويورك شمال بافالو و كان من المعتاد تلك الأيام أن تدير امرأة واحدة فقط المدرسة ذات الصف الواحد فكانت تنتبه الى الموقد الذي يحرق الخشب بقدر ما تنتبه الى ثمانية طلبة مختلفي الأعمار و الإمكانيات و الخلفيات الاجتماعية ، و لهذا قلت عنها انها شخصية بطولية ضخمة الجسد و لا زلت أذكرها تماما . كان انجازي المدرسي ممتازا و ازدهرت كنبتة يمكن ان تنشأ في مساحة ضيقة جدا ببطء و صبر لكنها كانت ستدمر ذاتها لو غادرت خارج هذه المساحة المحمية .
× ذكرت ان والدك كان ذا سمات شبيهة ب (ثوريو) . ماذا عن والديك معا ؟ هل شجعاك بطريقة محددة ؟
• ألهمني والداي بمثالهما المشترك فقد نشأ الاثنان وسط ظروف الكساد العظيم و كان عليهما ان يتركا المدرسة و العمل لمساعدة عائلتيهما و لم يكن ثمة بديل عن هذا رغم انهما كانا ذكيين و لامعين و بخاصة والدي الذي كان له شغف عظيم بالكتب و حضر بعد تقاعده دروسا في جامعة بفالو في نيويورك ، لذا ألهمني والداي – رغم أنهما لم ينالا أي تعليم رسمي – بقدرتهما على المرونة و الحفاظ على روحيهما بمعنويات عالية غير قابلة للثلم و بشجاعتهما في مواجهة المصاعب . لن اتحدث كثيرا عن حياتهما الصعبة و لكنهما كانا من النوع الذي لا يقبل الهزيمة ابدا و قد رأيت كثيرين غيرهما ينهارون و يصابون باكتئاب شديد محبط فيلجؤون للكحوليات بسبب الضيق و المصاعب المالية الجمة ، لكن والدي عملا كل ما يتوجب عمله بحياتهما فكان لهما أبلغ الأثر في حياتي اللاحقة.
× أتخيلك الان صغيرة بميول إبداعية واضحة المعالم في حين ان والديك كانا مشغولين بالتزامات الحياة البراغماتية و متطلبات المعيشة اليومية . هل كان ثمة متسع لروحك الإبداعية في المنزل ؟ أ لم ينشأ في المنزل نوع من تصادم القيم الإبداعية و البراغماتية؟
• لطالما كان لدي توق عظيم الى القراءة و الكتابة ، و لكن كان لي دور أؤديه في العائلة فقد كنت أقوم بالكثير من العمل في المنزل و المزرعة و لا زلت أذكر كيف كنت استخدم الجزازة اليدوية تلك الأيام لذا ليس بمقدوري القول انني كنت روحا حرة خالصة تحلق في عوالم الابداع ،،، كلا لم اكن هكذا و كنت اسلك كاي فرد في عائلة تدير مزرعة ، و كل ما كنت احوزه آنذاك هو فسحة من خيال شخصي و فسحة من فضاء أتاحت لي التعامل مع خيالي الشخصي.
× هل راودك شعور يوما ما بانك تختلفين عن الأطفال الاخرين؟
• من الصعب ان نقارن أنفسنا بأخرين فكل منا له سماته الشخصية التي تختلف عن الاخرين . كنت أشعر بعض الأحيان أنني كائن حيادي الى حد أنني لا املك شخصية ما خاصة بي ، و ربما كان هذا ما يفسر جزئيا ميلي الى الكتابة لانها كما أرى عملية تنطوي على محاكاة فعل ما : أن تصف مثلا مشهدا يثيرك عاطفيا و تحاول نقله الى جعبة قارئ باستخدام لغة تثير فيه نفس الفيض العاطفي الذي اثارته فيك . وجدت دوما أنني أحب العالم الذي يحيط بي و احبت الكتابة لانها تتيح لي نقل تجاربي المدهشة الى الأخرين و لا زلت أرى نفسي وسيطا محايدا او شفافا في عملية الكتابة . لست أعلم تماما أذا كنت أرى نفسي مختلفة عن الاخرين و ربما ليس لاي منا شخصية خاصة به ليقارنها بالاخرين و ربما كان الناس يخترعون شخصيات مفترضة لانفسهم في السياق الذي يجدون فيه انفسهم.
× هل واجهتك معوقات كبيرة و انت ترسخين اسمك ككاتبة؟
• اواجه معوقات صغيرة كل يوم في حياتي . لدي صديق كاتب في جامعة برينستون التي أعمل فيها يدعى ( جون ماكفي ) اعتاد على القول ان كل كاتب يصاب بما يشبه الانهيار العصبي الصغير في وقت ما من منتصف الصباح و لكنه مع هذا يمضي قدما . استطيع ان اعلق على الرؤية الكامنة وراء قول صديقي الكاتب : أرى كل يوم في حياتي بمثابة صخرة هائلة يتوجب علي رفعها الى اعلى التل و بينما أرفعها قليلا كل يوم اراها ترتد علي قليلا أيضا لكنني استمر بدفعها كل يوم . لدي حساسية مطبوعة في ذهني تجاه الفشل لأي سبب محدد و برغم ذلك اقتربت من الفشل مرات عدة و قد كتبت في هذا الكثير و لدي تعاطف شخصي عظيم مع هذه الموضوعة لانني أرى فعل الكتابة بمثابة حركة تجاه مكامن الاستنارة التي تتطلب قوة و أصالة .
 
هل مر عليك يوم شعرت فيه بالاستسلام؟ 

• شعرت بهذه الرغبة مرات عدة و يصعب علي الحديث عن تجربة كهذه لان من العسير للغاية نقل عواطفك الى الاخرين في تلك الحالات . عندما يتكلم المرء بطريقة استرجاعية عن حادثة ما يبدو انه يدير دفة الأمور جيدا و لكنه في خضم الحادثة يبدو الأمر مختلفا تماما اذ ليس ثمة من تحكم ما في الأمر.

× تبدو موضوعات كتبك متباينة كثيرا و تتوزع على طيف واسع من الاهتمامات . هل تقومين بالكثير من البحث قبل كتابة أي كتاب ؟ هل تجدين نفسك ميالة للبحث؟
• أحب القيام بالكثير من البحث قبل الكتابة ، لكن دعني أوضح : لو كنت أكتب مثلا قصة قصيرة مثل ( المياه السوداء ) التي كتبتها مدفوعة بحادثة اغتيال كنيدي عام 1969 سأكتب الرواية مباشرة لانها مقيدة في حدود مائتي صفحة و اعتمد فيها على الذاكرة و العاطفة المثارتين بفعل حادثة الاغتيال ، و يمكن لي لاحقا القيام ببحث او تدقيق لان البحث الاولي سيكون تشتيتا للقدرة على الكتابة لأن الكتابة في الأساس فعل مدفوع بدافع عاطفي ، اما اذا كانت الرواية كبيرة الحجم فأقوم بعمل البحث بالتزامن مع كتابة الرواية.
×  كيف تصفين خطواتك في  عملية لانتقال من الفكرة الأولية إلى المنتج المكتمل؟

• ليس من وسيلة لتوصيف الخطوات في الانتقال من الفكرة غير المكتملة و حتى ظهور العمل النهائي و قد تستغرقنا العملية سنوات من الجهد . ان تكتب رواية يعني أن عناصر كثيرة تشترك في العمل مثلما تجد جداول فرعية طريقها لتصب في النهر و انت في النهاية ترى النهر كلا متجانسا و لكنك لا تشعر انه تكون من عدد غير معلوم من الجداول الفرعية . أجد من الصعوبة للغاية الحديث عن هكذا امر أو ظاهرة شديدة التعقيد و أراها نوعا من الاعصار الضارب الذي يستعصي على أي توصيفات و لو كانت لدي فكرة ما عن هذه الظاهرة فلن تكون كافية تماما و ينبغي تعزيزها بشئ من اللاشعور أو شيء من العاطفة المدعمة بحس درامي . سأقول لك شيئا لتوضيح ما أقصد بهذا : أردت يوما ما الكتابة عن شخص ما أتهم خطا بجريمة ما و ربما سيقوده هذا الاتهام الى السجن ، و ان أولاده يرون فيه انسانا بريئا و هم على استعداد كامل لفدائه ، و قد فكرت في الكتابة عن هكذا رواية لسنوات و لكن ما ان بدات في كتابة الرواية حتى وجدت انها اتخذت مسارا اخر غير هذا الذي وصفت و غدت مختلفة عنه تماما . أتذكر طبعا كيف ولدت فكرة الرواية و ليس بالإمكان كتابة أية رواية بلا تفكر عميق في فكرتها الأساسية حتى لو اختلف المسار لاحقا عما كنت قد خططت له في البدء . هذه ديناميكية معقدة لا افهم كيف تحصل .
× ما الذي تعدينه اللحظة الأكثر اثارة للدهشة في مهنتك؟
ربما لم تأت هذه اللحظة بعد و لست واثقة اذا كانت ستاتي أم لا و حياتي ذات طابع جواني و مستوحد و لا أولي اهتماما كبيرا للأشياء القابعة في العالم الخارجي من حولي . أكون في غاية السعادة عندما ننطلق انا و زوجي راكضين كل يوم و عندما أكون بين أحضان الطبيعة حيث اشعر بذلك السلام الشامل يغمرني و يملأ كياني ، و انا شخص نشط لابعد حد يمكن تصوره و يبدو ان فعالياتي الايضية metabolism تكون في أنشط حالاتها عندما اعدو لا عندما أكون ساكنة . يمكنني القول ان افضل اوقاتي هي تلك التي اتفرد فيها مع نفسي أو عندما أكون مع زوجي في الطبيعة.
________
*المدى

شاهد أيضاً

أكملت عامها الخامس عشر.. صدور العدد العشرين من مجلة «عود الند»

( ثقافات )  صدر العــدد الفصلي العشرون من مجلة «عــود الـنـد» الثقافية (oudnad.net)، التي يرأس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *