الرئيسية / فنون / ‘بيت برناردا ألبا’ منطقان يتصارعان في بلد عاش أسير ماضيه

‘بيت برناردا ألبا’ منطقان يتصارعان في بلد عاش أسير ماضيه


*أبوبكر العيادي

لم يكن اختيار مسرحية “بيت برناردا ألبا” للوركا ضمن رصيد الكوميدي فرنسيز صدفة، بل كان إحياء لمرور ثمانين سنة على مصرع لوركا، وتحذيرا مما قد تخلقه الموجة الظلامية، التي تنداح الآن في أماكن عديدة من العالم، من ويلات ودمار، كما قالت المخرجة السويسرية ليلو بور.

“بيت برناردا ألبا” هي آخر جزء من ثلاثية لوركا “التربة الأسبانية”، بعد “عرس الدم” و”يرما”. وقد ألفها عام 1936 -أي قبل إعدامه بشهرين- لتطوف بها فرقته “الكراكة” عبر الأرياف الأسبانية. ومع ذلك لم تعرض أول مرة إلاّ عام 1945 في مسرح “تياترو أفينيدا” ببوينس أيرس، وظلت محظورة في أسبانيا زمن فرانكو لما تتضمنه من إدانة لثقل التقاليد، وتنبّؤ بما سوف تشهده أسبانيا من انحسار نتيجة بقائها رهينة معتقداتها.
من خلال ثلاثة أجيال نسوية حبيسة بيت لا تغادره، يضع هذا النص جوهر الاستبداد، في وجهيه السياسي والعائلي الحميم، موضع مساءلة. ما قدر الإنسان المسحوق بتقاليد بالية تكبت توقه إلى العيش عيشة طبيعية؟ وما مصير مجتمع يخنق الاستبداد تطلعه إلى الحرية؟
عبر بناء درامي محكم حيث لا يفتأ التوتر بين نسوة من أسرة واحدة يتصاعد حدّ الانفجار، يعرض لوركا صورة عن الانغلاق وكبت الغرائز، وما ينجرّ عنهما من عنف في العلاقات والمشاعر التي عانت الكبت طويلا، ومن تمرّد ورغبة في التحرر لا سبيل لمقاومتهما.
الشخصية المحورية، برناردا ألبا، هي أم قررت أن تظل بناتها الخمس حبيسات البيت لمدة ثماني سنوات، كما تقضي الأعراف والتقاليد الأندلسية في تلك الفترة من ثلاثينات القرن الماضي، حدادا على زوجها الثاني، وحددت لبناتها اللاتي تتراوح أعمارهن من عشرين إلى تسع وثلاثين سنة ألا يغادرن البيت أو يلتقين بأيّ رجل طوال مدة الحداد، تأكيدا على قواعد مجتمع يعزل المرأة عن عالم الرجال ولا يعترف بحقوقها. ما حمل إحداهن، أميليا، على القول “شرّ البلية أن يولد الإنسان في هيئة امرأة”.
كلهن في وضع بائس ما عدا أنغوستياس، الأخت الكبرى التي ولدتها برناردا من زواج أول، فلها مهر يطمع فيه شاب اسمه بيبي الروماني ويريد الزواج منها رغم دمامتها. وفي المقابل فهذا الخطيب كان في الواقع ميالا لأختها الصغرى أديلا، فيتحوّل في أذهانهن جميعا إلى موضوع رغبة طال بها الكبت. وتتنامى الأحقاد والضغائن والحسد والحرمان، وينتهي الأمر بالأخوات إلى التمرّد على قرار أمهن الأخرق.
البيت، الوارد في العنوان، هو ملاذ للسكن وحفظ أسرار الأسرة والرغبات المكبوتة، ولكنه بفضل سينوغرافيا بارعة، تحوّل إلى سجن، ليس به غير نسوة، تمارسن كبرياءهن دور المستبدّ، المحافظ على التقاليد والقيم الموروثة. فيما تخضع الصغريات إلى القمع والصمت القسري والخضوع لمشيئة المتسلطات، وبينهما فئة ثالثة ممثلة في خادمات، يبدين وفاء للأسرة وتفانيا في خدمتها، ولكنهن رغم وعيهن بالظلم المسلط على البنات، لا يملكن حيلة للتدخل لفائدتهن، لأنهن حريصات على الحفاظ على مصدر رزقهن.
وتتأتى المأساة من الرجال، فهم، وإن كانوا غائبين جسديا، فإن مجرد ذكرهم يربك نظام الأسرة. فالأب زاد بموته من ثقل المحظورات حين أعلنت زوجته حدادا بثماني سنوات. وبيبي سوف يولّد في ذلك الفضاء الحريمي نزاعا لا يهدأ، وميلا إلى العدوان يبلغ ذروته لدى الصغرى أديلا، التي تتحرق شوقا لتلبية نداء الجسد. منطقان يتصارعان في بلد لا يزال أسير ماضيه: النظام القديم الوفي للشعائر الدينية من جهة، وسراب الحداثة وما يتولد عنها من انفتاح، من جهة أخرى. وأديلا، التي ترفض التوافق على حل وسط، أشبه بأنتيغون، أختها البعيدة، التي تمت التضحية بها على معبد النزعة المحافظة.
هذا البيت/ السجن جعله لوركا، كشاعر ملتزم، استعارة يستشرف من خلالها بلدا يقع تحت استبداد الجنرال فرانكو، ليس له من مصير غير الانغلاق والصمت. وقد اعتمد الواقعية في تصويره ليقدم لنا ما أسماه “وثيقة فوتوغرافية”؛ وجه تلك المرأة وهي تمزق سكون الليل بصراخها. المشربية العالية التي تسدّ الخشبة ويحدس المتفرج خلفها أحيانا خطى ثقيلة لرجال غلاظ يذهبون إلى الحقل، أو يجلدون امرأة، أو يصدحون بأغان أقرب إلى الأناشيد العسكرية منها إلى الأغاني الفلكلورية. كل شيء يغرق المتفرج منذ البداية في الأندلس العتيقة، بنسائها المتشحات بالسواد، الصابرات على ما يلقين، المقتصدات في عواطفهن وضحكاتهن، المنطلقات في صراحتهن.
إنه فضاء يسكنه السواد والخصاصة والتراجيديا، يحدس من خلاله المتفرج، ومنذ الكلمات الأولى، كما في المسرح اليوناني القديم، أن القدر يسير إلى غايته، حيث لا مفرّ من الموت، ولا بديل عنه. هذا الموت الذي يفتتح المسرحية ويختمها بعد عرض يدوم ساعة ونصف الساعة، بطريقة عنيفة، حاسمة لا رجعة فيها.
______
*العرب

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *