الرئيسية / فنون / «رجال ودجاج» لأندرياس توماس ينسن.. تزوير كافكا

«رجال ودجاج» لأندرياس توماس ينسن.. تزوير كافكا


زياد الخزاعي


بين التعقّل والجنون هناك بيضة دجاجة، وفق منطق السينمائي الدنماركي أندرياس توماس ينسن، في جديده التهكميّ «رجال ودجاج». عالم 5 أشقاء – يتشابهون بطلّة متقاربة عبر شفاه مشرومة تُسمّى طبّياً بـ «الأرنبيّة»، نتيجة زلّات ولادة – تهاوى مع اكتشافهم المتأخّر، وهم بالغون، أن خرائط جيناتهم تمّت «هندستها» على يديّ أب أصابته لوثة عارمة مع عقمه. عَمّرَ عزلة طبية في مصحّة مهجورة، وعكف في قبوها على تخصيب أرحام زوجاته بمزيج من منيه ونُطف حيوانات أليفة، مخلّفاً كائنات «فرانكنشتانية» (نسبة إلى فرانكنشتاين) بوجوه مختلفة، وطبائع متضاربة، وأصول بهيمية. يناقشون نظريات داروين، وفلسفات كوبرنيكوس وإسبينوزا، ويتبصّرون في رواية النبي إبراهيم وسعيه إلى ذبح ابنه إسماعيل، ويتعاطفون مع الشاة البديلة. كما يمارسون رياضات، ويتبادلون بلاهات. إنهم «كومونة اسكندنافية» مستقبلية، حيث الـ «هَبَل» عطيّة ضد خارج شرير وفاسد وأناني وغير سوي. يعايشون دواباً مولَّدة من مخلّفات تجارب والدهم، باعتبارها «معاني» مستحدثة للحياة، ولغرابة سيروراتها.

رأى أندرياس توماس ينسن ـ الذي تعاون كاتباً مع تيّار «دوغا 95»، ومع المخرجة سوزان بيير في «عالم أفضل» (2010) و «فرصة ثانية» (2014) ـ أن دنيا الخيال لم تعد مجدية للهروب من واقع شاذٍ، نشهد فيه تزايداً غير مسبوق للعنف، عبّرت عنه هجمات فرانز (سورن ملينغ) على أشقائه بمطرقة مصنوعة من جثث حيوانات محنّطة، وتعاظماً للتسلّط ومفاسده، متمثّلاً بسياسي دنماركي يحكم جزيرة نائية بمنطق بطريركي هزلي، يتبادل أفراده شتائم مقذعة، ولا يستغرب رؤية طائر لقلق هجيناً بقدمين بشريتين، أو دجاجة برأس قطّة، أو أخرى بجسد حمل، مُعتبراً ذلك مفخرة محلية، واتّساعاً لانحراف الوظائف الأسريّة، متجسّداً بهجوم الأخوة على مديرة المدرسة الوحيدة لأنها شكّكت بـ «بشريتهم»، واقتحامهم بيتاً للعجزة لـ «سبي» حريمه ومضاجعتهن. اجتماع الأخوة على أنهم خِيرة إنسانية بديلة، قَلَب منطق حيوانيتهم بحسب دعوات غابرييل (ديفيد دينتشك) من «الضرب إلى الكلام»، لكنه لم يحيّد الهزء المسيّس لعنصريتهم الملتبسة، حيث لا أناس من أجناس أخرى ضمن محيطهم.
هم في بؤرة «غير نجسة» إلاّ من قطعان دجاج وشياهٍ وخنازير وحمير، وثور يدعى «اسحاق الثامن». نرى في مفتتح عوالمها ـ التي صوّرها سبيستيان بيلنكوف كطيف فردوس مفقود مضيء يعجّ بألوان غنية تقارب تشكيليات مواطنه الرسام بيدر سيفيرين كروير (1851 ـ 1909) ـ طفلين يحملان سلّة مليئة ببيض دجاج، وصوت صبي خارج الـ «كادر» يخبرنا أن «هذه حكاية أخوة لم يُنصفوا بحظوظ معتبرة»، لكنه لن يقدّمهم دفعة واحدة، بل عبر مقطعين متضادّين: أولٌ، يظهر مع اكتشاف الثنائي الحامل إسمين توراتيين هما غابرييل والياس (مس ميكلسن)، أن الرجل الذي دفناه ليس والدهما البيولوجي، قبل أن يخبرهما، عبر فيديو مسجّل لا نرى فيه وجهه بل لباسه الداخلي، أن «الأصليّ» موجودٌ في جزيرة جنوبية، ليجتمعا في المقطع الثاني مع الثلاثة الآخرين، ويؤسّسوا عشيرة حيوانات بشرية. فالأكاديمي نصف بوم، والمريض باستمنائه الدائم نصف ثور، والثالث الفظّ فرانز نصف دجاجة، والرابع البدين قاصّ الحكايات جوزف نصف جرذ. أما الأخير الأحمق غريغور، فهو نصف كلب.
بما أن «رجال ودجاج» ـ المعروض في الدورة الـ 59 ( 7 ـ 18 تشرين الأول 2015) لـ «مهرجان لندن السينمائي» ـ حكاية لا تُصدّق، فلن توضع لها نهاية عقلانية، بل سيوضع لها مشهد ختامي حُلمي يجمع الأشقاء مع زوجات وأمهات وأطفال غرباء وحيوانات جديدة، كافتراضٍ سينمائي يومئ بأن سرّهم لن ينكشف، على الرغم من اختراق غابرييل قبو المصحّة، وكشفه جرائم الأب في إنتاج وحوشه.
هل تحوّلت البناية التي يمكن نعتها بـ «زريبة ثانتوس»، وهو اسم الأب الأصلي الذي يعني باليونانية القديمة «الموت»، إلى مثواهم الأخير، أم أن صالاتها المكتظّة ببيض الدجاج، وبخوارات الثور الذي يقتله ألياس انتقاماً لعجزه في مواقعة امرأة، هي رحم مستورة لاستيلاد بشر أشرس، وأكثر لعنة منهم؟ تُختتم الكوميديا السوداء هذه بجملة أخلاقية يردّدها الصبي الراوي: «أيّة حياة، في الحقيقة، معجزة صغيرة». ربما تكون جديرة بأخرى تابعة، أوردها ميشال فوكو في «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» (1961)، أشار فيها إلى أن مجانين تلك المعجزة «يعيشون حرية مطلقة». مأزق نصّ «رجال ودجاج» كامنٌ في أن كثيرين، ربما، يجدون ظرافته ناقصة. فنكاته صيغت بنَفَس اسكندنافي تعبيري.
بطَنَ المخرج أندرياس توماس ينسن (1972) ميدياه بخطاب مشفّر واستعاري، اعتمد على حواريات متداخلة، ونكات ذات تأويلات محلية خالصة، من دون ان تنال من جدّية محصّلته التي يقولها الراوي: «الحياة هي الحياة، ولا بديل أجدر منها».
السفير

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *