الرئيسية / مقالات / لغز البنت التي انتحرت.. حزنًا على وفاة العقاد!

لغز البنت التي انتحرت.. حزنًا على وفاة العقاد!


محمود صلاح


كثيراً ما يوحشني أستاذي وصديقي أنيس منصور، تعودت أن تكون بيننا مكالمات تليفونية بين الحين والحين، كلما افتقدته وشعرت بالحنين إلى جلساته الجميلة وأحاديث ذكرياته الطويلة.
ولعل أنيس منصور هو آخر عمالقة «المتحدثين» فى مصر، إن حديثه يجعل المستمع إليه يطير فى سماوات الفكر والأدب، وكثيراً ما كانت لنا جلسات طويلة حول أحاديث ذكرياته، لكنى كنت دائماً ما أحاول أن أجعل أنيس منصور يحدثنى عن عملاق الأدب عباس محمود العقاد، الذى كان أنيس منصور أقرب حواريه، يشهد على ذلك كتابه الرائع «فى صالون العقاد كانت لنا أيام»، والذى حكى فيه الكثير والكثير عن حياة وفكر وأسرار العقاد، ولعل الأجيال الحالية لا تعلم الكثير عن العقاد، سوى من مؤلفاته العديدة وأشهرها «العبقريات»، لكن حياة العقاد ستظل دائماً مادة غزيرة عميقة ومثيرة أيضاً للباحثين.
ومن أكثر الأسرار إثارة قصة خبر انتحار فتاة يوم موت العقاد، واسمها كان بدرية رشاد المراسي، وقد خرجت الصحف فى اليوم التالي لوفاة العقاد، وهى تحمل خبر انتحار بدرية الذى أوقع الناس أيامها فى حيرة! واجتهد الصحفيون فى البحث عن حقيقة الخبر ومن هي تلك الفتاة، بل وتساءل بعضهم هل كان العقاد متزوجاً زواجاً عرفياً، وهل أنجب ابنة غير شرعية هى تلك الفتاة التى قد تكون انتحرت حزناً على وفاته.
وأيامها كتب الصحفي الشهير محمد نصر مشيرا إلى أن بعض الصحف المصرية نشرت خبراً يقول إن السيدة فوزية مصطفى القدسي تقدمت ببلاغ إلى نيابة مصر الجديدة، تطلب فيه الحجز على تركة العقاد، وفاء لدين قدره ألفان وخمسمائة وأربعون جنيها ومكتبته وبيته فى أسوان، بحجة أنه تزوج من أمها بعقد عرفي منذ خمسين عاماً، وأن الفتاة التى انتحرت حزناً عليه يوم وفاته هي ابنته، وأنها كانت تقيم فى منزله بمصر الجديدة، فى فترات من العام، ثم تصحبه إلى المصيف بالإسكندرية.
وظل الصحفي محمد نصر ثلاثة شهور بعد وفاة العقاد يبحث وراء هذا السر، وعن حقيقة انتحار الفتاة بدرية رشاد المراسي وعن حقيقة زواج العقاد، وسأل أقارب العقاد وأقرب تلاميذه إلى قلبه والذين عاصروه.
وفى النهاية تمكن الصحفي الشاطر من الالتقاء بأهل الفتاة المنتحرة، وتوصل إلى عدة حقائق وراء هذا اللغز أولها أن العقاد تبنى التلميذة بدرية فعلاً، وهى فى الشهر الثامن من عمرها، وأنها كانت تناديه باسم «بابا» وكان يسعده أن يسمع هذا النداء منها.
واكتشف الصحفي المجتهد أن العقاد لم يكن يبخل على هذه الفتاة بأي طلب مهما غلا ثمنه، وأن علاقة صداقة وطيدة كانت تربط العقاد بأسرة الفتاة منذ زمن.
لكن أغرب ما فى القصة أن أحداً من أسرة العقاد لم يكن يعرف هذا السر، ولا يجرؤ على سؤاله عمن تكون بدرية أو «فريال»، كما كان يحب أن يناديها، ولماذا تتردد عليه وتخرج حاملة الهدايا وعلب الأطعمة الجافة.
لكن محمد طاهر الجبلاوي الذى كان عضواً فى لجنة الشعر بمجلس الآداب والفنون، والذى رافق العقاد أكثر من أربعين سنة، وأصبح من أحفظ الناس على أسراره وقام بتأليف كتاب «فى صحبة العقاد» كشف المزيد من الأسرار حول اللغز.
وقال الجبلاوي: أنا عشت مع العقاد أربعين عاماً، كنت أعرف كل أسراره، وحسب معلوماتي الشخصية وما كان يصارحنى به، أقول إنه كان يريد أن يرد الجميل عندما تبنى بدرية المراسي، وأن هذا سر لا يعرفه كثيرون، حتى ولا إخوته، وأنا أتذكر أن العقاد سنة ١٩٣٥ كان يمر بضائقة مالية، بعد أن خرج الوفد من حكم البلاد، وتوالت حكومات الأقلية، مثل حكومة محمد محمود التى كان العقاد يهاجمها.
وعندما أعلن محمد محمود أنه سيحكم البلاد بيد من حديد، كتب العقاد عدة مقالات تحت عنوان «يد من حديد فى ذراع من جريد». وأثارت هذه المقالات الحكومة، لكن العقاد استمر فى الهجوم حتى على الحكومات التى جاءت بعد ذلك، فكانت هذه الحكومات تغلق كل صحيفة يكتب فيها! وعندما أعلن حزب الوفد فصل العقاد وقطع مرتبه، وحرضت الحكومة الناشرين على ألا ينشروا له أى كتاب، حتى إن كتابه «سعد زغلول» عندما انتهى من تأليفه، لم يجد ناشراً يقبل وهنا وأمام الظرف الدقيق الذى كان يمر به، عرضت السيدة الفاضلة أم بدرية على العقاد مساعدته، ورهنت مصاغها بمبلغ ٤٠٠ جنيه أعطتها للعقاد.
وبعد عام وكان العقاد قد طبع كتابه «سعد زغلول» على نفقته، وأعلن أنه سوف يبيعه بنظام الكوبونات، وعندما سمع طلعت حرب الاقتصادي الأول فى مصر وقتها بذلك، أمر بشراء ٥ آلاف نسخة من الكتاب، وفتح له اعتماداً بمبلغ ٥٠٠ جنيه لم يصرف منها العقاد فى حياته إلا مرتين، وقام العقاد برد المبلغ للسيدة الفاضلة، بل واشترى لها سوارين من الذهب رداً للجميل، وتوطدت العلاقة أكثر مع أسرة المقدسي وبعد فترة من الزمن ووفاة الزوجة حضر لزيارتهم، وعندما اكتشف أن الزمن قد جار عليهم، وأنهم فى ضائقة وقد كثر أولادهم.
قال لرب الأسرة محمد رشاد المراسي: يا سيد رشاد.. أي خدمة تحتاجها اعتبر بيتي بيتك، وطفلتك الصغيرة التى تركتها المرحومة زوجتك اعتبر كأنها ابنتي، وأنا سأنفق عليها وأتكفل بمصاريفها وتعليمها، هكذا تبنى العقاد الطفلة الصغيرة بدرية، وكبرت بدرية وأصبحت فى الصف الثالث الثانوى، وكانت تتردد على بيت العقاد، ويلبي لها كل طلباتها، ويدفع مصاريفها، ويرسل لها الهدايا من أسوان وإسكندرية عندما يكون بعيداً عن القاهرة، وكان يأخذها معه أحياناً إلى المصيف.
بل أنه كان يراجع معها دروسها ويشرحها لها، وإذا مرضت يعرضها على الأطباء، وقد روت شقيقتها فوزية قصة موتها المثيرة.
فقالت: كنت فى مستشفى دار الشفاء مع طفلي المريض عندما حدثتني بدرية بالتليفون، وأبلغتني بخبر وفاة الأستاذ العقاد فأسرعت وأخذتها معي إلى بيت العقاد وعندما دخلنا ووجدناه قد فارق الحياة، فأخذت بدرية تصرخ وتبكي فى حال هستيرية، وكان فى حجرته تلميذه خليفة التونسى، وعندما سمع أحمد شقيق المرحوم العقاد بدرية وهى تصرخ
قائلة: بابا.. بابا!
هددها بالطرد وإبلاغ البوليس عندما وجدها تقول هذا الكلام وعندما عدنا إلى البيت كانت بدرية لا تزال فى حالة صدمة، كانت تحب العقاد مثل والدها تماما، بل كان أكثر إنسان تحبه فى الدنيا، وتركتها لأعود إلى المستشفى لأدفع الحساب ثم أعود إليها من جديد، لكنها انتهزت فرصة غيابى وابتلعت عدة أقراص من دواء للمعدة، وعندما شعرت بالتعب أبلغتنى جارة كنت قد أوصيتها بمتابعتها.
وقالت لي: البنت تعبانة، وفى الحال نقلناها إلى المستتشفى لإجراء عملية غسيل معدة لها، وحاول الأطباء إسعافها ولم يفلحوا، وفارقت روحها الحياة‍!.
البوابة نيوز

شاهد أيضاً

أيُّهما أولى : حياة مجتمع المواطنة أو موت”الوباء” ؟

      (ثقافات)                *  سعيد بوخليط                                                             …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *