الرئيسية / مقالات / الشعر والأخلاق 4

الشعر والأخلاق 4


فوزي كريم


الموقفُ الأخلاقي في الشعر يرتبط، في حقيقته، بالمعنى الذي تنطوي عليه الكلمات. فإذا جرّدت كلمات القصيدة من أي معنى، فهي بالتأكيد ستكون غير مُلزمة أخلاقياً. وهذا ما يقود إليه المعيار الجمالي، الذي تطرّف في الغرب الرأسمالي ليقود إلى “شعر اللغة”. ولعله نتيجة واضحة لحياة الترف الفائض. ولقد تحدث عن ذلك الشاعر البولندي ميووش بكثافة، في قصائده، وفي كتبه النقدية بشأن الشعر. ونبّه إلى أن هذه الظاهرة لا أثر لها في شعر ونقد أوروبا الشرقية، بسبب أنها تعرّضت للآلام، تحت ظلّ الأنظمة الشمولية ولعقود طويلة.
وآلامهم لا تختلف عن آلامنا، نحن العرب، تحت الأنظمة العربية الخلافية، والدكتاتورية.
ولقد برز مفهوم “الشاعر كشاهد” على عصره في صوتين بولنديين، بصورة بارزة. فإلى جانب ميووش عرفنا الشاعر زبيغنيو هيربرت (1924 ــــ 1998)، وهو من أهم الشعراء البولنديين المعاصرين. في إحدى قصائده يخاطب نفسه، أو الشاعر: “لقد بقيتَ حياً لا لتعيش/ لك وقتٌ محدود وعليك أن تُدلي بشهادتك”.
في قصيدة “مبعوث للسيد كوجيتو”، وهي واحدة من قصائده الطويلة الشهيرة، تصبح شهادة الشاعر تعهداً لا يقبل الشك ولا الخلاف. القصيدة “رسالة” يقول، وعبارتها التوراتية تعطيها قوة الأمر الإلهي، لفرض واجب الإخلاص لأولئك الذين “غُدر بهم في الفجر”. تفترض الشهادة تضحية باسم مُثل كالكرامة والإخلاص، والتعهد بأن تكون مرتبطةً عن قرب بفكرة التاريخ، الذي يعني لدى الكيانات المقهورة، الألمَ والمعاناة. في كل محاولاته الشعرية يبدو هيربرت مصحوباً بذكرى “أولئك المعفّرين في التراب”، وبهاجس من يعيش ويتحدث من أجلهم. وهو هاجس أخلاقي يفرضه الوفاء للضحايا. وفكرته عن الإدلاءِ بالشهادة لا تنفصل عن تاريخ القرن العشرين، وعن حالة بولندا السياسية:
“الشعرُ صنو الذاكرة / يرعى الأبدانَ في البرية/ تمتمةُ القصيدة لم تعد أكثر أهميةً
من أنفاس الآخرين.”
إن فكرة الشعر كشاهد يمكن تتبع أثرها في معظم مجموعاته الشعرية، التي تشكلت ونضجت بفعل خبرة الحرب، التي مزقت بولندا، وطناً وشعباً. وكذلك فكرة هذا التجاور بين غريزة الحياة لدى الانسان، وبين الالتزام الأخلاقي في الوفاء لأولئك الذين رحلوا:
“الحياة تقطرُ مثل الدم/ الظلالُ تذوب برقّةٍ/ دعنا لا نترك القتيل يتلاشى”.
مسارُ الحياة، بالنسبة إليه، الذي يزخر قدماً هادماً كلَّ عائق، متعارضٌ مع الشعر الذي يتطلبه الإخلاص والوفاء إذْ يبدو عاجزاً “مثل صرخةٍ في الليل أو نهرٍ في الصحراء… ولذا يمكن أن نلتقي موتانا في الليل… علي أن آتي بهم إلى اليابسة/ وأُراكم فوقهم الرمل”.
مفهوم الشاعر كشاهد عيان مصحوب لديه بالاحساس بعدم التكافؤ الحاصل بين الكلمات وبين الشعر الذي يحمل مهمة: “أوتارٌ لا تكفي/ نحن بحاجة إلى كورسٍ/ إلى بحرٍ من النواح/ إلى ضجيجِ جبالٍ/ ومطرٍ من حجارة”. الرغبة في شعر يصبح نقشاً متواصلاً مثل مخطوطة سنسكريتية أو مثل هرم، بقيت دون تحقق. يقول مخاطباً النفس: “كلماتُك العقيمةُ صدى ظلٍ/ وريحٌ في غرفٍ فارغة/ ليس لك أن تباركَ النارَ بالأغنية/ أنت تذبل مبدِّداً على غير هدف/ الأزهارَ الخاملة للأكف المثقوبة”.
إن مهمة الشاهد عيان ذات دوافع مزدوجة بالنسبة للشاعر هيربرت: إنها التزام أخلاقي إزاء ضحايا التاريخ من جهة، ومحاولة لكتابة تاريخ مختلف من جهة ثانية، تاريخ لم يُلحظ من أحد، أو الأسوأ إنه تاريخ مسكوت عنه من قبل المؤرخين. هيربرت يرى وجهين للتاريخ أحدهما يُعرض على الضحايا والآخر يُعرض على الحكام والجلادين. إنه يعني ممارسة السلطة، والجريمة والأكاذيب بالنسبة للأخيرين؛ وبالنسبة للضحايا يكمن التاريخ في المعاناة، والهوان والموت:
“ثمة شبحٌ يلاحق/ خريطةَ التاريخ/ شبحٌ عصيٌّ على التحديد”.
الشاعر، وهو يواجه تاريخاً عاجزاً عن أن يكون شاهد عيان، لا خيار له إلا أن يلتزم هو هذه الشهادة. إنه يقبل دوره كمؤرخ و”يكتب، لا يعرف لمن، تاريخ فرض الحصار”.
الجريدة الكويتية

شاهد أيضاً

العلم كلمة سرِّ عصرنا

*لطفية الدليمي كثيرةٌ هي المرّات التي سمعنا فيها عبارة ( العلمُ نورٌ ) وهي تجري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *