الرئيسية / إضاءات / البعض يعود إلى الكتاب مرتين

البعض يعود إلى الكتاب مرتين


*ليلاس سويدان


نقرأ بعض الكتب في مراحل مبكرة من حياتنا ثم نعود اليها مرة أخرى بعض مضي سنوات، لنقرأها بوعي جديد ربما، أو أفكار مختلفة ونكتشف أننا نعيد النظر بموقفنا منها أو تأثرنا بمضامينها وأفكارها أو حتى قيمتها الأدبية. بين مرحلتين مختلفتين على مستوى النضوج المعرفي ونضوج الأسئلة أيضا، الكتاب لا يعود أحيانا بالأثر نفسه الذي تركته القراءة الأولى، ربما تصبح قراءته الثانية اكتشافا آخر، أو كشفا لقيمة ارتبطت بمرحلة مضت لا أكثر.
___________
الكاتب والباحث فاخر السلطان، تحدث عن كتابات المفكر الإيراني علي شريعتي وما مثلته بالنسبة له في مرحلتين مختلفتين: 
في العشرينات من عمري كنت منبهرا بالثورة الايرانية. كانت تمثل بالنسبة لي أملا لواقع جديد، تسيطر عليه قيم جديدة، دينية وغير دينية. وكان للمفكر الإيراني علي شريعتي وكتبه المتنوعة تأثير كبير في ذلك الوعي والانبهار, كانت تلك الكتب، خاصة التي تشير إلى الإسلام كأيديولوجيا تحررية لإنقاذ الإنسان من مختلف صور الهيمنة، مثل «دين ضد الدين» و«الانسان والاسلام»، و«فاطمة هي فاطمة»، تلهم في ذهني الصور الفكرية للتحرر من مختلف صنوف العبودية الجديدة كما يسميها. 
لكنني، وبعد وقت ليس بقصير، اكتشفت بأنها كانت تكرس الأدلجة التي لا ترى الخلاص والحق إلا من خلال فكرها ونهجها، وأن الأيديولوجيا الدينية، هي نهج الخلاص الذي يجب على كل ساع إلى الاعتماد على الدين للعيش بصورة كريمة أن يتبناها. اكتشفت أن {كل فكر مؤدلج» سبب في تدهور الكرامة الانسانية، لأنها تشكل مبررا كافيا لنفي الآخر، وتؤسس لاستبداد معرفي واجتماعي. وهذا ما جعلني أهجر الكثير من كتبه التي تعكس الفكر المؤدلج. هو لاشك مفكر كبير، وله ثقل معرفي وتأثير واسع في فئة الشباب الساعية إلى التحرر من الهيمنة. لكنه من جانب آخر عزز الهيمنة بصورة جديدة، وطرح الفكر الديني كفكر ثوري مؤدلج.
______
د. حسن ناظم -الناقد العراقي- تحدث عن شاعر عراقي أهمل أيام شيوع الثقافة القومية في العراق، ورأى ان إعادة قراءته تنعش جدلا مهما على مستوى حوار الثقافات:
مع انتعاش دراسات العلاقات بين الثقافات، بصحبة التغيرات التي عصفت بالأنظمة العربية سياسياً، وبالبلدان العربية اجتماعيا وحتى جغرافيا، يتمكن الناقد والمفكر من أن يعيد النظر في الثقافة التي كوّنتْه، يتمكن من قراءة الكتب التي قرأها سابقا ليتفحّص فكرَه ونفسه من جديد، ويستطيع أن يتأمل تصوراته عن الكتّاب الذين أثّروا فيه أو الذين لم يؤثّروا فيه لسبب ما. وأختار في هذه السطور أن أعيد التفكير في أحد الشعراء العراقيين من القرن السادس عشر الذين لم نعرهم أيّ انتباه طيلة أيام شيوع الثقافة القومية في العراق، وقبل أن تسقط الدكتاتورية ليعاد التفكير في كل شيء سلباً وإيجابا. 
الشاعر هو فضولي البغدادي الذي وُلد في العراق في 1494 لعائلة تركمانية وتوفي في 1556، لكنه كان ينشئ جلَّ كتاباته وأعظمها بالتركية «التركمانية، الآذرية» مع إسهامات أخرى بالفارسية والعربية. وقد صار الآن ممكنا التساؤل عن هوية فضولي: هل هو شاعر وكاتب عراقي لأنه كتب شعراً وألّف كتاباً بالعربية؟ أم هو شاعر تركي أو تركماني أو اذري لأنه كتب أعمالَه بالتركية؟ أم هو شاعر فارسيّ لأنه له ديوانا شعرياً باللغة الفارسية؟ لماذا تدّعيه كلّ هذه الأمم إلا العراقيين؟ هو الذي عاش ومات في العراق من دون أن يغادره أبدا، ومن دون أن يكون له بلد غيره، بل دُفن فيه، في ضريح الإمام الحسين، وله قبر معروف حتى اليوم هناك؟. 
يمكن لأدب فضولي البغدادي أن ينعش الجدل حول كيفية الاشتغال بقضايا الحوار بين الثقافات التي يمكن أن تكون حيوية في العلاقات بين البشر والدول هذه الأيام تحديدا. ويمكن أن يؤدي إلى إذكاء روح الحوار بين المجتمعات، ويعالج تحديات التنوع وحقوق الإنسان بمنهجية أكثر معقولية. لقد دعاني أدب فضولي إلى إعادة التفكير في معنى المعتمد الأدبي العربي literary canon، وكيف يمكن أن يكون في العراق وفي غيره من بلدان أكثر من معتمد أدبي واحد. فأدب فضولي لم يدخل ضمن المعتمد الأدبي العربي العراقي. فضيّعنا تلك الروائع الأدبية لسبب تبني مفهوم للمعتمد الأدبي يستند إلى الجنس أو العرق.
__________
حاتم حافظ – الناقد المصري- تعاطفه مع نجيب محفوظ كضحية للإرهاب جعله يعيد قراءة رواياته وبفهم مختلف:
في عام 1988 حصل محفوظ على جائزة نوبل. كنت ما زلت في مرحلة التعليم الأساسي، وكنت لا أعرف محفوظ غير من الأفلام التي قدمت أعماله أو تلك التي كتبها ككاتب سيناريو. 
كصبي مشغول بالقراءة لم يكن من السهل تجاهل الجائزة وصاحبها رغم أن المزاج العام للمصريين كان معاديا للغرب، ومن ثم لأي تقدير يمكن أن يصيب أحد مواطنينا يأتي من الغرب. 
في معرض الكتاب كانت روايات محفوظ تباع كما لم تبَع من قبل. دار النشر التي كانت تحتكر رواياته وضعت على أغلفتها عبارة «الكاتب الحاصل على جائزة نوبل». العبارة وحدها كانت كافية لأن يُقرأ محفوظ -من غير المهتمين بالقراءة- ربما للمرة الأولى. في البيت قرأت الصفحات الأولى وفي الخلفية أصوات تخفت إلي من أبي وأمي وبعض أقاربنا عن الكاتب الذي كافأه الغرب على دعمه لاتفاقية السلام بين مصر -أو ربما السادات- وإسرائيل. 
وفي الخلفية أيضا أصوات أئمة المساجد الذين ظلوا يصرخون من فوق منابرهم عديد الجمع لتنبيه المؤمنين للمؤامرة التي يحيكها الغرب، والتي كان من بين علاماتها منح جائزة عالمية لكاتب محلي. بالنسبة للإسلاميين كانت نوبل مكافأة أيضا، هذه المرة مكافأة على رواية «أولاد حارتنا». الصخب المعادي لم يورطني في معاداة محفوظ بالطبع لكني لم أحب الرواية فحسب. وجدت لغتها غريبة بالنسبة لصبي كان يقرأ إحسان عبدالقدوس ومحمد عبدالحليم عبدالله وتوفيق الحكيم. 
أظن أنني لم أكن في سن تسمح لي بتجاوز عتبة القصة. القصة لم تكن واقعية بالمرة، وبالنسبة لي كانت الرواية هي رواية الواقع. في 1995 تعرض محفوظ لمحاولة اغتيال على يد شاب «أمي». ربما بسبب رغبتي في الوقوف بجانب الضحية قررت إعادة قراءة الرواية. القراءة الثانية لم تعبر بي عتبة القص فحسب، بل عبرت بي عتبة الرواية المحفوظية لدرجة أنني في شهرين فحسب كنت قد قرأت كل ما نشره محفوظ. اكتشفت أيضا أن «أولاد حارتنا» حاضرة في «قلب الليل» وأن «الراوي» الجد الكبير لجعفر الراوي بطل الرواية، لا يمكنه أن يكون إلا الجبلاوي الجد الأكبر للحارة التي انتشر أولاده في ربوعها من أدهم حتى قاسم.
______
أحمد الرحبي -روائي عماني- يعود لقراءة نوعية من الكتب يصفها بأنها من الكتب التي لا يضعفها الزمان ولا تفقدها الأحداث بريقها:
اسمحي لي أن أجيب عن سؤالك بصيغة التعميم لا التخصيص، ذلك لأن الكتاب الذي يدفعني إلى إعادة قراءته والنظر فيه مرة واثنتين وثلاث، يحمل خواص شبيهة بكتب كثيرة غيره، بغض النظر عن نوعية الكتاب، أكان رواية أو ملحمة شعرية أو تعاليم أخلاقية؛ خواص تتميز بسمتين خالدتين: الأولى الأفكار المطروحة بين دفتي الكتاب، أي ما يسمى بالمضمون أو الجوهر، والثانية القالب الذي صيغت به هذه الأفكار، وهو ما يقال له الصَنعة أو الشكل. فالكتب التي تناقش الإنسان وتلامس أسئلة حقيقية وجوهرية في الحياة والوجود وذلك بصياغة عقلية، بيّنة وفاتنة «إن من البيان لسحرا»، هذه كتب لا يُضعفها الزمان ولا تفقدها الأحداث بريقها. كتب حياة وكتب «زمان» إن جاز التعبير، وهي غير الكتب «الوقتية» التي نحتاج إليها كذلك، ولكن ثمة دائما بديل عنها. أعود إلى كتب من قبيل ملحمة جلجامش، مؤلفات شكسبير، لا أشبع من المتنبي، لا أمل من قراءة الكاتب الروسي نيقولاي غوغول، أستأنس بغسان كنفاني، أحب إبداع الايرلندي جيمس جويس. أثمل بقراءة اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، أعود لقراءة هؤلاء وغيرهم لأني مرتبط انسانيا بنتاجهم لا لأتأمل شيئا جديدا فيما كتبوا، مع ذلك فثمة شيء جديد، أو بالأحرى، شيء متجدد عند كل قراءة. فما هو هذا الشيء يا ترى؟ ما السر في دوامه؟ هل هو العبقرية، روح الفن، الصدق الفائق الذي ينطق به؟ هو كل هذا، وهو الشيء الذي يشدنا دائما إلى هذه المنارات.
_____
*جريدة القبس 

شاهد أيضاً

أكملت عامها الخامس عشر.. صدور العدد العشرين من مجلة «عود الند»

( ثقافات )  صدر العــدد الفصلي العشرون من مجلة «عــود الـنـد» الثقافية (oudnad.net)، التي يرأس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *