الرئيسية / فنون / «مزْمٍن» لميشال فرانكو.. القتل الرحيم

«مزْمٍن» لميشال فرانكو.. القتل الرحيم


زياد الخزاعي


«مزْمِن» للمكسيكي ميشال فرانكو فيلمٌ مُحتشِد بالموت، في ارتكابه وانتظاره. يعيش لحظاته بطلٌ في منتصف العمر. يُمهّد له طهاراته. يُسرِّع مصيبته. يُخفِّف فواجعه. رجلٌ ممرِّضٌ على قدر واسع من الكفاءة والجلد والكتمان. مهمّته تقليلُ هزائم مَنْ تكفَّل الاعتناء بهم. هؤلاء يعتبرونه ملاكاً آدمياً. من دونه، يُمْسون كائنات بلا كرامة في مواجهة المحتوم، فيما يماثله أهاليهم بموظّف صحّي ينفّذ واجباً بعدّة محارب. هو ليس إلهاً ولا قابض أرواح. إنه، ببساطة، «مزوّق» مسرح المنون.
يُمارس ديفيد (تيم روث) حضوره الطاغي بين برزخين. عالمه مكسور العواطف. جنوح المحبة عن عائلته الصغيرة، خصوصاً ابنته الشابة التي نأت بنفسها عن كربه المتأصّل، وخطيئته التي لا تغتفر، عندما قرّر تطبيق «الموت الرحيم» على شقيقها الأصغر الميؤوس من شفائه، فيما تحوّلت بيوت الآخرين وخساراتها ملاذات لتفجّر حنّيته وإنسانيته. المَعلَم الأساسي كامنٌ في أن ديفيد ـ ككائن شهم ـ ثَبَت راسخاً على خُلقه ومبادئها، جسوراً في مواجهة المنايا. وجومه ورأفته وحلمه الأخلاقي إشارات على رفعته وفيوض عواطفه.
انتهج فرانكو صيغة سينمائية مباشرة ومتقشّفة المشاهد. غيّب فيها الموسيقى تماماً، مُتيحاً حيّزاً هائل التأثير لصخب طبيعي مديني، في مقابل محيط داخلي سكوني للبطل و «زبائنه»، تكون فيه جلبة التلفزيونات ـ بنشرات أخبارها وبرامجها ـ خلفية صوتية لحياة مفبركة واصطناعية، تتحوّل حدساً مستمرًّا لمقدم ملاك النوائي. رأى فرانكو أن الضمير المثلوم لبطله، وقرار انخراطه الكلّي في مساعدة ضحايا الأمراض المستعصية، هما الدويّ الأخلاقي المتستّر على مأساته. قراره بوجوب إنهاء عذاب ابنه، وتكراره مع سيدة مصابة بالسرطان استرحمته حقنها بمصل قاتل، مدّاه بقوّة حاسمة ليكون «كائناً نافعاً»، أو كما قال غوته: «الحياة من دون فائدة، موت مسبق». من هنا، أصبح لزاماً على مدير التصوير البلجيكي إيف كاب أن يُحيد حركة كاميرته، وينفّذ مشهدياته المحكمة أقرب إلى روح شريط وثائقي. لن تغوي حركة ديفيد الثنائي فرانكو ـ كاب على الدوران حول محيطه. اللقطات الشائعة، عامة، ثابتة، تعقّبت فعالياته برويّة استفزازية، كما مشهد حمّام الشابة سارة (راشيل بيكب) المشعّ بتفاصيل انكبابه على «طهارة» جسد يذويه فيروس «إيدز». حين تموت، نشهد فعل اغتسال الجثة من زاوية جديدة، عبّرت عن خراب مهجته برحيلها. حاجة ديفيد العاطفية لمرضاه أكثر فيضاً منهم. هو الحركة التي فقدوها، والحنوّ الذي لم يروه من أقاربهم. ينفضح هذا الانتقاص، بعد مشاهد قليلة، داخل مقصف ليلي، حيث «يتحرّش» ثنائي غريب بديفيد، ويسألانه عن جزعه، فيجيبهما كاذباً أنه فَقَد زوجته للتوّ.
ديفيد ساحر صعب المراس. جعل من حيوات ناقصة لمرضاه أشبه بلعبة مخاتلات مع خاطف أرواحهم. هكذا تُصبح جلساته مع المعماريّ الشهير جون (الكاتب المسرحي الحائز جائزة «بوليتزر» مايكل كريستوفر) مليئة بالطرافة ومناكدة العائلة المترفّعة. فكلّما أوغل البطل، ذو الطلّة الرياضية، في معرفة منجزاته العالمية، يتفهّم نقمة العجوز على زوجته التي لا يتردّد في طردها. عوزه الجنسي يعوّضه الممرّض، بشجاعة نادرة، عبر تحميل أشرطة بورنوغرافية على جهازه الـ «آي باد»، قبل أن تكتشف العائلة «الجريمة» وترفع قضيتها الجارحة ضده بتهمة «التعدّي الجنسيّ».
بحسب مونتاج فرانكو وزميله خوليو بيريز، انتظم ما افترض أنه نهاية معقولة بتراتب سينمائي ملتبس. نشاهد البطل، في بداية الشريط، مُطارِداً شابة بسيارته. عند مختتمه، يقترب منها سائلاً غفرانها، لنكتشف أنها ابنته وملاكه الحامي. تُرى، هل استحكمت خواتيم سعادته برضاها، أم عليه أن يدفع ثمن ندم قسري عشناه معه على مدى 93 دقيقة؟ المفاجأة، أن كليهما غير وارد ضمن صفقة قدر مذهلة، تمثّلت في جثته (لا نراها) على حجارة رصيف، بعد أن صدمتها عجلات سيارة فخمة وهرستها وهو يتريّض.
محصّلة فيلم «مزْمِن»، الفائز بجائزة السيناريو في الدورة الـ 68 (13 ـ 24 أيار 2015) لمهرجان «كانّ» السينمائيّ، أن مآلاتنا مهما طالت ستجد آخراتها بلا فوارق، وبـ «عبثيّة مزمنة».
السفير

شاهد أيضاً

قراءة في فيلم “حرب باردة”

* هاني يارد عام 2015 فاز البولندي بافل بافلكوفسكي بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم بلغة أجنبية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *