الرئيسية / فكر / كأس الفيزياء المقدسة

كأس الفيزياء المقدسة



*الفاهم محمد

ثمة سبب يجعلنا في حاجة إلى نظرية فيزيائية جديدة، وهو أن الكون بدأ من انفجار هائل تبعته تفاعلات جد معقدة في عالم الصغائر والجزيئات، واستمرت هذه التفاعلات ملايين السنين إلى أن تكونت النجوم الأولى ثم الكواكب والمجرات فيما بعد ذلك، ومن هنا، نحن في حاجة إلى النظريتين معا: النظرية النسبية والنظرية الكوانطية، لكن النظريتين معا غير متوافقتين بل هما متناقضتان وإحداهما تلغي الأخرى.

يتساءل برايان غرين في هذا السياق: «هل من الممكن أن يكون العالم منقسما في عمق مستوياته الأساسية بحيث يتطلب مجموعة من القوانين عند التعامل مع الأشياء الكبرى، ومجموعة أخرى مختلفة وغير متوافقة مع الأولى عند التعامل مع الأشياء الصغرى؟» (1)
إن الرهان الذي تضعه نظرية الأوتار الفائقة هو العمل على إيجاد قوانين واحدة تفسر الكون في مجمله. وهو الحلم الذي أرَّق أينشتاين ومات دون أن يبلغه. لقد كان يحلم بالعثور على نظرية تفسر كل شيء من الجسيمات إلى المجرات.
فهل بات العلم قريبا من تفسير كل شيء؟ وماذا نعني حقا بذلك أو كما طرح ستيفان واينبرغ: «كيف نعلم أن هناك نقطة مشتركة تنطلق منها كل التفسيرات؟» (2) يرجع برايان غرين ظهور نظرية الأوتار الفائقة إلى سنة 1968 مع فيزيائي إيطالي شاب هو غابرييل فينزيانو، وفي سنة 1984 مع مايكل غرين وجون شوارتز. بعد ذلك توالت أسماء كبيرة وضع كل منها بصمته على هذه النظرية مثل ليونارد سوسكيند وميتشيو كاكو وغيرهم (3).
علينا أن نعرف أن عملية الدمج هاته ليست سهلة تماما فقد شبهها ج. هوركان المحرر الرئيسي في مجلة (ساينتفيك أميريكان) بدمج الزيت بالماء، وذلك لأن قوانين النسبية العامة تختلف جذريا عن قوانين فيزياء الكم .
فيزياء جديدة
يرجع ظهور هذه النظرية إلى مجهودات العديد من الفيزيائيين حول العالم الذين قاموا بدمج النظريتين الكبيرتين اللتين سادتا خلال القرن العشرين: الكم والنسبية العامة.
يتم نعت نظرية الأوتار الفائقة super string theory اليوم بأنها فيزياء القرن الواحد والعشرين. إنه لشيء جميل أن يتمكن العلم من وصف كل ظواهر الكون بدءا من أصغر مكونات المادة وإلى غاية المجرات والنجوم والكواكب في نظرية واحدة ومعادلة فريدة، ولكن مع ذلك ينبغي ألا نبتهج كثيرا لهذا الاكتشاف فالعديد من العلماء يترددون في أخذها على محمل الجد فقد وصفها شيلدون غلاشو بأنها قد تتحول إلى عقيدة متجمدة مثل لاهوت القرون الوسطى أما ريتشارد فاينمان فقد وصفها بكونها مجرد هراء(4). هكذا تقع هذه النظرية اليوم بين الشد والجذب لفريقين متناقضين من العلماء الأول يتحمس ويهلل لها معتبرا إياها بمثابة الكأس المقدسة للفيزياء المعاصرة، والثاني ينظر إليها بريبة.
الكون كلّه موسيقى
تعود هذه التسمية أولاً إلى كونها تقدم فهما معينا للمادة كما لو أنها تتكون في عمقها من أوتار على شكل دوائر مفتوحة أو مغلقة، بحيث تكون هذه الأوتار الطاقيّة (من طاقة) هي البنية والأساس الذي تتكون منه المادة، وحينما تتذبذب هذه الأوتار تحدت بينها علاقات وتداخلات تؤدي إلى ولادة كل شيء موجود في الكون سواء كان مادة أو طاقة. أما دلالة تسميتها بالفائقة فيعود لكونها نظرية تحاول أن تقدم نفسها كنظرية شاملة للكون موحدة جميع القوى الموجودة في الطبيعة داخل نظرية واحدة تسمى بالنظرية الفائقة التي تصف القوانين النهائية للطبيعة.
هكذا فكل المادة الموجودة في الكون هي في حقيقة الأمر تتكون في الأساس من خيوط دقيقة من الطاقة تهتز متذبذبة لتشكل عناصر من المادة تماما كما يتحرك وتر الكمان ليعطي حزمة لا نهائية من الأصوات الموسيقية، كذلك تتحرك هذه الأوتار مشكلة كل ما هو موجود في الطبيعة. هكذا تقدم لنا هذه النظرية الكون كما لو أنه سيمفونية كبيرة من الأوتار الطاقية. إن الرهان هو حول قدرة نظرية الأوتار الفائقة على خلق التوحيد بين النظرية النسبية التي تصف الأبعاد العامة للكون، والنظرية الكمية التي تهتم بالبنية الدقيقة للمادة. هذا التوحيد سيكون مبررا ما دام أن الكون نفسه بكل ما يحتويه من أجرام ومجرات قد بدأ من حالة شبه متناهية في الصغر. إن جوهر هذا المشكل يعود إلى كون النظرية النسبية لأينشتاين تصف نسيج الفضاء الزمكاني كما لو أنه مجال منظم ودقيق، بينما عالم الكم على العكس من ذلك يصف لنا مجالا فوضويا غير منظم لا نستطيع أن نتبين فيه الفرق بين الأمام والخلف أو الأعلى والأسفل، بل حتى مفهوم الزمان ذاته يختفي لأننا لا نعرف هل الأشياء حدثت بالفعل أم أنها لم تحدث بعد. هل يمكننا إذن أن نجد مبدأ فيزيائيا واحدا يعبر عن الطبيعة في مجملها بدءاً من التذبذبات الاحتمالية للصغائر وإلى غاية الحركة المنتظمة للمجرات؟
في جوابها على هذا السؤال لا تتردد نظرية الأوتار بالقول نعم. الأمر يتعلق بتوحيد القوى الأساسية المتحكمة في الطبيعة وهي أربع قوى كما معروف: قوة الجاذبية والقوة الكهرومغناطيسية ثم القوة النووية الضعيفة والنووية الشديدة. تعتقد النظرية الوترية إذن إن كل ما يحدث في الطبيعة ليس سوى تفاعل هذه القوى الأربع مع بعضها البعض، وأن هذه الأوتار الصغيرة جدا الموجودة في أعماق المادة هي المسئولة عن هذه القوى الأربع. مع ذلك يحذرنا ستيفان واينبورغ من أن نفهم من صيغة النظرية النهائية للعلم أنها نظرية تضع نهاية للبحث علمي، فهذا شيء مستبعد جدا الأمر يتعلق فقط بفهم جديد للطبيعة يختلف عما سبقه. (5)
الذرة.. الكوارك والوتر
لقد ظل الاعتقاد أن المادة تتكون في الأساس من ذرات سائدا لفترة طويلة، لكننا مع ذلك اكتشفنا أن هذا الجزء الذي لا ينقسم وهو الذرات ينقسم بدوره فالذرة هي نفسها تتكون من وحدات أصغر منها وهي عالم من الجزيئات الصغيرة التي توجد فيما دون الذرة، يتم حاليا الكشف عنها في المصادم الهايدوني الموجود في سويسرا. ثم استمر البحث في أعماق المادة فوجدوا أن هذه الجزيئات الصغيرة تتكون بدورها من مكونات أصغر أطلقوا عليها اسم (الكواركات – Quarks) وهي جسيمات كمية افتراضية. لكن رغم هذا التدقيق في عالم الصغائر إلا أن الفيزياء النظرية لم تتوقف عند هذا الحد فهي ترى أن كل هذه المجموعات من الكواركات تتكون في العمق من خيوط دقيقة وثرية مغلقة أو مفتوحة يصنع اهتزازها وتذبذبها العناصر الأكبر منها. لا المادة إذن ولا الطاقة كلاهما ينبعان من مصدر واحد هو الخيوط الوترية. تضيف هذه النظرية كذلك أن الكون لا يتوفر فقط على الأبعاد الأربعة المعروفة الطول والعرض والارتفاع والزمان الذي أضافه أينشتاين بل هناك أبعاد أخرى لا تراها العين المجردة قد تبلغ 11 بعدا منطوية على نفسها بحيث لا تراها عيننا المجردة.
من نظرية الأوتار إلى نظرية M
هناك مجموعة من الصعوبات ما زالت تعترض هذه الفيزياء الجديدة، فنظرية الأوتار – كما قلنا سابقا – تقدم لنا وصفا شاملا لحالات الطبيعة من المتناهي في الصغر إلى المتناهي في الكبر، غير أنها تفرعت إلى عدة نماذج (على الأقل خمس نماذج علمية)، أي أننا أصبحنا أمام خمس نظريات كل واحدة منها متماسكة رياضيا، ولكننا لا نعرف أيهما يتطابق تماما مع الحالة النهائية للطبيعة.. لذلك فكر العلماء في توحيد هذه الأشكال في شكل واحد أطلقوا عليه (نظرية M).
بالإضافة إلى ذلك فنظرية الخيوط الوترية تقدم لنا حلولا نظرية غير مدعومة بأية ملاحظات اختبارية؛ لذلك يرى البعض أنها أقرب ما تكون إلى نظرية فلسفية من أن تكون نظرية علمية. ولكن هذه هي طبيعة العلوم المعاصرة إنها لا تنبني حصرا على التجربة كما هو الحال في العلوم الأمبريقية الكلاسيكية، بل إن النظرية في تماسكها المنطقي والرياضي هي ما يمثل العمود الفقري للعلم. لقد أصبحت الميتافيزيقا مميزة للعلوم المعاصرة وهي بعد من أبعادها، ورغم امتعاض ستيفان واينبورغ مما سماه بـ «اللافعالية غير المعقولة للفلسفة» (5) فإننا نلاحظ أن الحلم اليوناني القديم خصوصا مع أفلاطون في العثور على أساس عقلاني للعالم، وهو الحلم الذي سيتردد مع الفلسفة الأنوارية مع ديكارت، هو الذي يتردد اليوم صداه مع النسبية ومع الفيزياء الكوانطية ونظرية الخيوط الوترية. باختصار؛ لقد أصبحت الميتافيزيقا العقلية امتدادا للبرنامج العلمي واستكمالا له، وبالتالي فإن استبعاد الميتافيزيقا قد يؤدي إلى استبعاد العلم ذاته. ما نلاحظه اليوم هو تداخل العلم والفلسفة من أجل إدراك السيمفونية الكاملة للكون.
…………………………………………………..
الهوامش
1 برايان غرين: الكون الأنيق ترجمة د فتح الله الشيخ، المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى 2005 ص 18.
2 ستيفان واينبرغ أحلام الفيزيائيين ترجمة أدهم السمان، دار طلاس 2006 ص 15.
3 الكون الأنيق ص 157.
4 ريتشارد موريس حافة العلم ترجمة مصطفى إبراهيم فهمي منشورات المجمع الثقافي 1994 ص 156.
5 أحلام الفيزيائيين ص 25.
6 نفس المرجع السابق ص 135.
____
*الاتحاد

شاهد أيضاً

هل خلت الأندلس من المعتزلة حقاً؟

د. غسان عبد الخالق مع أنّ الأندلس الأموية لم تشهد ذلك الاحتدام الفلسفي والكلامي والمذهبي الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *