الرئيسية / مقالات / متى يحكي رجال السياسة «كالنسوان»؟

متى يحكي رجال السياسة «كالنسوان»؟


*غادة السمان

في حوار صحافي، يقول سالم الهندي (روتانا) ساخرا من كلام قاله الملحن سمير صفير ولم يعجب الهندي إنه «حكي نسوان» أي «كلام نساء» ولا مصداقية له! فكلام النساء هراء.. «والبربرة يتركها للنسوان» كما اقترح سالم الهندي على سمير صفير الأستاذ العالم الهندي لا يلام، فذلك القول يكاد يكون مثلا سائرا، ولعله لم يشاهد على شاشة التلفزيون «سيدة الضاحية» كما لقبها بحق الزميل راشد عيسى وهي تصرخ من قلب «الضاحية الجنوبية» البيروتية في وجه السيد حسن نصر الله وتخاطبه بلا وجل معبرة عن وجعها من ممارسات بعض أفراد «حزب الله» في الضاحية الجنوبية، حيث تقيم تلك السيدة واسمها آمال شمص وتعاني منذ عشرة أعوام من دهس سائق من (حزب الله) لشقيقها (كما تقول) دونما عقاب للقاتل، ناهيك عن اعتقالها وأختها مؤخرا. فلو شاهدها لما استعمل عبارة «حكي نسوان» كأداة سخرية واحتقار للقول..

حذار من هواية التصوير!!
ما الذي حدث؟ كانت تقوم بالتقاط صورة لحريق اندلع في المنطقة فتم اعتقالها وشقيقتها إلى أحد سجون حزب الله (لم أكن أدري بوجودها فأنا أقيم في باريس منذ أكثر من ربع قرن).
وروت ما ليس مقبولا حدوثه على أرض وطن مستقل يُفترض أن له سيادة. ففي السجن غير الشرعي تقول إنه تم إذلالها وشقيقتها.
وأعترف أنني لم اجرؤ ومنذ أعوام على الوقوف لالتقاط صورة من شرفتي لمنظر الغروب الوردي الجميل في البحر مقابلي. ومض في رأسي أن ذلك التصرف البريء يمكن أن يساء فهمه وتسوء عاقبته ما دمت أقيم إلى جانب (مربع أمني) أي شوارع في غرفة (العناية الفائقة) لأن أحد المهمين يقيم فيها أو قربها والاحتياطات الأمنية مشددة.
أعترف
السيدة آمال شمص سمرتني أمام شاشة التلفزيون ليلة وصولي من باريس إلى بيروت. وأنا لم أسمع لغة مباشرة كهذه وصوتا صارخا بصدقه كهذا الصوت الناطق بحقائق لم يجرؤ على التفوه بها الكثير من الرجال من أهل السياسة أو من المواطنين المطحونين بكمامات تحت طائلة قائمة العقوبات. وإذا كان كلامها «حكي نسوان» فإننا نتمنى أن يقول رجال السياسة في لبنان «حكي نسوان».
الأحزاب كلها في لبنان تستحق من يصرخ في وجهها، كما فعلت آمال شمص متحدية قائلة عن الزنزانة التي سجنت فيها وعن سواها إنه كان ثمة فيها آخرون قبلها ولا أحد يجرؤ على الكلام. ونتمنى سماع صوت كصوتها يعري بقية الأحزاب اللبنانية!
حكمة «النسوان»
نادرة هي الأقلام التي تجرؤ على إعلان حقيقة ما يدور لا خلف (زنازين) «حزب الله» وحده التي كشفت عنها «سيدة الضاحية»، آمال شمص بل وسواها، (زنازين) بقضبان أو بجدران لا مرئية تخيف معظم الناس وترهبهم كما بعض حملة الأقلام. ها هي امرأة ليس ثمة من وما يدعمها تواجه جبروت حزب مدجج بالسلاح. ويدعون الهراء «كلام نسوان»؟
ويزعمون أن المرأة لا تصلح للحكم ولحمل المسؤولية!؟..
ويدعوه الأستاذ سالم الهندي (كلام نسوان)؟ وليت (كلام الرجال) على هذه الدرجة من الصدق والجرأة.
ذكرتني وقفتها الشجاعة بتلك المرأة في صدر الإسلام التي تصدت للخليفة عمر بن الخطاب وناقشته مستشهدة بآية كريمة، وكانت المرأة على حق. وهنا أعلن عمر بن الخطاب على الملأ في تواضع: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
ولطالما أصابت امرأة! ولا أدري لماذا لا يستعين الحكم في لبنان بحكمة (النسوان) وشجاعتهن على نحو أكبر دون أن تكون بالضرورة ابنة فلان وزوجة علان وخالة فلان، وكلهن يتصفن برجاحة العقل لا بسبب القرابة وحدها بل لذاتها. (عقلها) الذي ما زالت الشائعات ترميه بالقصور، وتتهمه بصلافة بـ«حكي نسوان»، والحقيقة ببساطة أن بعض النساء يثرثرن أحيانا كما يمارس ذلك الرجال أيضا!! إنها «الطبيعة البشرية» لدى البعض، نساء ورجالا، لا الغريزة النسائية!!
و«سيدة الضاحية» آمال شمص، سواء كانت على حق واعتذر منها المسؤول عن ظلمها وشقيقتها ومصرع شقيقها، أو كان ما تقوله ادعاء كاذبا وكانت على خطأ يجب أن يتم إيضاح ذلك على الملأ.
في سهرة اجتماعية ضمت أدباء وصف أحدهم آمال شمص بأنها من «شيعة السفارة» واستفسرت منه معنى ذلك وقال السفارة السعودية، ورد عليه آخر بقوله ان الآخرين من «شيعة السفارتين» الإيرانية والسورية وكاد ينتهي الأمر بتشابك بالأيدي ولحسن الحظ لم يكن أحدهما يحمل السلاح!…
المرأة والشاعر عبداللطيف شرارة
يؤكد شجاعة المرأة على طول تاريخها الشاعر عبداللطيف شرارة، ويكتب قائلا واصفا ما يدعوه: «تاريخا عربيا في عالم الأنوثة منذ بطولات القرن الأول للهجرة، وسيدات مثل سكينة بنت الحسين والوافدات على معاوية بعد تسلمه سدة الخلافة آتيات من مختلف الأقطار العربية».
ويضيف: «الناس في أوروبا وأمريكا يجهلون أن المرأة العربية هي الوحيدة بين نساء العالم التي لم تنقطع قط عن مراس الحياة العامة والتأثير فيها وخوض معركتها، منذ سميراميس البابلية وبلقيس اليمنية وكليوبترا المصرية، مرورا بزنوبيا ملكة تدمر وصولا إلى خديجة الكبرى مثلهن الأعلى، ويؤكد: «صدق اللهجة» أو «صدق الخطاب» من جانب المرأة خاصة توازي في خطورتها وبلاغة أثرها في الحياة العامة قضية الشعور بالحرية والتوق إلى الحرية و«الرجولة الصاخبة» العاتية في قول الصدق لدى النساء».
وتحية لروح الشاعر عبداللطيف شرارة.
______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *