الرئيسية / مقالات / السلفية في الأردن: دولة داخل دولة

السلفية في الأردن: دولة داخل دولة


*زليخة ابو ريشة

إذا صحّ الخبر الذي نشرته إحدى الصحف الإلكترونية الأردنية مؤخراً عن صدور بيان سلفيّ وتوزيعه في قرية أبو نصير شماليّ عمان، فنحن أمام واقعة خطيرة تتنبّأ، لا محالة، بقادم أخطر. والبيان يقول:

“… انتشرت قبل سنوات قليلة في قرية أبو نصير آفة المخدرات، وانتشرت معها المعاصي وارتُكبت المحرمات… وكان غياب الدولة وأجهزتها الأمنية واضحاً وصريحاً، وكأن الدولة وأجهزتها تشجع مثل هذه الأمور، فالسكوت عن الشيء يعني قبوله مما ساعد على انتشار المحرمات، وأصبحت حدود الله تُنتهك نهاراً جهاراً … وغُيّب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر… وبناء عليه… منّ الله علينا وأكرمنا بتوحيد الصفّ… وتمّ تشكيل جماعة تعمل على القضاء على هذه المحرّمات، وإقامة حدود الله على أصحابها، وتمّ بحمد الله اختيار أميراً (كذا!) للجماعة. وقد أطلق الأمير، وهو من أهل الصلاح… على هذه الجماعة اسم (جماعة الفاروق)…” انتهى.
في البيان أعلاه، إن صحّ نشره وتوزيعه وتداوله وصحّ ما جاء فيه، ثلاثة أمور على درجة عالية من الخطورة تمسّ مجتمعةً أمن المجتمع وأمن الدولة ومفهومها، أولها: أنّ قرية في أطراف عمان تعاني من مشكلة المخدرات بين شبابها، الذي هو غالباً عاطلٌ عن العمل. وثانيها: أنّ الحكومة لم تحرّك ساكناً لمعالجة الوضع قبل أن يصبح -بحسب البيان- ظاهرة تدعو إلى القلق. وثالثها: أنّ السلفية الجهادية موجودةٌ في هذه القرية، مثلما يمكننا القول إنها موجودة في كل حيّ وقرية تعاني من شحّ الأحوال وضيقها، وأنّ هذه السّلفية لا تنظر إلى أي مشكلة اجتماعيّة من خلال ظروفها الاقتصادية وخللها التربويّ والسياسيّ وبعدها القانونيّ، بل من خلال التفكير بالحلال والحرام والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، أي من خلال مرجعيتها الدينيّة لا انتمائها الوطني. كما أنّ هذه السلفية لا تقترح لحل هذه المشكلات اللجوء إلى القانون والعمل المؤسسي الذي يقترح تأهيلَ الخارجين على القانون، بل “إقامة حدود الله”، ومِمّن؟ من جماعة جديدة تطبّق بيدها قوانينها الخاصة وهي “جماعة الفاروق”. وهذا معناه -بصريح العبارة- دولة داخل الدولة! أي أننا في واقع الأمر أمام ظاهرة “مافيا إسلامية”! وهي تشبه إلى حدّ بعيد ظاهرة الفتوّات في المجتمع المصري وغيره، عندما يتراخى القانون، وتقلّ هيبة الدولة.
قد يكون البيان وخبر نشره قصَّةً مختلَقة، ولكن مظاهر السّلفية والتفكير السّلفي في المجتمع الأردني ليست مختلَقة على الإطلاق؛ فأولئك الرجال أصحاب اللحى المطلوقة والدشاديش القصيرة والشماغات بلا عُقُلٍ ليسوا من بنات أفكارنا، عندما يتجرّأون على قرع أبوابنا، ودعوة أهل البيت إلى دروس الدين في المسجد القريب (وهو ما حدث ويحدث في جواري طوال الوقت!). وماذا في هذه الدروس سوى ابن تيمية، وتكفير المختلف، والحضّ على الجهاد، والدعوة إلى تكسير رأس المرأة، وتنمية الكراهية لمعانٍ كثيرة؟
لا تقولوا لي إن الدولة لا تعلم بما يجري، وإنّ النوم في المساجد لأيام، من أجل التهجّد والتذاكر في فكرة الجهاد، وإنّ الاحتكاك السّافر بسكان الحيّ ودعوتهم إلى دروس السلفيّة وأفكارها، وإنّ المعسكرات الإسلامية الصيفية والدائمة، وإنّ المدارس ذات الأسماء الإسلامية الفاقعة والمناهج المريبة، وإن مراكز تحفيظ القرآن التي تبث الفكر السلفي، كلّ ذلك يجري بالسرّ وليس تحت سمع الدولة وبصرها! لا أقصد أنّ الحكومة تشجّع السلفيّة والخروج على القانون وهي واعية مدركة متواطئة! ولكنها حقاً ستكون كذلك ما دامت لا تحلّ المسائل من جذورها العميقة، وتكتفي بإجراء سطحي تافه لا ينفع وقد يضرّ، مثل منع كتب ابن تيمية، وكأنها تريد القول لنا وللعالم: “أرأيتم؟ إني أحارب الإرهاب أيضاً”!
إن لم يكن من استراتيجيات مدروسة على أسس علميّة لنكث ما في بطن هذا المجتمع من ثقافة تعادي القانون والمفاهيم الحديثة للدولة، ومحاصرتها ومعالجتها بثقافة أخرى إنسانيّة وحضاريّة، فإننا كمن يضحك على نفسه، تاركين لنا ولأوطاننا المصير الداعشيّ الأسود!
أيها الأمل! أحاول أن أجدك!

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *