الرئيسية / مقالات / المكتبة..مكان الأحلام والأسرار

المكتبة..مكان الأحلام والأسرار


نوران الأمين

خاص
يروى عن الجاحظ أن مكتبته سقطت بكل ثقلها عليه، فأودت بحياته. ويقال عن فيكتور هوغو أنه رفض الحديث عن علاقته بمكتبته، وفضل الاحتفاظ بسرية تفاصيل هذه العلاقة. ومن المعروف أن لكل كاتب خصوصية في العلاقة مع الكتب، ومع نظامها في مكتبته، فالبعض تكون كتبه منظمة، والبعض الآخر يضعها من دون مبالاة بترتيبها أو تنسيقها، فيما نشاهد بعض الكتاب يولي مكتبته اهتماما كبيرا، فيرتبها وفق الحروف الأبجدية، وعناوين الكتب.
لكن كيف تكون العلاقة مع المكتبة في القرن الواحد والعشرين، الذي يشهد طفرة غير مسبوقة  في القراءة الإلكترونية، حيث يكتفي البعض بحمل مكتبته عبر الآيباد؟

في كتاب يحمل عنوان “قصّة المكتبة”، يقدم الكاتب والباحث والمؤرّخ دانييل ميناجيه تاريخ المكتبة، كما يشير عنوان الكتاب. وهو لا يتحدث عنها بوصفها مجموعة من الرفوف التي تحتوى عشرات وربما مئات بل آلاف الكتب الثقيلة، بل هو بالأحرى يؤرّخ لها على اعتبار أنها “مكان للأحلام” و«للأسرار»، هذا إلى جانب ما تولّده من مشاعر وأحاسيس تتداخل بين الفرح بالعثور على كتاب مُراد، أو الضيق بسبب فقدان كتاب عزيز، أو المسرة من جراء اكتشاف كتاب لم يُقرأ من قبل. 
يهتم المؤلف بالحديث عن المكتبات التي وصفها الروائيون والمبدعون في أعمالهم، خاصّة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولا يركز اهتمامه الأساسي للحديث عن مكتبات العالم الكبرى الشهيرة في الماضي. ولا للحديث عن المآسي التي عرفتها بعض المكتبات مثل مكتبة الإسكندرية التي تلاشت في الزمن الماضي، لكن اهتمامه الرئيسي يعود  في تأريخه للمكتبة  كيف ظهرت منذ عدّة قرون. كما إنه ينقل الكثير مما قاله وكتبه الأدباء منذ القرن الثامن عشر حتى اليوم عن المكتبة وعالمها.. 

وفي عودة سريعة إلى مطلع القرن السادس عشر يجد القارئ نفسه برفقة الفيلسوف «ميشيل مونتين»، الذي رأى في المكتبة : “مكاناً مظلماً مكرّساً لتكديس الكتب وللأفكار وللمعارف الحبيسة بين جلود سميكة”.
ويستغرق الكاتب في كثير من صفحات هذا الكتاب الذي يتجاوز الثلاثمئة، للحديث عن المكتبات بمعنى مختلف عن رؤية المكتبة كـ «مكان مظلم وسرّي» ليقدّم كيف ظهرت صورتها كـ «مكان للحياة» في الأعمال الأدبية الشهيرة خلال القرون المنصرمة.
ومن القراءات التي يقدمها المؤلف للمكتبة، تلك التي تمثّل فيها مؤشّراً للتعبير عن مزاج صاحبها وعن علاقته بالعالم الخارجي من خلال «ما يدخلها من النور» الخارجي. الكاتب الكبير «اناتول فرانس» اختار لمكتبته حجرة فيها “ست نوافذ” بينما تعمّد «هنري جيمس» أن لا يكون في حجرة مكتبته سوى “نافذة” في الزاوية حيث يمكن للضوء أن يكسر العزلة الكاملة.
لا ينتهي الكلام عن المكتبة، لأنها مكان عامر بكل المسرات والآلام، ومع كل رف من رفوفها هناك مئات الحكايات بين دفوف الكتب، وبين حكاياتنا الخاصة في علاقتنا مع كل رواية أو كتاب شعر، أو أي كتاب آخر نحبه.

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *