الرئيسية / فنون / سولاريس(2002)… استنساخ فضائي وحنين أرضي

سولاريس(2002)… استنساخ فضائي وحنين أرضي



* مهند النابلسي

( ثقافات )

يتم إرسال عالم سيكلوجي”مضطرب” للبحث عن فريق محطة فضائية معزولة تدور حول كوكب منعزل، الفيلم من سيناريو وكتابة وإخراج وتصوير ستيفن سودربيرغ(سينما المؤلف)، ومن بطولة جورج كلوني وناتاشا ماكهالون والريش توكور، ويستند على رواية خيال علمي كتبها البولوني “ستانيسلوليم”.
يعكس الفيلم التخاطر”الدرامي-النفسي” في محطة الفضاء التائهة التي تدور حول كوكب يسمى”سولاريس”، ويستعرض بالمشاهد الاسترجاعية الخبرات القديمة للشخصيات وحياتها على كوكب الأرض…شخصية “كلوني” تكافح للإجابة عن السؤال المتعلق بمغزى رحلة”سولاريس”، كما أنها تناقش قناعاته وذكرياته وتداعيات أفكاره وما فقد بحياته وصولا لإمكانية حصوله على فرصة أخرى في الحياة!.
يطلب العالم “د.جيباريان” من صديقه السيكلوجي د.كريس (كلوني) الذهاب فورا لمعاينة حالة المحطة الفضائية ولتقصي أسباب ظاهرة غير ممفهومة تحدث فيها، ولكنه يستنكف عن الإدلاء بتفاصيل أكثر، كما يلاحظ ان رواد المحطة التابعين لمؤسسة عالمية تدير المحطة تدعى “ديبا” لا يرغبون بالعودة للأرض، علما بأن “ديبا” قد فقدت اتصالها مع فريق الحراسة المرسل حديثا للمحطة.
يوافق دكتور كيلفين للذهاب منفردا لسولاريس كمحاولة أخيرة لإنقاذ المحطة وإعادة الرواد بأمان للأرض، وفور وصوله يعلم بأن صديقه جيباريان قد اقدم على الانتحار، وبأن معظم الرواد قد قتلوا أـو اختفوا بظروف غامضة غريبة، كما يلاحظ تردد العالمين المتبقين على قيد الحياة وهما سنوو ود.جوردون(وهي قائدة المركبة) في شرح تفاصيل ما حدث.
يحلم كليفين بمقصورته بزوجته المتوفاة “ريا” مسترجعا ذكريات لقاؤهما واللحظات الرومانسية، ثم يستيقظ مضطربا ومرعوبا ليجد “ريا” حية بجانب سريره، فيقودها لكبسولة النجاة ويطلقها ثانية للفضاء، ثم يطلع خفايا فعلته لسنوو، ويتفاجأ بمعرفة أن كافة زوجات ورفيقات الطاقم الفضائي قد اختفين كلهن بصورة غامضة أيضا، وتعود زوجته “ريا” للظهور ثانية فيسمح لها بالبقاء، وتعترف بأنها لا تحمل مشاعر إنسانية وإنما ذكريات “اصطناعية-مفبركة”، وتفتقد ذاكرتها تماما للذكريات الحميمة والعواطف البشرية.
ثم يجتمع الأربعة معا: كليفن، وريا، وسنوو وجوردون لمناقشة الوضع المستجد، فتخبر جوردون ريا بما فعل كيلفين بمثيلتها السابقة، فتغادر ريا الاجتماع منزعجة، ويقوم كيلفين بمواجهة جوردون التي تلومه كثيرا بدورها لتورطه العاطفي “غير المقبول” مع كائن “لا إنساني” قد يشكل تهديدا للوجود البشري.
متاهة فضائية تناقش فلسفة الحياة والموت
ولاحقا خلال الفيلم نرى كيلفين يستجوب مثيل” العالم جيباريان” حول جدوى رحلة السولاريس هذه وملابسات ما حدث خلالها، ولكن هذا الأخير يجيبه بأنه لا توجد إجابات وإنما خيارات فقط، ثم يستيقظ كيلفين من حلمه ليجد ريا وقد أقدمت على الانتحار بواسطة تناولها للأوكسجين السائل، ويقوم بتحنيطها والحفاظ على جثتها أمام سنوو وجوردون، وتكشف له جوردون بأن ريا كانت تملك جهازا خاصا بإمكانه تحطيم المثيل نهائيا واستبعاد فكرة عودته للحياة نهائيا، ولكن كريس يرفض فكرة استخدامه على “ريا”، ثم يبدأ بتناول عقار كيماوي خاص ليبقيه صاحيا لمراقبة ريا، ولكنه يسقط تدريجيا بالنوم، حيث تحاول ريا التقرب من جوردون التي لا تتردد بتحطيمها نهائيا بالجهاز الذي تملكه، ويواجه كيلفين جوردون بغضب حيث تؤكد له أنها فعلت ذلك للحفاظ على وجودهما البشري من خطر “المثيلة” المدمر، ويكتشف الاثنان جسم سنوو متواجدا في أنابيب التهوية فيما يبدو وكأنه تفاعل مع مثيله الإنساني قبل “مقتله الافتراضي”.
ويعترف لهم بأنه مجرد”مثيل” وبأنه هوجم بواسطة مخلوق غامض، وبأنه “مثل” سنوو الحقيقي أثناء استبساله بالدفاع عن نفسه، كما يفيدهم بأن تكرار استخدام جهاز “الإبادة” قد قلل تلقائيا من قدرة مفاعل الطاقة، جاعلا من المستحيل تحقيق إمكانية عودة المحطة للأرض ثانية ، كما حذرهم من أن “سولاريس” قد تضخمت كتلتها بشكل هائل (بفضل استخدام نفس الآلة) مما سيعني أنها ستنجذب باتجاه الكوكب الغامض، وأفادهم بشرح آلية عمل “آلة هيجيز” لتي تعمل على شحن البوزونات وهي المادة المضادة، وهكذا تنجح بإبادة واخفاء المثيل نهائيا.
يحاول عندئذ كليفين وجوردون تجهيز مركبة فضائية صغيرة تدعى “أثينا” للنجاة بأنفسهم والعودة للأرض، ونرى كيلفين وهو يركز قدراته وخبراته ليتمكنا من العودة سالمين للأرض، مستنتجا بأن سبب رغبة ريا بالموت تكمن ربما “بتذكرها لأخطائها وطغيان شعورها بالذنب والندم”.
ثم نراه لاحقا في مشهد أرضي غامض وهو يجرح إصبعه بالخطأ أثناء تقطيعه للخضار بالمطبخ، ويلاحظ أن جرحه قد تعافى تلقائيا تماما كما حدث لمثيل “ريا” ذات مرة! عندئذ تظهر ريا فجأة للمرة الثالثة لتخبره بحماس وتفاؤل بأنه قد تم تطوير “تجليات الحياة والموت” وبأنه تم نسيان كل ما فعلوه سابقا! وتفسر له بأنه وجوردون لم يغادرا أصلا المحطة الفضائية وبأنهما سيحظيان ثانية بفرصة للحياة سويا لأنهما نالا الصفح عما ارتكباه من أخطاء وذنوب، ونرى عناقهما الحميم، ودموع تنهمر ووجه مشرق بابتسامة ذات مغزى، وينتهي الفيلم بشكل غامض مثيرا التساؤلات.
من أجواء وحوارات الفيلم:
الفيلم هو إعادة شاعرية لتحفة أندريه تارتوفيسكي التي أخرجها عام 1972، وهو مزيج من الخيال العلمي المفعم بالفلسفة، مع المزيد من الإيجاز والرومانسية، منتهيا بحزن “ميتافيزيقي” يدعو للتأمل. الفيلم أكثر تشتتا وغموضا وأقل فلسفة من عمل تارتوفيسكي الأصلي، والكيمياء باهتة (وربما مقصودة) بين كلوني وماكالهون، ولكنه بالرغم من ذلك فهو ممتع وشيق ويثير الفضول وينغرس بالذاكرة. 
نرى دوما مشهدا رائعا للمحطة تسبح بالفضاء، كما نعلم عن نظام ذكاء صناعي معطل وعن استنفاذ خلايا الوقود بمفاعل المركبة، وعن ضعف متزايد للمحركات التوربينية، وعن تضخم حقل هيغز بفضل “بوزونات المادة المضادة”… لا يحتوي الفيلم على الكثير من المؤثرات الخاصة والأحداث والآكشن التي توضح بجلاء كل ما يحدث، وإنما تتم معظم المشاهد داخل المحطة ومع الكثير من الحوار والتأمل والتفكير ونوبات الهوس والحلم والأرق والوسواس القهري، ثم القتل والانتحار ومحاولات الهروب:
*نقلع نحو الكون: حيث العزلة-المشقة-الارهاق-الموت!
*لا اريد عوالم أخرى بل مرايا!.
*ليست هناك سيادة على الموت!.
*معك حيث نسكن…شقتنا مظلمة جدا، فلا لوحات ولا صور.
*نحن البشر الوحيدون المدركون لفنائنا…لن تكون للموت هيمنة بعد الآن. 
*الأرض بدت غريبة بالنسبة لي …كم مضى على غيابي وعلى عودتي؟.
*كنت مخطئا بخصوص كل شيء!
*يكاد ينهار ويجن لمشاهد الطفل الصغير “غير الحقيقي” وهو يسعى لإنقاذه مادا له يد العون بلا طائل. 
*تناديه زوجته وهو بالمطبخ، يذهب لمصدر الصوت مذهولا: ماذا؟ هل أنا حي أم ميت؟
*لم نعد بحاجة للتفكير في ذلك: فقد نلنا الصفح عن كل ما اقترفناه.

شاهد أيضاً

بوب ديلان..قصيدة إلى جواني

* خلدون الشمعة إذا صح ما يقوله الناقد الإنكليزي جون رسكن من أن “الشعر الغنائي” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *