الرئيسية / مقالات / أنسي يلتقي «رسولته» في أحضان موليير

أنسي يلتقي «رسولته» في أحضان موليير


حسين بن حمزة
لا يقدّر كثيرون قصيدة «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، ويجدونها أقل ضراوة على اللغة، وأقل ابتكاراً في المعاني، ويمنحونها علامة أقل مما سبق لأنسي الحاج أن كتبه في باكورته «لن»، وما تلاها. وفي المقابل، لا يستسيغ كثيرون ضراوة «لن» و«الرأس المقطوع»، ويفضّلون «ماضي الأيام الآتية» أو«ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» لأن جملة الشاعر المبتورة والمتلعثمة عمداً، راحت تكتمل تقريباً في هذين الديوانين، وباتت تجذب القارئ إلى معناها بدلاً من مخاصمته وتشتيت ذائقته الجاهزة.

ربما كان هناك تنازلٌ أو تسوية ما مع القارئ، ولكن الأرجح أن أنسي الحاج (1937 ــ 2014) نفسه لم يكن في وارد عقد مثل هذه التسويات حين كتب «الرسولة …»، فهذه القصيدة تكاد تكون بداية أخرى للشاعر، أو لنقل منعطفاً حاداً في تجربته التي لم تتألف من مزاج واحد، أو لعلها نص خاص كُتب في مديح امرأة مخصوصة (فيروز كما يُقال).
«الرسولة ..» قصيدة حب، والحب هو أخطر موضوعات الشعر. الحب يجرّ الشعر إلى العاطفة، والعاطفة تمرّغه في الميوعة والدراما الشخصية. لم يقع أنسي الحاج في هذه المحظورات، ولكننا لم نشأْ أن نصدّق أن صاحب النبرة الصاعقة والمعجم الهجومي، يمكنه أن يُرخي عنان جملته المشدودة.

لم نرغب أن نصدق اعترافه في القصيدة ذاتها: «أنا هو الشيطان أقدم نفسي/ غلبتني الرِّقة». نعم غلبت الرقةُ الشاعرَ، وصارت كلماته بتصرّف من أحبها وامتدحها، وبات في استطاعته أن يتخفف من نزقه وتمرده، وأن يسمح لجملته أن تكتمل، وأن يتسرب إليها بعض الغناء الخفيف، وأن تتشابه تصدّعات روحه مع تماوج الكلمات الذاهبة لتحفّ بالمحبوبة المستحيلة.
«الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع» ستظل تثير هذا النوع من الجدال حول شعريتها، وحول اختلافها عن النبرة الشرسة والفائرة التي بدأ بها أنسي الحاج مسيرته في الكتابة. ومع صدورها أخيراً بالفرنسية، مع قصائد أخرى، بترجمة عبد القادر الجنابي، لا بد من أن يتجدد هذه الجدال الذي يمكن أن نضعه جانباً لبعض الوقت، وأن نستمع إلى قراءات حية من «الرسولة…» وقصائد أخرى لمناسبة انتقالها إلى لغة موليير.
وذلك لمناسبة صدور الترجمة الفرنسية لكتاب «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع وقصائد أخرى» لأنسي الحاج (ترجمة عبد القادر الجنابي)، تقيم دارL’orient des livres/Actes Sud و«مؤسسة أنسي الحاج»، وموزار شاهين، قراءة شعرية باللغتين العربية والفرنسية لقصائد الشاعر بأصوات ندى الحاج، جوزيف بو نصار، ويارا بو نصار. يتخلل الحدث إطلاق ألبوم شعري بعنوان «أنسي الحاج يكتب ويقرأ» لقصائد الشاعر بصوته وأصوات الممثلين أنطوان كرباج، جوزيف بونصار، رفعت طربيه، وجوليا قصار (إنتاج موزار شاهين).
الأخبار اللبنانية

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *