الرئيسية / مقالات / الترجمة.. براعة مؤلف وإبداع كاتب

الترجمة.. براعة مؤلف وإبداع كاتب


رانيا الحسيني
الترجمة هي بوابة التواصل مع الآخر، ومن خلالها ننشر ثقافتنا- تراثنا وتاريخنا لأمم قد تجهل حقيقة هويتنا نظرًا لما تتعرض له من تشويش جراء مصادر مشبوهة.

ونظرًا لما تحمله الترجمة من أهمية فقد كان لزامًا علينا أن نلقى الضوء على نماذج مشرفة في هذا المجال كما هى الحال مع الكاتب المصري صنع الله إبراهيم وريشارد جاكموند المترجم الفرنسي لمعظم أعمال صنع الله.

لقد امتدت هذه العلاقة ما يزيد على ربع قرن، ترجم فيها جاكموند العديد من الأعمال الأدبية العربية بخاصة المصرية، وبدأت رحلة جاكموند مع صنع الله إبراهيم برواية “تلك الرائحة”، 1992، منتهين برواية” الجليد”، 2015.

وللمهتمين بالأدب الفرانكفوني، فإننا سنلاحظ في مجمل هذه التراجم سلاسة الأسلوب وبساطة الوصول للمعنى الحقيقي بدون أن نضل الطريق تائهين بين طيات التحول من لغة لأخرى، فالمترجم هو خير قارئ: يقرأ- يفهم- يحلل – يستنبط – ينتج.

ويعزى هذا النجاح أولًا إلى العلاقة الوطيدة بين المؤلف والمترجم، فالثاني يستوعب تمامًا أفكار الأول واتجاهاته، حتى لو عجزت الكلمات عن ترجمة المعنى المراد، فإننا نتصور أن “جاكموند” يستطيع الوصول إلى المقصد الحقيقي وراء الكلمات.

أما عن السبب الثاني الذي لا يقل أهمية عما سبقه فهو خلفية جاكموند وعمق معرفته بالشرق الأوسط بخاصة العالم العربي، فهو أحد الباحثين في معهد بحوث العالم العربي و الإسلامي. علاوة على أنه قضى وقتًا طويلًا في مصر سواء للعمل أو للإبحار في هذا العالم الغامض والذي نجح في فك طلاسمه في كل رواية وعمل أدبي قام بترجمته.

من أهم الجوانب التي يجب أن نتحدث عنها، مسألة (الهيمنة)، بمعنى قابلية المؤلف على استيعاب بعض التغييرات المقترحة في النص المترجم أو تعديل بعض التغييرات والتفاصيل التي قد يصعب على المتلقي الغربي استيعابها، أم أن المؤلف أو الكاتب يتمسك بحرفيةالنص، وكأنه كتاب منزل؟ وتجيء الإجابة بأن أحد أسرار نجاح روايات صنع الله إبراهيم هو ما يمتلكه من اتساع الأفق والمرونة لتقبل التغيير والّذي يعتبر في حد ذاته ذكاء تسويقيًا، يسعى نحو الانتشار في مجتمعات وعوالم جديدة.

إن الثقة المتبادلة بين قطبي الترجمة أقصد المؤلف-المترجم، هو سبب آخر لإنجاح الترجمة المطروحة.

وإذا تأملنا العلاقة بين هاتين الشخصيتين كما حالفني الحظ في تلك الأمسية الثقافية والتي تحمل عنوان “أضواء الشرق”، فإننا نستشعر تلك الندية؛ فكلاهما يقدر الآخر وكلاهما يتفهم تمامًا، أنه لن يرى مولودهما الجديد نور الحياة إلا بوجودهما معًا. نعم إن الترجمة هي ميلاد جديد لأي عمل.
بوابة الأهرام

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *