الرئيسية / مقالات / رواق البلقاء للفنون… كيف تتكوَّن اللوحة تحت أبصارنا

رواق البلقاء للفنون… كيف تتكوَّن اللوحة تحت أبصارنا




لينا هويان الحسن *

(الفن التشكيلي تقدم على الشعر وبقية الفنون، ربما لأنه من دون مرجعيات) عبارة «رؤيوية» قالها أدونيس خلال حديثه الشيق مؤخراً في مقر «السفير». أستلُّ هذه الرؤية الأدونيسية لأفتتح ما أود ان أنقله لكم عن مشاركتي وحضوري لنشاطات فنية مكثّفة نظمها رواق البلقاء للفنون في الفحيص قريباً من العاصمة الاردنية عمان. فوسط هذا الركام، الخراب، الاندثار، التدمير، واغتيال التاريخ بكل ما للكلمة من معنى.. هنالك من يثق بالأدب والفن، ويصرف من وقته وجهده وماله لتوفير الجو اللائق بالفن والفنانين.
منزل آل داوود، العائلة التي تحمل إرثا كبيراً، في مجال تشجيع الفن وتنظيم المعارض التشكيلية، سواء في الاردن او خارجها. حوّلت منزلاً، حديقته مزروعة بالزيتون والفل والورد الى خلية نحل تضج بالإبداع، بالكلام، بالضحك.
لأن الفنان لا يبتدع أسلوب حياته، بل يعيش بالأسلوب الذي يبدِع به، فقد شاركنا فنانون من جنسيات مختلفة يومياتهم. إنها شراكة الفنان والأديب، الفنان يرسم، والأديب يراقب ويسأله ويدوّن.
عادل السيوي تسيّد المشهد بلوحات جدارية، بدأت ملامحها الأولى مع لون رملي، مستمد من ضياء شمسي يحيط بالمكان، شيئاً فشيئاً بدأت تتضح المعالم، إنه بورتريه، أحد بورتريهات السيوي الشهيرة: وجه بملامح بالكاد محددة، بالكاد العيون تنظر أو تُرى، لكنه في نهاية الأمر وجه يبغي التحقق على أرضية قرمزية اختارها السيوي ليغطي على وجهٍ، ملامحه تمارس هجرة خفية إلى المجهول.
في اليوم الرابع، هرع الجميع، توقفت الثرثرات والكلام والضحك والأكل والشرب، وحدها أم كلثوم صَدَحَ صوتها فيما تحلّقنا جميعا حول السيوي، وهو لا يشعر بوجودنا، بيدهِ تتنقل ريشته بحسم لا يقبل الجدال، لينهي اللوحة ونشرب نخبها.
شخوص سعد يكن المتعددة المهندَسة ببراعة أتقنتها دائما ريشة سعد يكن، وأبهرنا بتلك الشخوص المؤطرة باللون الأسود، جميع شخوص «يكن» متجاورون يتشاركون إنجاز شيء، أحياناً يعزفون وأحياناً أخرى ينصتون، أخمِّن أن «يكن» يحمل طبعاً اجتماعياً يدفعه إلى أن يدجج لوحاته بشخوص ينساب حضورهم سلساً بفضل ريشة محترفة وموهوبة.
ولحمود شنتوت حصة جميلة في الملتقى، اختار لونه المضيء الشمسي الذي يوحي بآفاق مفتوحة لا نهائية، وأحياناً تبدو شجرة وحيدة وكأنها «في انتظار غودو» منتظرة أحداً ما لا يأتي، بينما اللون الأحمر، يدسّه حمود شنتوت، كما لو أنه اختلسه من مكان قصي، فيضنّ بالأحمر، ليشكل حضوره نقطة لافتة في عالم فسيح من دون تضاريس تؤرق المساحات.
الجميع انفتحت شهيتهم على الأكل والضحك والكلام، جميعنا لبسنا لبوس النقاد ونحن نراقب مراحل رسم اللوحات، كنا نقاداً متواطئين، نرفع شعاراً: لا للحياد، أمام هذا الكم الجميل من اللوحات. فجأة سيسرق بنطلون ميساء سلامة الشهير، عليه تواقيع لرسامين عالميين، باختصار البنطلون يساوي ثروة، وتم اختلاسه عدة مرات وميساء استعادته بإصرار ومباهاة كبيرين، ستخبئه في مكانٍ أمين وتحدثنا عن تجربتها الثرية بتنظيم المعارض وتسهيل عرض أعمال الفنانين السوريين في ألمانيا.
للفنان والممثل الأردني زهير النوباني نجم المسلسلات البدوية، حضوره الخاص والجميل، كان دائما أول الحاضرين، مشاركاً على طريقته الخاصة سواء بإغناء الجلسات بالحديث عن تجربته كفنان، أو باستقباله اللبق واللافت للضيوف الذين ضمتهم بوتقة متنوعة بين أدب وفن وشعر، عمل الرواق على استضافتها.

شهوة القمة.. زيارة إلى جبل نبو
في البعد تتراءى وكأنها قمة تبحث عن الأرض كلها، قمة جبل نبو. قمة تكاد ترفع يدين غامضتين وتنتزع قبضة من أزرق السماء. يا لولع البشر بالقمم، نحن العرب تحديداً، لم تنجُ من معتقداتنا أي قمّة، زرعنا القمم بالأضرحة، البعض أولياء الله الصالحين في الأرض والبعض أنبياء، ونحن ليس أمامنا خيار غير التضرّع؟! لا عجب أن تتنازع الأسماء هذا المكان، الغارق بالميثولوجيا، والتصورات الدينية. التاريخ الوثائقي المنطقي يقول إن الجبل سمي باسم إله التجارة البابلي «نابو أو نبو»، بينما المعتقد الشعبي يصرّ على أنه مقام للنبي موسى حيث استقر هنا لينظر الأرض الموعودة، برغم أن التاريخ المتوفر يقول إن النبي موسى توفي قبل خروج اليهود من سيناء؟! على قمة هذا الجبل الأسطوري، بناء أنشأه رهبان الفرنسيسكان لحماية لوحات الفسيفساء الرائعة، التي تعود إلى القرنين الرابع والسادس بعد الميلاد.
يقولون لك: هناك القدس، وببصري أكتسح الأفق وبحلقي مرارة كُتبت علينا نحن: «العرب».
القدس التي يخلسها التاريخ منّا تارة وتارة أخرى نفرّط بها، والقدس تبقى القدس.
أمشي في المكان وأخفف الوطء ويخطر لي أن أخلع نعليّ.. أتذكر ما قاله يوماً نيكوس كزانتزاكيس في كتابة تقرير إلى غريكو، عن الصحراء العربية:
(لقد عبرت الصحراء العربية التي أبدعت الرب، وكانت كل آلام الانسان المعاصر تضرب بعنف في صدغي. كيف نجونا نحن أيضاً، وكيف خلقنا المخلّص المعاصر، الذي لحمه من لحمنا، ذلك البطل الذي يقودنا إلى الأرض الموعودة المعاصرة؟)
أنتشل نفسي من سحر كلمات كازانتزاكيس وأحوّم ببصري صوب الصدع الجميل حيث يستلقي البحر الميت، كضريح مائي مفتوح يعكس سماءً صافية.
أتساءل:
أي زلزال أحدث هذا الجرح البحري في جسد الصحراء الرملي الهاجع منذ الأزل؟
مدينة مأدبا، محطتنا التالية خلال طريق العودة إلى عمان، مأدبا المدينة التي اشتقت اسمها من سورة المائدة الوارد ذكرها في القرآن الكريم. مأدبا عاش الأنباط فيها، وازدهرت بسبب موقعها على الطريق التجاري الممتد من بصرى الشام والبحر الأحمر، ووصل ازدهارها التجاري الى سك نقود خاصة بها يحمل قسم منها اسمها، وقسم آخر اسم الهة مأدبا «عشتاروت». يُضنيني التفكير بتاريخ كانت فيه المرأة ربّة، واليوم تُباع المرأة سبيّة بسوق النخاسة؟!
أغادر، وقد مسّني السحر، السحر الذي جعل ألبرتو مورافيا يعلن يوماً أن الصحراء، سواء أكان فيها الحنين ذو الطابع الديني أم لم يكن، تبقى مكاناً ميتافيزيكياً..
لغة الفن
مهما تنوعت مدارس الفن، وأيّ كان تصنيف اللوحة، يبقى اللون والخط والقماشة والريشة أدوات محايدة نطوعها لنحاكي الجمال، لنبدعه وليتعدى كونه «جميلا»، ويتحول إلى نشاط وجودي، أكثر منه نشاطاً خاصاً بالفنان وحده، بالفن يمكننا أن نصوغ حياة جديدة، ونبجل كل مختلف وجديد، نحتفل بالحياة، بالحرية المحمولة على غيم العواصف.
ولأن الفن لا يخضع لأي مراحل محددة، أو طريقة مسبقة يمكن اتباعها، ولأن الفنان ذاته لا يدري من أين تأتيه الأفكار، من الشرعي ان نرافق رحلة تكوّن اللوحة، ورواق البلقاء للفنون أتاح لنا هذه الفرصة ووفرها بسخاء كبير.
فلتكن اللوحات، والأشعار، والروايات، أحجارنا الصلدة، التي تعكر صفو الماء الراكد، ماءً تحول إلى مستنقع عميق موحل يغبّ كل المياه العذبة التي قد تجرؤ وتناور وحله.
(كاتبة سورية)
* السفير اللبنانية

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *