الرئيسية / إضاءات / هواجس «فلسفية» في تجربة البرازيلي باولو كويلو الروائية

هواجس «فلسفية» في تجربة البرازيلي باولو كويلو الروائية


د. محمد بوجمعة

ما إن تبدأ في مطالعة واحدة من روايات كويلو حتى تدهشك بساطة أسلوبه وسلاسة سرده اللتان لا يوازيهما إلا عمق فلسفي نابع من صميم تجربة إنسانية في الوجود، يعبر عنها بشكل مكثف شخوص تلك الروايات.

الحب، الجنون، الانتحار، الروح، الجسد، العالم.. هي الأسئلة التي شغل بها الإنسان الحيز الأكبر من جغرافية فكره الفلسفي على امتداد تاريخه الطويل. وهي الأسئلة نفسها التي يطرحها صاحب «الخيميائي»، بدرجات متفاوتة من الإلحاح في مختلف مؤلفاته. إذ يعطينا، بذلك، مؤشرا حقيقيا على أن تلك الأسئلة الوجودية الكبرى، التي تعكس معاناة إنسان قائم في هذا العالم يحدده الموت، يعيش في قلق، وتثقله وحدته داخل أفق زمانه، لم تتراجع أمام الاكتساح التكنولوجي لواقعه الراهن. فهو اكتساح لم يستطع ملء الفراغات الروحية والوجدانية في كينونة إنسان يطوي صفحة قرن (20 م)، بلغ فيه الذروة من كل شيء: علوم، فنون، حروب، تقنيات.. ليفتح صفحة قرن جديد (21 م)، ولسان حاله ينطق بسؤال المصير، في عالم أصبح فيه كل شيء متوقعا ومنظما، وله وظيفته. لكن «ما من أحد يستمتع، فالجميع قلق ولا يشعر بالأمان. ما تخفيه الجواهر والسيارات والمحفظات الملأى بالمال ليس إلا عقد نقص هائلة» (من رواية الرابح يبقى وحيدا) في سيكولوجية إنسان فقير، عاجز عن التحكم في وقته، وعاجز عن فعل ما يريد، مكره على اتباع قوانين لم يضعها ولا يفهمها.
مأساة هذا الإنسان، في أجلى صورها، تعكسها «فيرونيكا»، إحدى بطلات كويلو، التي قررت أن تموت. ولأن «النساء رومانسيات حتى في انتحارهن»، فقد اختارت فيرونيكا لوضع حد لحياتها أقل الطرق بشاعة: تناول كمية مضاعفة من الحبوب المنومة. ولأنه «لا شيء يحدث في هذا العالم بالصدفة»، كما ورد في بداية الرواية، فقرار الانتحار لم يكن، بدوره، محض صدفة. هي الشابة السلوفينية ذات الأربعة والعشرين ربيعا. وهي على قدر من الجمال. ويتيح لها راتبها الشهري نوعا من الاستقرار والاستقلال الاجتماعيين. تختار بكل روية أن تنتحر، ليس بسبب الحزن أو الاكتئاب أو الشعور المزمن بالمرارة. قرارها جاء لسببين غاية في البساطة، كما يشرحهما مؤلف رواية «فيرونيكا تقرر أن تموت»:
الأول، هو أن كل شيء في حياتها أصبح متشابها. فقد عاشت في حياتها كل ما يمكن أن يعاش: الحب، السفر، العمل. فكرت في الآتي فوجدت الأسوأ ينتظرها: شيخوخة، مرض، فراق أحبة. لقد استعاضت بالخوف من المستقبل عن باقي أحاسيسها الأخرى.
أما السبب الثاني فكان ذا صبغة فلسفية، وهو أن فيرونيكا، كغيرها، تطل من نافذة الإعلام على ما يحدث في العالم من حروب وفواجع.. من دون أن تملك سبيلا لتغير مسار الأحداث.. «كل شيء كان مغلوطا، إلا أنها لم تكن قادرة على تسويته فشعرت بالضعف التام» (من الراوية عينها). وهو ما عمق لديها الإحساس باللاجدوى من وجودها. وكأن فيرونيكا، هنا، لم تعد ذلك الإنسان الذي يحمل على كثفيه عبء العالم كله، بتعبير الفيلسوف الوجودي جون بول سارتر (1905 – 1980)، المسؤول عن العالم والمسؤول عن نفسه باعتباره لونا من الوجود. فتتملص فيرونيكا من وجودها بقطع الحبل السري – غريزة البقاء – الذي يربطها بالحياة، واضعة بذلك أعقد سؤال، طرحه الإنسان على الطبيعة، منذ وجوده فيها.. إنه الانتحار. لذلك فليس من باب المغالاة في تقدير الأمور أن يقول ألبير كامو، الفيلسوف والأديب المخضرم (فرنسي – جزائري 1931 – 1960) إن «الانتحار هو المشكلة الفلسفية الوحيدة»، لأنه فعل يعبر أكثر من أي فعل آخر عن ذلك الجانب المظلم في داخل كل واحد منا. لهذا نجده واحدا من أكبر الهواجس الفلسفية التي تسكن تجربة كويلو الروائية. تجربة يمكن اعتبارها محاولة فذة من صاحبها لفتح كوة ينفذ منها النور إلى الردهات المظلمة في النفس البشرية.
قالت فيرونيكا، بعد أن انتهت بها محاولتها الفاشلة في الانتحار إلى مستشفى المجانين: «لقد أردت تناول الحبوب لقتل شخصي الذي أكرهه، لم أعلم أن في داخلي شخصيات عدة غيري، فيرونيكات عدة.. لكنت أحببتهن». في هذا القول إشارة قوية إلى أن ما قدمه كويلو في مؤلفاته يتجاوز العمل الأدبي الصرف، إلى عملية تنقيب مضن عن النقطة البيضاء في كل قلب أسود يئن في وحدته. إنها مغامرة الانحدار إلى أعمق هاوية في الوجود «إذا كنا تقصد بالهاوية الأعماق السحيقة – يتساءل القديس أوغسطين: ألا يكون قلب الإنسان هاوية؟ وما الذي يمكن أن يكون أعمق من تلك الهاوية؟»، مغامرة، على خطورتها وقوتها، يختصرها صاحبها في قوله: «كل ما في كتبي هو جزء من روحي. جزء من العبر التي استخلصتها على مر حياتي، والتي أحاول تطبيقها على نفسي» (الزهير).
هذا ما يعطي لتجربة كويلو الروائية أصالتها وعمقها، من حيث كونها تعبر عن سبيل إنسان ينشد الخلاص في سعيه لمعانقة روح العالم.. «قل لقلبك إن الخوف من العذاب أسوأ من العذاب نفسه. وليس هناك من قلب يتعذب عندما يتبع أحلامه، لأن كل لحظة من البحت هي لحظة لقاء مع الله والخلود» (رواية الخيميائي). كأني بكويلو يضع مرهما روحيا لجروح الإنسان المعاصر، ذاك الإنسان الذي صار يتآكل من الداخل لأنه يرغد في العيش بأقل مجهود بعد أن حلت وسائله التكنولوجية محله في العمل، فحالت دون ربطه بعلاقات مباشرة مع قوى الطبيعة. والأخطر من ذلك أنها حالت دون تعميق صلاته بالآخرين، حيث جعلت علاقاته الإنسانية تفتقر إلى أهم ما فيها «المحادثة». إذ لم يعد الناس يجلسون ليتحدثوا وليصغوا إلى بعضهم البعض. فصار «من الصعب على الإنسان – بتعبير الروائي الفرنسي أندري مالرو – أن يكون إنسانا خارج تعميق صلاته بالآخرين».
فقد بذلك أي معنى ومركز لوجوده، وأصبح الفراغ والرتابة عنوانين لحياة إنسانية أكثر سطحية، تفتقر إلى كل ما هو جميل وعميق. لذلك «نحن دائما مشغولون بالبحث عن الإجابات، التي نعتبرها ذات أولوية لفهم معنى الحياة»، يقول كويلو في واحدة من شذرات مؤلفه (مكتوب) «لكن الأكثر أهمية هو أن نحيا الحياة ونترك للزمن مهمة أن يوحي لنا بأسرار وجودنا». ولأن الزمن ماض، وحاضر، ومستقبل، فإننا «نحن البشر، نجد صعوبة هائلة في التركيز في الحاضر. إننا نفكر دوما في ما فعلنا، وكيف يمكن لنا أن نفعل أفضل منه. نفكر في عواقب أفعالنا، ولِمَ لم نتصرف كما كان ينبغي. وإلا فإننا نفكر في المستقبل، في ما سوف نفعله غدا، في ماهية الاحتياطات التي علينا اتخاذها. وكيف يمكن أن نحصل على ما حلمنا به دوما» (من رواية «ألف»).
هنا يطلق كويلو صرخته المدوية في وجه الإنسان «توقف عن التفكير في الحياة وابدأ في عيشها». في هذه الصرخة دعوة صريحة للحياة، لا في الماضي ولا في المستقبل، بل في الحاضر، ففيه دائما ستكون أسعد إنسان. دعوة يمكن اعتبارها استئنافا للحكم بالموت الصادر في حق الإنسان – كما يصوره فيكتور هوغو في روايته الشهيرة «آخر يوم في حياة رجل محكوم بالإعدام». فهو مدان أولا بالحياة قبل أن يدان بالموت. لذلك لن نندهش كثيرا عندما نجد فيرونيكا، التي كانت قبل قليل على حافة الموت، تقول: «فضلت أن أضع يأسي جانبا وأمضي لأعيش الساعات المتبقية لي من الحياة، وكل ما ينتظرني من تجارب». عندما ستحيا، يضيف كويلو في موقع آخر، ستجد أن الله يحيا معك. أما إذا رفضت ركوب الأخطار فسيلقى بك في السماء، وستبقى هناك مجرد ثمة للتأمل الفلسفي. حينها يقول كويلو في روايته الأخيرة «الزانية»: «سينظر إلى الماضي ويقول: أهدرت حياتي».
هو درس عميق، بقدر بساطته، يمكن أن نستخلصه مع كويلو: وهو أن نحيا الحياة بحب رغم المعاناة. درس يعطينا الحق في أن نحول ما قاله الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، في حق فلاسفة الإغريق ما قبل سقراط، إلى صيغة المفرد، فنقول في حق الأديب البرازيلي: «إنه سطحي من فرط عمقه».
الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

 بين ألق طمون وربيع عاطوف 

( ثقافات ) بقلم وعدسة: زياد جيوسي     كانت زيارة جميلة قضينا فيها يوما كاملا بدعوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *