الرئيسية / مقالات / كل رمضان وأنتم بخير

كل رمضان وأنتم بخير


*بروين حبيب

تأخذ البرامج الحوارية في شهر رمضان عطلة، ليس لأن التلفزيونات تفرض ذلك على مشاهديها، وتحوّل الشهر إلى موسم للدراما العربية قصدا، بل لأن كلام الناس يخف في هذا الشهر الفضيل.
يصعب على معدي البرامج الحوارية أن يجدوا ضيوفا لهم القدرة على الثرثرة حول مواضيع متنوعة من الحياة. الصائم عادة تنخفض طاقته إلى النصف خلال ساعات صومه. ونادرة هي البرامج التي تبقى صامدة في شهر رمضان، ولكن تصويرها يتم ليلا، ويتم في أماكن معينة تستوعب الساهرين بعد صلاة التراويح. نهارا يستطيع الشخص أن يحافظ على طاقته لبضع ساعات، ثم مهما كانت عروض البرامج الحوارية له مغرية فهو سيفضّل حتما أن يبقى في بيته، نائما أو مسترخيا، أو يتابع مسلسلاته المفضلة، أو يتفرّغ للعبادة وتطهير جسده من ضغوط سنة كاملة. اللجوء إلى الدراما لتعبئة فراغات البث التلفزيوني لها ميزاتها أيضا، فالفرجة تزيد في هذا الشهر، لأن الكلام يقلّ، ولأنّ الفرجة تزيد فإن نسبة المعلنين تزيد، ويبدو أن الإعلان الذي يقطع بث أي مسلسل لعدة دقائق أفضل بكثير من قطع برنامج حواري بإعلان… معادلة منطقية لـ»بزنس» جديد تعتمده اليوم كل التلفزيونات في العالم، وليس في العالم العربي فقط. لكن ما يميّزنا نحن أننا وعلى مدى شهر كامل ننتصر لحاستي السمع والبصر، ونعطي للسان فترة نقاهة عن كل البشاعات والتفاهات التي نتفوّه بها كل السنة… إنّه شهر «ما قلّ ودلّ» باختصار شديد… أصوات المتدينين ترتفع في هذا الشهر، وتنتقد حشد أكبر عدد من المسلسلات على الفضائيات وتشتيت فكر الصائم ومشاعره بعيدا عن العبادة… فيما لا نجد محاولات جادّة لصناعة برامج دينية ترقى لمستوى برامج كنا نشاهدها منذ أكثر من عشر سنوات، تستقطب الجائعين لفهم دينهم في هذا الشهر الكريم، حتى الدراما، كان جزء كبير منها دينيا وكان ناجحا، لكن ذائقة المشاهد اليوم تغيّرت حتى إن كان يدّعي التّدين… والدليل أن الجمهور في غالبيته لا يفتقد البرامج الثقافية حين تغيب. مثقفون يرفعون ناقوس الخطر ويهزونه بقوة متهمين الفضائيات بتحويل شهر رمضان إلى «كرنفال» يقصيهم، وهذه فكرة مغلوطة ينشرها البعض لتغطية الحقيقة، وهي أن أغلب المثقفين يعتذر عن الحضور لبرامج حوارية بسبب الحجج التي استعرضتها آنفا. فوقها طبعا صعوبة السّفر لتصوير البرنامج والتنقل، سواء من بلد لآخر كما في برنامجي «حلو الكلام»، أو محليا من منطقة إلى أخرى، ولا أظن أن أي شخص سيجد متعة في تصوير حلقة تلفزيونية مضحيا بالإفطار العائلي في بيته.
منذ أكثر من عشرين سنة كانت برامج الثقافة العامّة على نمط «سؤال وجواب» تملأ الشاشات من الخليج إلى المحيط، وكانت ناجحة جدا، وتستقطب جمهورا كبيرا لأنها تقدم جوائز قيّمة، ثم لا أدري ما حدث، بدأت هذه البرامج تتقلّص إلى أن اختفت تماما، وآخرها برنامج «من سيربح المليون» المأخوذ عن نسخته الأجنبية، لكن الإعلامي الكبير جورج قرداحي بشخصيته وحضوره وتميزه جعله أكثر نجاحا من أي برنامج آخر، متفوقا بنسبة مشاهدة عالية لم يشهدها برنامج ثقافي على المستوى العربي من قبل، بل أن نسخته العربية فاقت نجاحات النسختين الإنكليزية والفرنسية، وهذا يكشف بشكل ما أن عطش المتفرّج العربي للثقافة مقترن بعوامل معينة، أوّلها حاجة المشاهد لرقم يلمع بقيمة «المليون» ليشعر بأن للثقافة وزنا في واقعنا اليومي، ثم لمذيعين أقوياء، فقد اثبت قرداحي أن قاعدة اختيار مذيعي ومذيعات القنوات العربية حسب الشكل والوزن والعمر تحت الثلاثين قاعدة خاطئة… وإن كان اليوم يعتبر استثناء فإنه في وقت مضى لم يكن كذلك، لأن كوكبة من وجوه الشّاشة كانوا بحجم ثقافته وحضوره، وقد قادوا المتفرّج العربي نحو عوالم راقية بعيدة تماما عن الاستخفاف الذي نعاني منه اليوم، لدرجة أن هناك من طلّق الشاشة الصغيرة تماما بعد اختفاء تلك الوجوه تباعا مع الزمن. زمان أيضا وقبل السنوات الخمس الأخيرة، لم نكن نسمع أحدا يقول: «لا أحب التلفزيون» لكن اليوم نسمعها كثيرا، ورغم توفر مئات القنوات التلفزيونية بين فضائيات وأرضيات يجد المشاهد نفسه خارج دائرة العرض… حتى أنّ تشغيل التلفزيون وتقليب قنواته وإغلاقه لا يأخذ من الشخص أكثر من عشر دقائق ربما تنتهي بزفير طويل تصحبه عبارة: «لا شيء نشاهده»، لا شيء يشدُّ، وربما الموسم الوحيد الذي يعود فيه المشاهد «الزّهقان» للشاشة هو موسم رمضان، ليتابع مسلسلا أو اثنين.. وربما أكثر. 
هل أبالغ؟
لا أدري… ولكنني أصبحت شبه مقتنعة بأننا بحاجة لثورة على المستوى الإعلامي، وأن نتوقف عن توظيف أيٍّ كان لمخاطبة جمهور الشاشة، لأنه ليس بحاجة لصورة جميلة فقط، وإلاّ بقي على زمن السينما الصامتة، وأفلام تشارلي شابلن بالأبيض والأسود. نحن بحاجة لشخصيات قوية تليق بالكاميرا، ولها القدرة على سلب اهتمام المتابعين لها.
لنعد لشهر رمضان، هل يمكن مثلا أن يتحمّل متفرّج صائم طيلة اليوم، منهك مساء، برنامجا يتحدث عن تفاهات تجمع في حوار يديره شخص يضحك أكثر مما يتحدّث، ويجيب أكثر مما يسأل وضيوفه يقهقون أكثر مما يجيبون؟ في شهر الصيام نصبح أكثر حساسية من الحكي الفاضي، وشخصيا أعرف كثيرا من الناس تنقلب ميولاتهم في رمضان بشكل عفوي فلا تستهويهم الأفلام الغربية، ولا برامج «التوك شو» الباهتة، ولا نشرات الأخبار حتى… فجأة يصبحون عشاقا لبرامج أخرى ينتظرونها مرة في السنة، غير الدراما، مثل برامج المسابقات الفكرية التي ربما ماتت هي الأخرى، لأن الإنترنت قضى على متعة البحث عن الأجوبة، وجعل كل شيء سهلا لا يعتمد على مدى ثقافة المتصل أو اجتهاده.
موضة البرامج الدينية في شهر رمضان تقدم لنا تحت عنوان مشترك «الدّاعية» فلان ….
والملاحظ أن أغلب هذه البرامج تدور في فلك واحد، ولعل المتميز الوحيد في أغلب حلقاته وعلى مدى أربع سنوات هو الإعلامي أحمد الشقيري الذي دخل باب الدعوة لتغيير سلوك الناس للأحسن وبشكل إيجابي… غير ذلك أحببت برنامج «كوزموس» وتمنيت لو أنه نال ترويجا أكبر لأننا بحاجة لهذا النوع من التوعية ولسنا بحاجة لملء رؤوس أبنائنا بمزيد من التحريفات العلمية، والتخويف، والرعب، وغرس الوهم بدل اليقين في القلوب. هذا النوع من البرامج يأخذ بيد المشاهد لعوالم ثقافية محضة، علمية، واسعة، شاسعة، مدهشة، وساحرة. ربّما لا يوافقني البعض لكن الحقيقة أن مسلسلات الاكتشافات العظيمة عبر التاريخ تشد فئة كبيرة من جمهورنا، خاصة الفئة الشبابية التي يملأها الفضول لفهم العالم.
لكن لنكن واقعيين، ولنعترف بأن الدراما سيدة الفرجة في رمضان، لكنّها تتربع فعلا على أذواقنا وقلوبنا حين تلامس الجرح فينا، وتعكس أعماقنا وأوجاعنا وأحلامنا بكل صدق وبدون « ماكياج كثيف» يحوّل العمل إلى كرنفال مقنّع. هذا وسنتحدث حتما عن أشياء كثيرة خلال شهر رمضان… فقط دعونا نتشارك في الحديث.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

نم في سلام أيها العابر

*إبراهيم عبد المجيد قلت كثيرا أني حين انتهي من كتابة رواية أشعر بأني في فراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *