الرئيسية / نصوص / 3 نصوص ..”الميدان” و”الغابة” و”يحدث أحيانًا”

3 نصوص ..”الميدان” و”الغابة” و”يحدث أحيانًا”


* أحمد أنيس

( ثقافات )

الميدان

في الليل يفقد ميدان المحطة زحامهُ 
يخلو إلا من سهارى المقهى وأطفال الشوارع 
فقط مجاذيب الميدان 
يشعلون الليل صخبًا 
ولا يأبهون لشدة البرد
ربما لأن رؤوسهم قد سبق واشتعلت!!
أحدهم يمشي بعكازٍ وقدم واحدة ويترك الأخرى السليمة
ينتفض مع صافرات محطة القطارات القريبة
يدون دون مللٍ كلَ يوم مواعيد السفر
يكتب مواعيد الوصول 
ولا يسافر أو يصل!
يقولون إنّ ابنه فقد قدمه حين أفلتَ من يديه ساقطًا تحت القطار!
ولعلك تعرفين ذاك الذي ينظم حركة العربات في الصباح
في الليل يخلع حلته
يقوم بكيها بمكواةٍ لا وجود لها مرددًا
النظام والانضباط أهم شيء، أهم شيء هو النظام والانضباط،
يقولون كان شخصًا ما مهمًا بالمحطة
وأُدين زورًا باختلاس 
والآخر الذي يسمع أجراس المحطة
ينتفض حاملاً بندقيته الخشب
يحارب أعداء غير مرئيين
يردد دومًا (لو هُزمنا ستمر الدبابات من فوقنا)
يقولون كان محاربًا شجاعًا حضر الهزيمة كُلها 
لكنهم نسوه يوم الانتصار!
أما الذي يهنن طفلا غير موجود على كتفه 
يقولون إن امرأته أصابها حمى النفاس حتى أطاحت بعقلها وخرجت ذات ليلة ولم تعد 
أخذوا الطفلة ليرعوها ونسوه 
وذاك الذي يحمل قطة في قفص
يقتسم معها الطعام والشراب مرددًا (الرحمة حلوه مفيش كلام) 
يقولون كان معتقلا لمدة
أحدهم، وهذا مختلفٌ قليلا لا يلبس الأسمال مثلهم، يُجالس العقلاءِ في المقهى القريب، يقود عربةً بمهارةٍ ويمكنه التحدث في السياسة أو الرياضة، يقولون له زوجة وأبناء، يقولون له حياة،
لكنه يكلم دومًا امرأةً يسميها البعيدة 
مرددًا
أنا لا يسعني ذكر الليل في حكاية
ولكن
ربما بوسعي أن أكتب لكِ الليلة عن مجاذيب الميدان!!!!

______

الغابة

في البدء.. لم يكن الأمر لافتًا
كان متابعًا جيدًا لنشرات الأخبار.
ربما ازداد صمته مع الوقت.
حين أطلق لحيته
لم يشبه الثوار ولا رجال الدين ولا الدراويش
ربما ازداد انحناء
اختلفت طريقة جريه قليلاً 
يقول أحدهم رأيته يجري على أربع وأعرف أن ذراعيه استطالا
تقول أخري لا تبالغ فقط كان يتكئ خوفًا من السقوط
عند ظهيرة ما.. قال لا بأس من سيجارةٍ أخيرة
خلع كل ملابسه.. وركض نحو الشجر ولم يعد.
ربما مرت سبع سنين أو يزيد 
تلك مدةٌ كافية ليتسلق الأشجار بهذه المهارة
حين أفلحوا أخيرًا في الإمساك به
هناك في الغابة قرب النهر
لم يفهموا شيئًا!
ربما نسيَ الكلام.. فقط همهماتٌ قليلة ثم نام
وحتي تلك التي تعرفته لم تقل شيئًا 
واكتفت بابتسامة بين الخُبث والحسرة!
لكنها على فراش الموت أقرّت لابنته:
هذا كل ما قاله.. (دارون: أينا الأكثر حماقة؟ ألم تَر أنّ القرود لا تقتل بعضها
أم أنا من ضللت الطريق إلي الغابة؟).

_______

يحدث أحيانًا

سأحاول أن يبدو الأمر هينًا
يمكن مثلاً
أن أحكي لكِ نهاية سعيدة
سأغير قليلاً من التفاصيل ككذبةٍ مباحة
ربما نجحت حيلتي في طرد كوابيسكِ
يمكن أيضًا
أن ألفت انتباهكِ لأشياء بسيطة
يحدث مثلاً 
أن تبتسم طفلة نائمة
كإشارةٍ ولو ضئيلة
أن الملائكة لم تهجرنا تمامًا
يمكن أيضًا 
أن ترسم الغيوم مع القمر مشهدًا للحب
كدليلٍ سماويٍ علي عدم اندثاره
أو أن نمر ذات صباح بالحارة القديمة
فنشم دون خطة مسبقة رائحة الخبز 
أو أن تأتيكِ ذكري محببة دون عناءٍ منك
أن تطاردكِ أغنية مفضلة من مذياع بعيد
أو يأتي صوت الست في الليل من حيث لا ندري
أن تمطر فجأة برفقة صديق قديم
أن نجد فيلمًا جيدًا بين أخبار الحروب
أن تشبهكِ فتاة المترو إلي هذا الحد
أن تحط عصافير شبعانة علي شرفة شاعر
أن يخلق الله سعاد حسني
أن تلمع عين نجمة هوليود بحزن كعينكِ
يحدث أيضًا
أن أعجز عن قول كم أحبكِ
لذا لو تسمحين بقبلةٍ أطول
وحدها تغني عن كل هذا
________

* شاعر مصري

شاهد أيضاً

قبل نهاية العالم

محمود الريماوي بدأ العام الجديد بداية سيئة. فقد اكتشف الأطباء مع الأيام الأولى للعام ورمًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *