الرئيسية / إضاءات / مي خالد: أبحث دائما عن دليل براءة لشخصياتي

مي خالد: أبحث دائما عن دليل براءة لشخصياتي



*خلود الفلاح

( ثقافات )

منذ “ألف ليلة وليلة” إلى غاية ما يكتب اليوم في السرد والحكي، تميزت المرأة ككائن حكاء، تنسج عوالمها بعيدا عن التقسيمات أو التنميط الجنسي الذي فرضته عليها بعض القراءات النقدية، عوالم سردية مختلفة وممتعة تخوضها نساء كاتبات كثيرات، بوصفهن كاتبات لا باعتبار نسويتهن وحصرهن فيها.
إذن علاقة السرد والحكي بالمرأة علاقة قديمة ضاربة في عمق التاريخ والموروث. “العرب” التقت مي خالد الروائية المصرية، وكان لنا معها هذا الحوار حول عوالمها السردية الروائية.
مي خالد روائية وقاصة شغوفة بالتجريب، تنشد أعمالها رؤية جمالية ترتقي من شأن الفن في صلته بالحياة. تمنح شخصياتها بعدا إنسانيا ونفسيا وهذا ما يجعل القارئ يتفاعل معها، تقول إيزابيل الليندي “أكتب لا تداوى” والروائية مي خالد تقول: الحكي قدري منذ أن قررت أن أكون دمية نفسي. هذا شعار فرضه الزمن علي، حين كنت تلك الطفلة الصغيرة التي استيقظت ذات صباح، لتهز عروستها الجميلة، فتجد رقبتها مكسورة ومدلاة على صدرها وهي عاجزة عن البوح باسم قاتلها من الأطفال الذين كانوا يزوروننا في اليوم السابق. فكرهت عجز الدمى وظللت أراها كجثث مخيفة. لذا وجدت متعتي في ان أكون دمية نفسي، أغزل الحكايات الشيقة التي لا تطولها أيدي العابثين. أصنع حاضرا آخر أفر فيه إلى شخصيات و آفاق غريبة عني.. أتجول في تفصيلاته بحرية وإتقان أدى إلى انبهار الكبار حتى أن والدتي ارتعبت من أن اكون مريضة بازدواج الشخصية وثارت ثائرتها على كل من كان يعاونني من أفراد الأسرة الذين كانوا ينادونني بأسماء الشخصيات المتخيلة ويفرحون كثيرا حين اتعطف عليهم بأدوار مساعدة فتصير اللعبة أكثر إثارة. أما قلق والدتي وعرقلتها لمسيرة اللعبة فقد كان يزعجني بشدة لأنني كنت اعرف كيف افصل بين “مي” الأصلية وبين شخصيات اللعبة، التي كان يمتعني فيها هذا الإحساس بالخلق والابتكار. وحتى الآن لايزال الأمر بالنسبة لي لعبة، لكنني أمارسها بجدية لتمتزج المتعة بالعمق. وعن طقوسها الخاصة لحظة الكتابة تجيب: اختلفت وتنوعت الطقوس باختلاف الأزمنة والظرف المحيط بي. ففي فترة ما، لم أكن أتخيل أني أستطيع الكتابة إلا بعد منتصف الليل، حيث يهدأ الكون بكل كائناته وضجيجه. كنت آنذاك أتكور في وضع جنيني تحت منضدة سفرة، أو في ركن منزو، خوفا من الاقتحام بمعناه الفعلي والمجازي، حيث كان أطفالي صغارا ولا يعترفون بالسكون إلا حين يخلدون إلى النوم. وبعد قراءتي لرواية فرجينيا وولف “غرفة تخص المرء وحده”، عقدت العزم على أن تكون لي غرفة للكتابة، جهزتها بألواني المحببة وزودتها بوسائل الراحة كالتدفئة شتاء والتهوية صيفا، فصرت أكتب فيها بأي وقت من أوقات اليوم. من الطقوس الأساسية أيضا إشعال البخور الهندي، من نوعين فقط. النوع الأول طوال الفصول الأولى، والنوع الثاني في الفصل الأخير الذي يحتاج إلى درجة عالية من التركيز والدفقات الشعورية. وتضيف: “من أهم طقوس الكتابة، هي طقوس ما قبل الكتابة، أي فترة الإعداد، وضع الأفكار ومواصفات الشخصيات على الورق، في دفتر أختاره بعناية ويكون غلافه متوائما وروح العمل، ومجموعة أقلام كثيرة ومن نوع واحد مريح حتى وإن كان رخيص الثمن، وحتى إن كنت سأكتب العمل نفسه إلكترونيا فيما بعد”.
أغنيات وألوان
تحضر المقامات الغنائية والألوان، الفن التشكيلي وعلاقته بالفكر الإنساني، في روايات مي خالد وكان سؤالي برأيك الرواية العربية اليوم متصالحة مع عالمنا المعاصر أم هي في جدل مستمر وصراع لا يهدأ معه؟ فكان ردها: “فكرة التصالح مع العالم بحد ذاتها تتنافى وفعل الكتابة، فالبوح والتعبير هما وسيطان لكشف زيف العالم وتناقضاته. لكن ربما حين استحضر فيما أكتب الكثير من المقامات الغنائية وأمسك بفرشاة افتراضية ألون بها الحروف، قد تكون هذه وسيلة لا إرادية للتصالح مع العالم بالكتابة، عن طريق استعارة بعض جمالياته التي تساعد المرء وتقوي النفس على تحمل القبح والكراهية التي تحرك الكثير من أحداث الواقع”. 
هناك اهتمام كبير بالحالة النفسية للشخصيات في اعمال الروائية مي خالد فهل يأتي ذلك في إطار اهتمامها كروائية بتقديم شخصيات هي مزيج من شخصيات تعايشت معها؟ فقالت: “اهتمامي بالأبعاد الإنسانية لشخصياتي نابع من صفة أصيلة في، وهي الكشف عن أي هامش بسيط للخير في أي شخصية في الواقع، حتى وإن اشتهرت بأنها شخصية سيئة. وفي الوقت ذاته، محاولة الكشف عن جوانب الضعف الإنساني في الشخصية التي تبدو قوية وصلبة وغير قابلة للخطأ. فالشخصيات الأبيض والأسود.. الخير والشر..الشيطان والملاك..لا توجد إلا في الأساطير التي تحكى للأطفال لكي ترسخ لديهم منظومة القيم. أما تلك المنطقة الرمادية لدينا هي ما تجعلنا أكثر إنسانية وهي ما تجعل كل منا صالح لأن يكون شخصية روائية، لأن تلك المساحة الرمادية لدى كل منا هي ما تخلق الصراع بالأساس، وتجعل الحياة أكثر صعوبة، والعمل الأدبي أكثر تشويقا”. وأضافت: أثرت دراستي لعلم النفس في الجامعة، وممارسته كمتدربة في عيادة نفسية على تناولي للشخصيات بشكل أكثر عمقا، ومحاولة البحث عن كل الظروف المؤدية للتركيبات النفسية المختلفة. لذلك أحاول البحث دائما عن دليل براءة لشخصياتي، وإن كان بشكل غير مباشر، قد يستنبطه القارئ دون أن يقرأه في النص وكأنه يقرأ حيثيات مرافعة. 
رواية نفسية
بين ليلى ونيرفانا في رواية “سحر التراكوز” علاقة ممتدة. وهذا ما يمنح الشخصيات حضورها الجاذب للقارئ فعلقت الروائية مي خالد على ذلك بالقول: “العلاقة الممتدة ليست بين شخوص رواية سحر التركواز “ليلي” و”نيرفانا” فحسب. فالعلاقات المتشابكة تمتد بامتداد حيواتنا، وهذا ما يجعل الواقع أحيانا أكثر إدهاشا من الخيال. فمن تعتقده انتهى من حياتك وتلاشي، قد يعود إليك بعد عشرات السنين، هو بذاته لكن بعد أن طرأ عليه التغير، أو كما هو (وستندهش في الحالتين)، وقد يعود إليك عن طريق ذكراه المتمثلة في شخص قريب منه، أو سر باح به أو شيء تركه لك. وفي موروثنا الشعبي نقول “مسير الحي يتلاقى”، بمعنى أنه ما دمنا على قيد الحياة فمصيرنا إلى التلاقي يوما ما”. 
في رواية “جيمنازيوم” هناك عالمين أحدهما ظاهر واخر. كيف استطاعت مي خالد الكشف عن الانفعالات الداخلية لشخصيات الرواية؟ فقالت: “في رواية جيمنازيوم تذهب الشخصيات إلى مكان الرياضة هذا من أجل السبب الظاهري وهو التخفف من الوزن، بينما السبب الأصلي هو استعادة التوازن النفسي، وعدم التوازن ينبع من المخاوف والهواجس التي تنتابنا جميعا. في هذا الرواية هناك عدة تيمات أهمها تيمة “الخوف”، الذي صار سمة مميزة للعديدين في الفترة الأخيرة، فترة ما بعد الربيع العربي. حالة الضبابية والمجهول والتخوين والتهجير جعلت منا كائنات هشة داخليا، حتى وإن بدونا أكثر قوة على المستوى الشكلي والكلامي والوعي السياسي”، وتضيف: كلمة “جيمنازيوم” في حد ذاتها مشتقة من الكلمة اليونانية “جيمنوز” بمعنى “العري”، وقد كان الجيمنازيوم مكانا لاستعراض جمال الأجساد الذكورية في العصور اليونانية القديمة. في رواية “جيمنازيوم” تتعرى الشخصيات ليس من ملابسها فقط، بل من أسرارها وهمومها، فالبوح وقول السر تعري، والكتابة تعري، وكلها أمور من شأنها أن تعيد التوازن النفسي. 

في الرواية أيضا كشف لكثير من أنواع المخاوف والفوبيا، منها ماهو معروف كالكلوسترو فوبيا وهو الخوف من الأماكن الضيقة، ومنها ماهو غير معروف كالكافوبيا، وهي الخوف من القبح والشيخوخة، والأبتمنوفيا، وهي الخوف من بتر الأعضاء، والجيمنوفوبيا وهي الخوف من التعري وكثير غيرها. كلها جمعت بين شخصيات الجيمنازيوم، وميزت فترة مابعد الثورات.

شاهد أيضاً

رحلة السّفير المغربيّ ابن عثمان في القرن 18 لتسريح أسرىَ جزائرييّن في السّجون الإسبانية

السّفير إبن عثمان المكناسي– فى فقرات تدخل فى صميم مأموريته لدى العاهل الإسباني كارلوس الثالث …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *