الرئيسية / إضاءات / واسيني الأعرج يُواجه ذاته روائياً

واسيني الأعرج يُواجه ذاته روائياً


*علي نسر
بين سدرة المنتهى وسيرة المنتهى ينقلب الدال ياءً، ما يجعل المصطلحينِ يتقاطعان حيناً ويتوازيان حيناً آخر. ومن الالتفاتة الأولى إلى سيميائية عنوان الكتاب «سيرة المنتهى» (دار الآداب) للجزائري واسيني الأعرج، نجدُ أننا أمام إحالة سريعة إلى ما تختزنه المخيلة من صور لسدرة المنتهى. والمعروف أنّ «السدرة» هي شجرة تحمل ثلاثة أوصاف تميّزها عن مثيلاتها، بحيث إنّ ظلّها المديدُ يمثّل العمل وممارسته، ورائحتها الذكية تمثّل القول، في حين أنّ طعمها اللذيذ يمثّل النية. فما هي إذاً الأوصاف التي قد تجعل من سيرة الكاتب متميزة عن بقية السِّير أو ربما عن بقية مؤلَّفاته؟
تسحبنا سيرة الكاتب من عالم التخييل الروائي إلى العالم الحقيقي الذي نهل منه الكاتب موضوعاته طوال مسيرته الإبداعية، فنجدنا أمام ثلاث محطات تقرّب السيرة من السدرة ذات الأوصاف الثلاثة، وهي: الماضي، الحاضر، المستقبل.
يتكّئ الكاتب على ضفة الماضي، القريب والبعيد، ليقدّم نقداً شبه ذاتي بطريقة مبطنة تارةً، وعلانية طوراً، للمجتمع العربي من جهة، والجزائري من جهة أخرى. وذلك من خلال الإشارة إلى ما آلت إليه صورة الواقع من تخلّف وارتداد نتيجة العنف والاقتتال الداخلي: «لقد سنّوا الطريق يا جدّي أمام قتلة جدد. هذه المرة لم يأتوا من خارج مدننا وديننا…» (ص 56). هو ماضٍ، أبطاله جميعهم ميتون، ما عدا الكاتب المسكون بالموت، والذي لم يعد خائفاً منه، بل صار يستعيد الأموات ليشاركوا في كتابة السيرة وسلخها عن نمطها التقليدي كي لا تستحيل تاريخاً ذا معلومات مرصوفة تخصّ صاحبها فقط: «السيرة ليست تنضيد معلومات فردية ولكنها فعل جمالي أيضاً وإلا ما الفارق بينها وبين التاريخ» (ص 579).
يعيد الكاتب عبر «سيرة المنتهى» إحياء الأموات ليساهموا في نقد الواقع، مستعيداً شخصيات من أربعة قرون مضت وصولاً إلى السنوات الأخيرة. وقد تكون هذه الطريقة التي اعتمدها الكاتب أشبه بالهروب كما كنّا نقرأ في الأساطير التي يلجأ أبطالها لحظة عجزهم عن مجابهة أخطار الحاضر إلى نبش قبور الأحبة المتوارية ليجابهوا بهم الحياة بمصاعبها وأخطارها المحدقة بهم. «لا نلمس من نحبّ ولكننا نستطيع أن نحييهم ويردّوا على التحية» (ص 542).
حوار الأجيال
«الروخو»، أحد أجداد الكاتب، واحد من أبرز الشخصيات التي يستعيدها الأعرج في سيرته مستعرضاً بطولاته وأمجاده. وتمثّل الجدّة حنّا رافداً معرفياً آخر، إضافة إلى الأم أميزار وغيرها ممن شكّل مصادر أساسية استعان بها الكاتب لتوثيق معلوماته وتكريس الشقّ المرجعي أو التوثيقي كما في معظم مؤلفاته الإبداعية.
لقد حاور الكاتب الروخو ليقوم بتبئير التاريخ والإطلالة على الحاضر والواقع من خلاله، نازعاً عنه بعض البطولات الخارقة التي حاولت الجدة أن تزرعها في مخيلة حفيدها، مؤكّداً أن البطولة تأتي متأخرة عن الحدث: «البطولات تصنعها الروايات التي تلي موتك يا حبيبي ولا شأن لك بها أبداً» (ص 78).
وعبر هذه الشخصية المثالية، يطلُّ الكاتب على مرحلة الخروج من الأندلس، ليؤكّد أنّ الهزيمة ليست من أعداء الخارج دائماً، إذ إن المجد الضائع ساهم حكامه بضياعه، حين أصبحت غاياتهم الشخصية تسوّغ قذارة أعمالهم، خصوصاً حين تدخل فتاوى غريبة في تسيير أمور الناس. فاستخدم الكاتب مثلاً رمزية تحليل قتل الخيول لسدّ جوع أصحابها معتمدين على أسباب هزيلة بغية إراحة ضمائرهم، ومنها أن تلك الخيول خذلتهم في التغلّب على أعدائهم النصارى ليردّوا بذلك فشلهم إلى السلاح مبرئين حامله: «أكلوا خيولهم التي ساعدتهم على خوض حروبهم، إذ قال المفتون هي أحصنة في رتبة البغال الثقيلة، لأنها لم تحقق أي انتصار معلوم ضدّ النصارى، بل كثيراً ما خذلت راكبها بأن أوصلته إلى العدوّ. خيول متواطئة ذبحها حلال وأكل لحمها حلال» (ص 57). لكنّ السؤال الأكثر أهمية في علاقة الكاتب بجدّه يتمحور حول أحقية العرب والمسلمين في الاستيلاء على تلك البلاد القائمة خلف البحار.
يترك الكاتب جدّه ومجده الغابر، ليقف أمام حاضر أو ماضٍ قريب، أبطاله هم الجدة والأم والحبيبة والإخوة… هم جميعهم أموات، لكنهم يعودون في حياة الكاتب ليصنعوا له طفولة جديدة، طفولة حُرم منها باستشهاد أبيه، ليصبح ظهراً مكشوفاً غير محمي، شأنه شأن جيل من الأطفال والفتيان الجزائريين الذين خسروا أباءهم بعدما ذهبوا تلبية لنداء الواجب الأكبر. وفي خلقه تلك الطفولة الجديدة، يؤكد الكاتب أن الرجل طفل كبير ما زال اليتم يقيّده: «ما زلت أشعر إلى اليوم، أني لم أغادر طفولتي أبداً فهي معي وفيّ بقوة» (ص 565). ومن ثمّ يزداد يتماً حين يفتقد جدّته، مَعينَ معرفته الذي لا ينضب، وينكسر بموت الحبيبة والإخوة والأم. هكذا، يغدو هو الشاهد على انكسارات شخصية تتوازى وانكسارات الوطن حيث المتاجرة بدماء المضحّين على أيدي الانتهازيين. «لقد باع الورثة كل شيء، الدم والقصص والتاريخ. لقد باعوا حتى أنفسهم.
هل بقي لهم شيء يعرضونه للبيع؟ لا أظن. من يبيع حائطاً ليس له يبيع وطنًا بلا تردد» (ص 167).

فقدان الأحبة
إنّ الموت الذي جعل من واسيني الأعرج إنساناً مكشوفاً أمام ضربات الزمن، جعله مكشوفاً أيضاً أمام القارئ والمتلقي كروائي. فالسيرة تنقل أثر فقدان الأحبة في كتابات الأعرج، ليكون المستقبل المحطة الثالثة في هذه السيرة، مؤكّداً أن الموت لا يكفي لبقاء الحياة ولتعظيم الإنسان: «ليس بالموت وحده يكبر الإنسان» (ص 78). وقد كانت رواية دونكيخوت لسرفانتس محفّزاً مهمّاً في عشق المغامرة وعدم الاستسلام، بحيث صار يرفع شعاراً يؤكّد تشبّثه بالحياة الآتية على رغم طعم الواقع المرّ. هو شعار التحدّي وإثبات الوجود: «لم أكن استثناء، ولم أكن إلهاً صغيراً، لكني لم أمرّ على هذه الحياة كغيمة جافة» (ص 45).
بعد قراءة محطات مشوار سيرة واسيني الأعرج الضخمة، يُمكن أن نتساءل ما إذا كانت هذه السيرة ستشفي صاحبها من أسباب عصابه التي تشكّل الدوافع الأساسية في الإبداع، وهو الذي اعترف غير مرة بأنّ محطات سيرته هي الخزان الذي ذخّره بمعارف ومعلومات استحالت بمخبره الكتابي مؤلفات إبداعية أكثر ما ظهرت عبر الروايات. «عندما سئل أحد النحّاتين كيف وصل إلى إبداع أشكاله من عميق المادة الرخامية أو الصخرية؟ أجاب: أنا لا أفعل أكثر من إزالة الزوائد عن المنحوتة الموجودة أصلاً في عمق الصخرة أو الرخام. أعتقد أني لم أقم بالشيء الكثير في هذه السيرة الذاتية سوى أني أزلت الغطاءات الوهمية التي كانت تثقلها، ليرى قرّائي ما لن يروه أبداً خارج التخمين والتأويل والافتراض التي ليست بالضرورة رديفاً للحقيقة» (ص 564).
ولأنّ الكاتب اعتمد أسلوب الرواية في سيرته، كاشفاً جوانب حياتية كثيرة بحقيقتها الجارحة أحياناً، معترفاً بأن هناك جوانب أخرى لم يدرجها بين دفتي هذا الكتاب، بقي أن نقف عند الإيضاحات التي استخدمها في نهاية النص مشيراً فيها إلى تلك المحطات التي شكّلت ينابيع رؤاه وفنّه، حارماً المتلقي من لذة هذا الاكتشاف وحده، إذ استنتج عنه وصيّره متلقياً سلبيّاً منفعلاً بدلاً من يكون إيجابياً فاعلاً ومشاركاً في الكتابة، وهو يعترف بذلك كونه مبدعاً وناقداً يعرف ما يصبو إليه القارئ: «للقارئ حقه في اكتشاف خفايا وسحر وأسرار الأشياء في لحظة قراءتها والتوغّل في النصّ» (ص 579).
_______
*الحياة

شاهد أيضاً

فرجينيا وولف ورسالة الانتحار

(ثقافات) إبراهيم أبو عواد      وُلِدت الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف ( 1882_ 1941) في لندن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *