الرئيسية / قراءات / قرية غرب النيل

قرية غرب النيل


*يوسف القعيد

المؤلف والرواية. أما الرواية فهي: قرية غرب النيل. والمؤلف هو نيافة الأنبا الدكتور يوحنا قلته وهو نفسه كمال قلته. والأخير اسمه المدني. أما الأول فهو اسمه الديني وكلاهما – يوحنا وكمال – اسمان لشخص واحد. ولد سنة 1937. في القرية التي تدور فيها أحداث روايته. واستمر في دراسته المدنية حتى حصل على الماجستير وكان موضوعها: اثر الثقافة الفرنسية في أدب طه حسين سنة 1984. وقابل طه حسين أكثر من مرة خلال إعداد الدراسة. أما الدكتوراه فقد كان موضوعها عن دراسات المستشرقين الفرنسيين للشعر العربي. حيث درس جهود ستين مستشرقاً درسوا الشعر العربي. وقد سبق له التدريس في أكاديمية الفنون في فترة رئاسة الدكتور رشاد رشدي لها. ويقول إنه عندما فكر في تدريس كتاب ديكارت مقال في المنهج للطلاب حتى يتعلموا طرق التفكير والمنهج الذي يمكن أن يقودهم إلى الحقيقة. قال له الدكتور رشاد رشدي.

– لا داعي لذلك
وقام بالتدريس في الجامعة الأمريكية بالقاهرة: من 87 حتى 1992.
مؤلفاته المنشورة هي: الإنسان هو القضية، وأرواح هائمة 98، وتأملات في الإنجيل وهو دراسة في الإيمان المسيحي 1999، وآخر كتبه المسيح دعوة للحرية. وفيه نظرة جديدة لشخصية المسيح. ومشروع الدكتور قلته يقوم على حمل لواء العلاقة بين الثقافة والدين. ذلك أنه يرى أن بعض رجال الكنيسة الذين تحرروا من الجو الكنسي والتقاليد الكنسية. تمكنوا من أن يقولوا للكنيسة: «ستوب» هذا يكفي. وقاموا بعملية مهمة وتاريخية وكان لابد منها. وهي نقل الحضارة لقلب الكنيسة. وأخذوا الكنيسة إلى جوهر الحضارة.
القضية الثانية التي يهتم بها أنه ضد فكرة قبطية الكنيسة المصرية. ويركز على عروبة الكنيسة. مشروع الدكتور قلته يقوم على مخاطبة الصفوة والمثقفين. باعتبار أنهم هم الذين يقودون المجتمع إلى الأمام. ولا يفكر في الكتابة للقارئ العادي. ولا يخاطب وجدان الفرد العادي.
*
المنصب الديني الذي كان يتولاه وقت كتابته للرواية هو نائب بطريرك الكنيسة الكاثوليكية في مصر. أي أنه الرجل الثاني في هذه الكنيسة. بقي أن أقول أنني عند السؤال عن روايته فى أوساط الكنيسة المصرية. فوجئت بحالة من عدم الارتياح تجاهها. وهذا الكلام يتفهمه الإنسان خاصة عندما يدخل إلى قلب الرواية.
قال لي الدكتور يوحنا أن أحداث روايته واقعية. وأن بعض أبطالها مازالوا يعيشون حتى الآن. وهو ما كتبه في مقدمة الرواية: هذه قصة وقعت أحداثها فى النصف الثاني من هذا القرن «القرن الماضى الآن» كل أبطالها حقيقيون. الأسماء وحدها من صنع الخيال. حتى لا نقلق أرواح الذين رحلوا إلى الخلود.
من الصفحة الأولى من الفصل الأول، يفرق الكاتب بين المسلمين والأقباط في قرية «القطنة» وهي قرية من أصغر القرى في محافظة سوهاج في صعيد مصر. أغنياء شرق البلد قلة من المسلمين. وأغنياء غرب البلد قلة من الأقباط. ونحن أمام بطلين الحاج فتحي والخواجة كامل. الذي لم يذهب إلى القدس ولكنه يعشق لقب المقدس. والحاج فتحي الذي لم يذهب إلى الحجاز ولكنه يعجب بمن يقول له يا حاج.
يقول صاحب الرواية: لم يذكر التاريخ مرة واحدة أن المسلمين قاموا بثورة ضد الأقباط ولم تشهد مصر في كل عصورها حرباً أهلية بين المسلمين والأقباط. أما الكنيسة فيقول عنها:
– اطمأنت الكنيسة إلى أن مذهبها الأرثوذكسي سيبقى المذهب السائد الأوحد في مصر. ولم يقلق الكنيسة القبطية انضمام بعض العائلات الثرية إلى المذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي. لقد كان انضماماً إلى ثقافة وإلى حضارة أكثر منه انضماماً إلى إيمان جديد أو كنيسة جديدة.
ولكن القلق بدأ يساور الكنيسة القبطية حين تسرب المرسلون وطرقوا أبواب القرى والكفور وأنشأوا فيها المدارس وأقاموا الأديرة. فأقبل الطلاب الأقباط من الطبقات الفقيرة المهملة على تلك المدارس. ورأوا في ذلك تحقيقاً لحلم طالما راودهم بأن يسلك أولادهم المحرومون درب أبناء الأغنياء والمترفين. ليشقوا لهم طريقاً في الحياة أكثر أمناً. ويخرجهم من ظلمات الجهل والفقر والتخلف. وهذا هو الحدث الرئيسي في هذه الرواية.
الفصل الثاني وعنوانه: السفر إلى الدير. يتوقف مؤلف الرواية أمام منزل المقدس كامل أتوبيس خاص من أحدث أنواع السيارات المرسيدس. مكتوب على جانبيه باللغتين العربية والفرنسية: مدرسة العائلة المقدسة. كما رسمت في دائرة صغيرة بجوار العبارة: صورة العذراء تحمل طفلها. فاليوم، موعد سفر بعض الصبية الأقباط، الذين وقع عليهم اختيار الرهبان الكاثوليك ليصحبوهم إلى دير في القاهرة. يعدونهم سنوات طويلة. ليصبحوا بعدها قسوساً فى الكنيسة الكاثوليكية. ولا تتجاوز أعمار الصبية العاشرة. صعد المختارون إلى الأتوبيس. عشرة أولاد. اختارهم الرهبان. من العائلات القبطية التي انتمت إلى المذهب الكاثوليكي منذ نصف قرن. لم يكن اختيارهم عشوائياً. بل تم بعد اختبارات متعددة. فالمعد للكهنوت لابد أن يكون سليماً جسداً وعقلاً وروحاً. لا يقبل ذوي العاهات أو أبناء المطلقين أو الذين غيَّر والدهم أو والدتهم الديانة. لا يشترط ثراء الأسرة أو فقرها. لكن الفقراء يودون أكثر من الأغنياء أن يسلك أبناؤهم هذا السبيل.
من بين الذين ودعوا أولادهم في شيء من الحزن. الخواجة كامل الذى بعث بإبنه البكر غريب. وهو يشعر أن ابنه رحل وفي قلبه الصغير جرح بسبب غيرته التي تنغص حياته. إذ يرى والده قد غمر شقيقه وجيه بمحبة وإعزاز وفيرة عن إخوته. وحنان بالغ لا يدري له سبباً.
الرواية قديمة. لكن قراءتها هى الجديدة. وقد امتدت يدي إليها كجزء من المناخ العام الذي يعيشه الإنسان مع نهاية سنة ميلادية وبداية سنة جديدة. حيث نعيش جميعاً طقوس الاحتفال بمرور سنة قديمة ومجيء سنة جديدة.
_________
*عُمان

شاهد أيضاً

“تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى إلى النكبة”

تقسيم فلسطين من الثورة الكبرى ١٩٣٧ – ١٩٣٩ إلى النكبة ١٩٤٧ – ١٩٤٩ تأليف: وليد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *