الرئيسية / مقالات / لغتنا المهدّدة

لغتنا المهدّدة


يحيى القيسي*


   منذ وعيت على القراءة في المدارس، وعصا المعلم تحاول أن تقوم اعوجاجنا اللغوي، وتحشو في رؤوسنا دروس النحو والصرف والإنشاء، بل الحفظ عن ظهر قلب للقصائد الشهيرة في الأدب العربي، وكانت عبارة “يحفظ غيباً” تسبب لنا القلق حتى يتم الأمر، لكن النتيجة اليوم أن لدينا حصيلة كبيرة من المفردات، ولغة رائقة خالية تقريباً من الوعورة، وكثرة الهنات، ومعبرة عما يجول بخاطرنا بشكل سليم وواضح، وسيمر زمان آخر حتى نجد أبناءنا لا يكادون يفقهون قولاً، من قلة المطالعة للكتب، ومن ضعف المناهج التدريسية، ومن غياب الحوافز، لا بل إن اكثرهم قد بدأ بالهروب من الكتابة باللغة العربية القويمة إلى اللهجات، وهذا أمر تحث عليه وسائل الإعلام من إذاعات وقنوات تلفزة بكل أسف، أما الطامة الكبرى فهي التخلي عن الحرف العربي نفسه والكتابة بالأحرف اللاتينية خصوصاً في المحادثات المكتوبة بين الكثير من أبناء الجيل الجديد، وأيضاً في التعبير عما يجول بخاطرهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي ما تسمى اليوم “العربيزي” أي خلط العربية بالانجليزية، واستبدال بعض الحروف بالأرقام .

وفي الكثير من البلدان العربية صار أمراً عادياً أيضاً إدخال المفردات الفرنسية أو الانجليزية بالمحادثات اليومية، لا بل تعدى الأمر إلى المؤتمرات والندوات المتخصصة، وهكذا أصبحت اللغة المنطوقة هجينة، واللغة المكتوبة تعج بالأخطاء والخطايا، ويجري التحول عنها لمصلحة كتابة لا علاقة لها باللسان العربي المبين، الذي نزل فيه القرآن الكريم، لعلهم يعقلون .

منذ سنوات طوال وكتّاب المقالات يصرخون “أنقذوا اللغة العربية”، وكذلك يفعل المحاضرون في الجامعات ومعلمو المدارس، والأدباء، وتتم مناقشة الأمر في ملتقيات متخصصة، وندوات لا تنتهي، وتتنطع مجامع اللغة العربية للتحذير من خطر ذوبان اللغة، واستبدالها باللهجات، وتطالب أيضا بمراقبة اللافتات في الشوارع التي تعج بالكوارث من الأخطاء الإملائية، ولكن المحصلة “لا حياة لمن تنادي” فالموضوع لا يتعلق بجهة معينة حتى تنهض بإصلاح الخلل، ولا لجماعة من الناس حتى يتم تدريبهم على تلافي الأخطاء أو وضع من يرشدهم إلى اللغة القويمة، بل بأسلوب حياة ومنهج اجتماعي يجب أن يتغلغل في كل بيت ومؤسسة ومدرسة .

أقول ذلك ونحن في هذه الأيام نحتفل بيوم اللغة العربية، وبالطبع ستظهر برامج تلفزيونية لتغطية الموضوع مع استضافة بعض المتخصصين باللغة، ما يضفي على الأمر طابعاً من الكآبة، وغالباً ينتقل المشاهد أو المستمع إلى محطات أخرى، فكما أشرت ينبغي أن يكون الأمر على مدار العام عبر التركيز بشكل غير مباشر على لغتنا الجميلة والاحتفاء بمفرداتها ونحوها وصرفها بطريقة مشوقة، وأذكر في هذا المقام برامج للأطفال تربينا عليها منذ الصغر مثل “افتح يا سمسم” وكيف أنها كانت تقوّم الأخطاء بطريقة محببة، ومشوقة .
إن الأمر يبدأ من المدرسة، لكنه لا يقتصر عليها، فبعض وسائل الإعلام الكثيفة، هي من تضخ الكثير من الهراء والكوارث اللغوية صباح مساء، وهي من تشجع في برامجها على اللهجة المحلية بدلاً عن اللغة الفصيحة، وكذلك يتعلق الأمر بالمسلسلات المدبلجة التي أصبحت تركز على اللهجات لكل بلد، وما لم تكن هناك خطة حقيقية ممنهجة لإعادة الاعتبار للغة العربية، وتخليصها من الأخطار التي تتهددها، فإنها ستظل في خطر دائم، وأعتقد أن المدرسة خير مكان يتم البدء فيه لخطة استراتيجية، وكذلك إصدار بعض القوانين الحامية للغة في المؤسسات الرسمية والمخاطبات، فاللغة في النهاية هوية، ولا خير فيمن يتخلى عن هويته ويصبح تائهاً تذروه الرياح بلا لون ولا طعم ولا رائحة!

* روائي وإعلامي من الأردن
( الخليج الثقافي )

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *