الرئيسية / إضاءات / الثقافَة ومحاكمُ التّكفير

الثقافَة ومحاكمُ التّكفير


*

1

محاكم التكفير في ماضي الثقافة العربية متواصلةٌ بهوْس في زمننا الحديث. إنها متداولة بين كل من يُعْنَى بالثقافة العربية، لأنها جزءٌ من تاريخنا الثقافي والسياسي. ويمكنُ أن نعثر عليها مفصلة كلما أقدمنا على النبْش في حياة مؤلفين ومؤلفات. كأنما هو التاريخ مخلصٌ لحماقاته التي لا يندم عليها. أجلسُ وأضحك من فقـهاء لا يُحسنون سوى ترصّد مسار الكلمات. وحينما يقفون مشدُوهين بتركيب معجز، أو بكلمة تعلن عن حريتها، ينتـفضون ويرفعون أكمامَهم، ينتعلون أحذيتهم، ويتوجّهون جماعةً إلى الساحات العمومية ليعلنوا القَصاص. أراهم مفزوعين بالجميل، بالذّكي، بالمفاجئ، بالغامض، بالمُلتبس، بالمجهول. يُحملقون في كلمات لا يعرفون لها بداية ولا نهـاية. يُصدرون أصواتاً ذات روائح كريهة، وعلى وجُوههم علامات الشؤم والنقمة.
كذلك كنت أتخيلهم وأنا، في حداثة سنّي، أعثر عليهم مُختفين بين ثنايا كتاب أو قصيدة. كانوا يتخفّـوْن وراء مزاعم الحرص على حماية الملّة والأمة من كيد الأعداء، يترصدون ويتلصّصون. ولم يفارقوا قراءاتي التي كانت هي نفسها قراءات رفقائي في المدرسة والحي. عناوين مؤلفات موزعة بين الدواوين وكتب الأدب والفلسفة والتصوف، كنا نعثر عليها بيسر في المكتبات الشعبية. وهم كانوا لها بالمرصاد منذ الأزمنة الغابرة. كنت أنظر إلى هؤلاء الفقهاء وهم يقفون في وجه كل من يجرؤ على القول المبدع أو التفكير الحر، يرفعون القلم ويأمرون السلطان بتنفيذ الحد. بشار بن برد أو أبو نواس أو المتنبي أبو العلاء المعري أو الششتري. ابن سينا أو الفارابي أو ابن رشد أو ابن الراوندي أو ابن حزم. الحلاج أو أبو حيان التوحيدي أو الغزالي أو ابن عربي. هي أنصع وجوه الثقافة العربية القديمة التي تمثل هؤلاء الذين اجتمع الفقهاء بكتُبهم وقواعدهم، يقيسون عليها ما كتب هؤلاء الجريئون على تبديل قواعد تركيب الكلمات.
2هذا التاريخ القديم هو نفسه، بل أبشع منه، ما كان سائداً في أوروبا المسيحية، مع محاكم التفتيش. إنها المحاكم التي أمرت الكنيسة الكاثوليكية بإنشائها وباركت طرائقها وأحكامها، ابتداء من القرن الثاني عشر، واتسعت وقويت صوْلتُها مع الملكية الإسبانية، ما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وامتدت حتى القرن التاسع عشر. ضحايا عديدون، بلغوا حسب بعض الإحصائيات خمسة ملايين ضحية. ثمة الموريسكيون الذين أحبّوا بلدهم الأندلس، ولم يغادروها بعد سقوط غرناطة، كما فعل إخوانهم. وثقوا بعهود المسيحيين في احترام عقيدة المسلمين وضمان بقاء المساجد مفتوحة في وجوههم، والالتزام بصيانة الأملاك والأموال، وحماية النفوس والأهل من كل عقاب. وعندما اكتشف المسلمون أن الملكية في إسبانيا، ثم بعدها الملكية في البرتغال، أصبحت تخرق العهود، وأحسوا أن الكنيسة أخذت في الهجوم على حياتهم الخاصة، لجأوا إلى حماية دينهم، فأخذتهم محاكم التفتيش بتهمة التستر والتقية. كذلك كان أمر المسيحيين ممن كانوا من البروتستانت، أو من أصحاب التجربة الصوفية، أو من الشعراء والمفكرين والفلاسفة، أو حتى من السحرة. لجان التفتيش تقيم المحاكمات، وتطالب بالتنفيذ الفوري للأحكام. أمّا قراءة الكتب فكانت من التّهم التي لا تسامح فيها. بهذا كانت محاكم التفتيش مصنع الجرائم التي ارتكبتها الكنيسة الكاثوليكية مثلما ارتكبتها الدولة الإسبانية والبرتغالية باسم المسيحية النقية، لمدة قرون متلاحقة مورس فيها النفي والسجن لكل من يخالف النص المقدّس، وروايات مفجعة عن تعذيب وإحراق المذنبين، المتهمين بالهرطقة، والموصوفين أيضاً بالزنادقة والمعروفين بأهل البدع.
3ذكْر محاكم التفتيش في أوروبا الكاثوليكية تفيد أن المتعصبين، الموجودين في الإسلام، لهم أمثالهم في كل من المسيحية واليهودية. لا فضل لأحَد منهم على الآخر ولا امتياز. وما يخص مستشرقون به الإسلام دون سواه، في هذا الموضوع، مردود عليهم بواقع التعصب في المسيحية أو اليهودية. فما يؤلف بين المتعصبين، في الديانات الثلاث، هو أنهم يفهمون الدين فهماً حرفياً، ويخلطون بين منهج القراءة، الذي يظل محدوداً ونهائياً، فيما هو واقع النص مفتوح على اللامنتهي. لذلك فهم لا يبالون بمنطق اللغة، القائمة على الإخفاء أكثر مما هي تفيد البوح، وباعتبار الاستعارة أحد مكوناتها. لكنهم لا يتحملون التفريق بين الحرية في التعبير عن الاعتقاد وبين إجبارية اتباع مسلك متوارث. أو هم لا يتحمّلون رؤية من يخالفهم في الاعتقاد. يعتبرونه مهدداً لعقيدتهم. ثم إنهم، بطبيعة الحال، لا يميزون بين خصوصيات أنماط التعبير ولا يؤمنون بحرية الاعتقاد أصلا. وكلمة الإلحاد تلخص شبكة من الاتهامات التي تقذف بالمتهم إلى العذاب إن هي لم تؤدّ إلى الحكم عليه بالقتل، من طرف محاكم التكفير كما من طرف محاكم التفتيش.
يبدو أن التذكير بكل هذا ضروري في زمننا. فنحن اليوم إما أننا ننسى ما تمت كتابته في الموضوع من طرف الكتاب العرب الحديثين، وإما أننا نحتاج إلى تجديد القراءة. وهما معاً مستعجلان في حياتنا. لم يختلف زمننا الحديث عن زمننا القديم في شيء من ذلك من حيث الوقائع. فاتهام طه حسين بالكفر والزندقة من أشهر ما عرفته الثقافة العربية الحديثة. كتاب «في الشعر الجاهلي»، كان المرحلة الثانية بعد كتابه عن«تجديد ذكرى أبي العلاء». فيهما معاً أراد طه حسين أن يتجرأ على الآراء الموروثة ويعلن للناس ما أوصله إليه البحث. وبعد طه حسين تتالت اتهامات المثقفين بالكفر، في المشرق والمغرب. فها هم الفقهاء التونسيون يكفرون أبو القاسم الشابي عندما كتب قصيدته «إرادة الحياة». نظروا إلى أن الشعب لا إرادة له على القدَر، وأفْتوا بأن التعبير الصريح بلزوم أن يستجيب القدر لإرادة الشعب كفر، وبأن قائله كافر. ثم جاء تكفير محمد بلحسن الوزاني، زعيم حزب الشورى في المغرب، الذي نظر متزمتون إلى دفاعه عن الديمقراطية بمثابة رفض الشورى التي ينص عليها الإسلام بصراحة. ولنا تكفير الأزهر لمحمود محمد طه في السودان، عن كتابه «الرسالة الثانية من الإسلام»، وتكفير نجيب محفوظ على إثر نشر رواية «أولاد حارتنا»، وتكفير اللجنة العلمية بجامعة القاهرة نصر أبو زيد عندما كتب في أعماله بأن القرآن تاريخي وثقافي. وفي السياق ذاته جاءت دورة الفقهاء السعوديين الذين أخذوا يتنافسون في إصدار لوائح تكفير الكتاب العرب بالجملة، حيث تصل اللائحة أحياناً إلى أكثر من مائتي اسم. والملاحظ، في كل ذلك، أن جهة التكفير في العالم العربي ليست واحدة ولا آلياته متجانسة.
هذه الصورة العامة لمحاكم التكفير في العالم العربي تلتقي مع مستوى أبعد في البلدان الإسلامية، في آسيا وفي بلدان أوروبية يقيم فيها مسلمون. ومن أشد أحكام التكفير إثارة للجدل، في زمننا الحديث، الحكم الذي صدر، في مناطق عديدة من العالم، بحق الروائي البريطاني من أصل هندي، سلمان رشدي، على إثر نشر روايته «آيات شيطانية»، حيث تم إحراق نسخ عديدة منها في إنجلترا وأصدر الخميني فتوى بإهدار دمه. وهي بداية مرحلة جديدة في إقامة محاكم التكفير وإصدار فتاوى، انتقلت من تكفير كتاب ومثقفين إلى تكفير أنظمة سياسية برمتها. وتساعد وسائل الاتصال الاجتماعي اليوم على توسيع مدى حركة التكفير عبر جهات متعددة من العالم.
4علمتني الثقافة العربية الحديثة الجرأة على التفكير والتعبير بحرية. وكان الشعر المصدر الأول لنشر وتعليم قيم جديدة. أولى مفردات الحداثة التي تربّينا عليها هي الوطن والشعب والحرية والعلم والحب. لم تكن مجرد مفردات، بل هي عالم جديد كان ينشأ من الكلمات ويتربى في حضن أحلامنا. كلمات كانت لها قوة الجاذبية وباستطاعتها أن تعيد بناء شخصية الفرد تماماً. بذلك لم يعلمني الشعر العراقي الحديث أن شعب العراق منقسم إلى سنة وشيعة، وإلى أقليات من أمم وشعوب عاشت في العراق وبنَتْ تاريخه وأمجاده. تعلمت من هذا الشعر كلمة العراق، منحوتة بيد الشعراء، مكسوة بأنفاسهم، ناصعة في قصائد ودواوين، مرفرفة في أعالي سماء الحرية. كلمة «الشعب» تجمع الفئات والطوائف في منظومة تعاقدية جديدة، تقوم على المساواة والتكامل. ويكفيك أن تعود مرة أخرى إلى محمد مهدي الجواهري وبدر شاكر السياب، حتى تستعذب اسم العراق ولا تتخلى عنه. والأمر نفسه بالنسبة للشابي. إنه الذي هداني إلى فكرة الشعب التونسي، بل إلى كلمة الشعب، التي هي معبوده إلى جانب كلمة الحبيبة، كما كتبها وأعاد كتابتها في صور لم تكن تتوقف عن بث الذهول في أنفاسي وأنا أقرأها في عهد الشباب.
كان ذلك منتشراً بين أبناء جيلي الذين تلقّوْا الانصهار في الوطن والشعب والحرية والعلم والحب عن الجيل السابق. كلمات هي نفسها التي شرعت الأبواب على عالم لا ينتهي. نحتفل به مع أنفسنا، نتخيل مستقبله على شاكلة ما يعرفه العالم الذي كنا أخذنا في تعلم أبجديته، أو نحلم به ونحن نقبل على القراءة والكتابة. تلك هي مبادئ الثقافة الحديثة، التي جاءتنا من كتابات، كنا نتبادل في العلَن أسماء مؤلفاتها ومؤلفيها. وعندما بلغنا سن المراهقة أصبحنا نفضل السهر في القراءة، نتسابق نحو المكتبات للحصول على كتاب أدبي (أكان ديواناً أو رواية)، أو كتاب فكري أو تاريخي. كل ذلك وهبته لنا الكلمات الأولى، أبجدية الحداثة. لم يكن يخطر ببالنا أن نسأل عن عقيدة مؤلف ولا عن طائفته. الحدود الوحيدة التي كانت تشغلنا هي معرفة درجات جرأة الكاتب على قول الكلمات البانية لعالم جديد وإنسان عربي جديد.
5كان المتعلمون يعرفون معنى الكلمات الجديدة التي تدخل إلى قاموس حياتنا. ومثلهم لم نكن نشكّ في أنها تدل على قارات مجهولة في تاريخنا. على أننا كنا نسمع بين الحين والآخر فقهاء متعصبين لا يقرون بهذه الكلمات. ينظرون إليها من حيث هي علامة على الزندقة. مع ذلك لم يكن المجتمع يعبأ بمثل هذه الاتهامات، لأنه كان مقبلاً على تجربة جديدة في حياته، وكان مُنتـشياً بالحرية والعلم. ولا شك أن الجدّات والأمهات كُـنّ الرائدات الحقيقيات في إبداع زمن جديد. فهنّ اللواتي قاومْن تزمّت الآباء وعملْن على إلحاق البنات بالمدارس. تلك ثورة ننساها اليوم. إنها ثورة المرأة التي مزقت الحجاب، وانتزعتْ سلطة تسـيير العائلة بيدين واثقتين من منافع الحرية والعلم على بناتها وأبنائها، وعلى المجتمع ككل.
وكان المتزمتون يترصدون كل حركة في العائلة (أو في المجتمع) تخرج على الضوابط التي توارثوها. كانوا مضادين للحرية والعلم والمساواة بين الولد والبنت. مضادين، في الوقت نفسه، لطقوس الدين الاجتماعي، من خلال الدعوة إلى تحريم المواسم الخاصة بالأولياء والطرق الصوفية الشعبية. وفي كل مرة كانوا يجدون أنفسهم في مواجهة عنيفة مع المجتمع. كان العرب آنذاك موحّدين من حيث لا يدرون في الدفاع عن قيم جديدة، ترسم وضعية غير مسبوقة للفرد والجماعة على السواء. وغالباً ما ارتبطت تلك العاصفة بحركة التحرير من الاستعمار، حركة عمت البلاد التي كانت مستعمرة. كأنما كلمة الحرية والاستقلال لم يكن معناهما يكتمل إلا بالعلم والتجديد.
6أجلس، وبي غمّ من التفكير في كل هذا الذي كان. أحياناً يحدث لي أن أقول لنفسي إن كل ذلك الذي كان مجرد تخيلات تستبدّ بي. وها أنا أؤكد اليوم القول ذاته. أو أحياناً أعبر عن الحالة ذاتها بطريقة مختلفة كأنْ أسأل عن سبب اختفاء كل ذلك، أو عن محاكم التكفير التي أصبحت علامة على زمننا. اختفاء الأفكار والقيم التي قادتنا إلى مناطق لا تنتهي من الحرية هو ما لا نعرف كيف نفسره ولا كيف نصل إلى ضبط أسبابه. كما أن الانحرافات التي جرفت بلادنا بعد الاستقلال، أو دوغمائيات القوميين واليساريين، غير كافية وحدها لتفسير ما يجري. نحن أمام تكفـير تبدأ محاكمه من التحريم والتأثيم والبدعة لتنتـقل إلى رفع الأعلام السوداء في وجه بلاد وأفكار وقيم، كما في وجه أعمال ومؤلفين.
والصرخة التي تصدر عني أكاد لا أسمع لها صوتاً. أحاول وأحاول. هذه الصرخة، التي بها أحس أني موجود، لم تعد تقوى على اختراق القفص الصدري. لم تعد تقدر على الصعود إلى منطقة الحنجرة. إنها في غيهب بعيد الغور. أنصت إليها هناك. تنتـفض من الشدة التي هي فيها. مخنوقة. ولا يدَ تصل إليها كي تنقـذها من ضيق التنفّس وتلاشي الأعصاب.
________
*الاتحاد

شاهد أيضاً

ركوّة فيلليني: حول رواية “حذاء فيلليني” للكاتب الروائي وحيد الطويلة

(ثقافات)*طلعت قديح هناك من الروائيين من لا يصح أن تقرأ لهم بطريقة تقليب الصفحات؛ حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *