الرئيسية / فنون / فيروز.. «الملكة» في ثوبها الطويل

فيروز.. «الملكة» في ثوبها الطويل



محمود بري



لا تصحّ قراءة الفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز على أنها نجمة غناء، أو حتى على أنها أكبر نجمة غنائية في لبنان، ومن بين الأكبر في دنيا العرب والعالم.

لا يعترف اللبنانيون بقراءة فيروز من هذه الزاوية التي يجدون فيها كثيراً من الانتقاص والتجنّي. فـ «السيدة» في نظرهم وفي يقين مفكريهم كما في ذائقة رأيهم العام على اختلاف مشاربه وأهوائه، هي أكثر من كونها مغنية مطربة متألقة وفريدة على برجها. هي عند ناسها «سفيرتهم إلى النجوم»… على ما قال مرة سعيد عقل، وما زال القول يتكرر بكل وسائل التواصل، وكأنه في كل مرة، يُقال للمرة الأولى… وهي التي «صوتها تذكرة عودتنا إلى النقاوة» كما كتب يوماً الراحل المُبدع أنسي الحاج منوِّهاً بأن «صوتها هو وطن محبيها وعصرهم ومجدهم»، وبأنها «المرأة اللامحدودة العطايا، والتي ليس لجمالها نهاية».


لعل ذلك كله، على كل ما في أعطافه من حرارة العشق والشغف، لا يمثل إلا نقطة من بحر فيروز الذي يجوهر محبّيها ويطهّر آثامهم، على كثرتهم. لذا فهي عندهم الأشهر والأكبر من كل لقب، والشخصية الرمز التي تنمو على ذكرها كلّ أحلامهم الإنسانية والوطنية والعاطفية، وهي رمزهم النابض بكل ما يمكن أن يعنيه لبنان المُتخيّل في جبين الشعراء والعامة والعاشقين وناس الشارع والمبدعين والباعة المتجوّلين والباحثين عن عمل والمتبطّلين والوطنيين والمشردين وعموم الذوّاقة، من كل مشرب وفئة وطبقة وطائفة ودين، وكل من وما هو إنساني.

نعم، هو ضربٌ من الجنون الذهاب إلى التعريف بـ «فيروز» عبر هذه الطريق المزدحمة بالحواجب المرفوعة وعلامات التعجّب ووشوشات الاستغراب، إلا أن الجنون ذاته ليس في بعض الأحيان إلا اللقب الحركي للحلم المستحيل الذي انقلب رغبة جماعية نقيّة ومعتقة في قرارات النفوس، وأفكاراً سامية يُسقطها العاشق على معشوقه.

أيديولوجيا خاصة


أمام هذا الاندفاع العاطفي- العقلاني الساحر إلى محبة فيروز وتنزيهها عن تشبيهها بسواها، جاءت هي من جهتها، ومن خلال مجمل سلوكياتها اليومية على مختلف الصُّعد الشخصية والصداقية والاجتماعية والأسرية، وعلى امتداد مسيرتها الفنية الطويلة والغنية، جاءت لتتجلّى بكل بساطة وعفوية، ومن دون أيّ تكلّف أو إعداد، شخصاً أقرب إلى نجمات الروايات المُتخيّلَة، منها إلى ابن الإنسان، نزيهة كنسمة الصباح، طيبة كابتسامة رضيع، قاسية كنقطة ماء في صخر، مخلصة كعبير وردة، حساسة.. ضعيفة.. قوية.. متواضعة.. مترفّعة كما لا يكون الناس الذين من لحم ودم، لكأنها منسوجة من تراقص فراشات أول الربيع في حكايا جنّيات الحقول… وفوق كل ذلك كانت في جميع اللحظات والمراحل وأقساها وأشدّها رهبةً، فوق السياسات والمناطق والطوائف والأديان والأحزاب والتجمعات. وهي استطاعت اجتراح هذه المواصفات الاستثنائية في بلدٍ أشبه ما يكون بالتكثيف المرضي لكل ما هو مناطق وطوائف وأديان وسياسات وأحزاب وتجمعات ومشاكل. ثم أنها كانت دائماً نبض عامة الناس وخاصتهم، وقراءهم وموسريهم. وفوق ذلك، ومعه، كانت «الظاهرة» و«الرمز» و«الأعجوبة»، وكانت «شاعرة الصوت»، و«ملكة الإلهام» وكان «صوت فيروز هو فيروز»… إلى ما هنالك مما «نحتَ» لها المثقفون المغمورون ببركة محبتها، من مناصب وألقاب. 

حاجة روحيةحين مقاربة فيروز المغنية، نجد التوصيفات المفصّلة على قياسها، جاهزة في مسرد محفوظ في شغاف القلوب، فهي المغنية التي «صوتها يلحّن اللحن»، بمعنى غِناها عمّن يضع الألحان لأغانيها، وبالتالي فهي في عالم الشدو والغناء، الأقرب إلى الكمال المجسّد، لذا فكل كلمة تقولها تصبح أغنية، وكل لفتةٍ قصيدة، وكل غياب يصير حضوراً أثبت وأعمق في أعماق الأفئدة. 

لكن مهما بالغ المبالغون وبولغ في انتقاد مبالغاتهم، تبقى فيروز فعلاً بنظر محبيها كل ذلك وأكثر وأعلى: فهي «الأيقونة» التي يتباركون بطلّتها وبطهرها ويغتني المُحسنون بعطائها، ويغتسل الكلّ من همومهم بذكرها، ويضاعفون جمائلهم بترداد دندنات أغانيها. ولعلها من هذه الزاوية «حاجة وجدانيه» لكل مهموم ومتعب وصاحب همّ وطموح وأمل. من هنا فهي تحولت عبر الزمن الذي طبعته، وغدت أرقى وأحب رموز ما يمكن اعتباره «الأيديولوجيا اللبنانية»، والتميمة التي تشبه «الميثاق الوطني» من زاوية أنها مُتعارفٌ عليها ومعترفٌ بها من دون أن تكون موثّقة في نصّ أو بيان. وفيروز أيضاً هي التجسيد الملائكي للفكرة الإبداعية المتقنة عن وطن مُتخيّل يحب كثيرون أن يعتقدوا أنه هو نفسه وطنهم الذين يحسبونه مقيماً بمعنى ما، في مسرحياتها… هذا الـ (لبنان) الذي قام من أهله من يمسخه في زحمة الأوهام والأحقاد والأطماع والهلوسات، نسخةً رديئة عن «برج بابل» في أبشع تجلّياته، ثم لم يجد هؤلاء سوى فيروز يغتسلون بطيبها من ندمهم وآثامهم.

«تتبيلة» ملائكيةإن المسلك اليومي العام للسيدة فيروز، أي المرأة خارج كونها الفنانة، وعاديتها الآسرة، وعلوّ أخلاقها، وعدم نيلها أياً من رذاذ سوء السلوك أو السمعة، كما هو حال كثيرات وكثيرين من «أهل الفنّ»، كل ذلك أرسى لها احتراماً استثنائياً في العقول والقلوب، وفتح المجال واسعاً أمام «أسطرة» الشخصية الفيروزية، وأضفى على الفنانة حالات من النقاء والطهارة قلّما يكون مثلها لبني الإنسان. وهذا عماد الشخصية الفيروزية. به ارتقت فيروز إلى مصاف أعلى، فبات ناسها يحمّلون كل حركة لها، أضعاف ما تحمل، وينظرون إليها، ليس كمغنية أو كفنانة أو كعبقرية أو كحسناء … بل كأنها كل ذلك معاً وفوقه «تتبيلة» ملائكية يختلط فيها الحلم بالأسطورة، والخيال بالواقع. جاءت فيروز الزوجة والأم والكائن الاجتماعي لتمنطق كل ذلك من خلال مزاياها الشخصية من بساطة في العيش ودماثة في الأخلاق ورحابة في الصدر، مع نقاء فطري ونفور من الرياء وكره للتعصّب وانفتاح على القضايا الإنسانية حتى أبعد مدى. 

هكذا صارت حفلاتها أكبر من كونها مجرد مناسبات غنائية أو طربية أو احتفالية، فارتقت نحو مصاف المبجّل على طريق المقدّس… صارت «السيدة» هي التجسيد الحيّ لكل ما يعتمل في النصف الخيّر من الدماغ من أفكار سامية ومُثُلٍ عُليا. صارت لحركاتها وأغانيها ومسرحياتها إسقاطات شتى، يفصّلها كل ناس على مقاس رغائبهم. كل هذا بينما فيروز ثابتة في موقعها، لا تحيد قيد أنملة عن استقلاليتها التامة عن كل هذا الهدير… وهذا ما ضاعف قيمتها وشعبيتها لدى مختلف الأطراف، وأولهم الذين لم تتجاوب مع رغائبهم، وارتاح القوم (قومها) وهم يتابعون ابتعادها بمقادير متكافئة عن مختلف الجماعات المتنازعة والمتحاربة، ومحافظتها على موقعها: للجميع وفوق الجميع.

متى انبلج الفجر؟لا تأريخ للزمن الذي دخلت فيه فيروز الذاكرة اللبنانية الجماعية وانبلج فجرها، لكأنها كانت هناك منذ البداية. فقد شكّلت عماد تلك الذاكرة وروحها النقيّة المُشتهاة. ولو حاولنا، افتراضاً، نزع هذا «الدسم الروحي» الذي تشكّله «السيدة» في هيكل الذات اللبنانية، لبقي لدينا في أحسن الأحوال هيكلٌ خَرِب.. ذاتٌ بلا روح… 

هكذا يعتبرها «لبنانيّوها…التميمة والعَلَم والرمز والتسامي المكثّف لكل ما يتمنّون أن يكونوا عليه. وهذا، على غرابته، يبدو مفهوماً من شعب اختلف في كل شيء تقريباً وعلى كل شيء، ولم يتفق يوماً ويبقى ويستمر متفقاً، إلا على حبّه لفيروز وتمجيده لها وتنزيهها عن كل ما لا يليق بملاك. والحال فإن هذا الحب الذي يوحّد العاشق بالمعشوق، لم يفتح دائماً أبواب التميّز والأقحوان. فقد عرف «الفيروس اللبناني» كيف يتسلل إلى هذه الصورة الراقية والتي يُفترض أنها منيعة، وحاول، كما كل جرثومة، أن يعيش على حساب مضيفه في سبيله إلى قتله. ولأنها فيروز، ارتد الفيروس خائباً، إنما ليس من دون أن يترك ندوباً في الروح. فاللبنانيون عموماً، وبقدر ما يتفقون على تولّههم بفيروز، فهم كذلك يبالغون في محاولاتهم الاستحواذ على رمزيتها، و«تناتش» هذه الرمزية، مع سعي محموم لتجييرها وتوظيفها في صالح عشرات بل مئات بل آلاف وجهات النظر المتقابلة المتدابرة المتخالطة المتنافرة… والتي تشكل في دويّها ما يمكن (وينبغي) تسميته بـ «الشعوب اللبنانية» الملزمة بأن تتكابد في بلد واحد.

ومثلما ينبغي لأبطال الأساطير العُليا، تخرج فيروز دائماً من كل الصراعات حولها، نظيفة تماماً من كل انتساب وانتماء إلى غير الإنسان الذي خلقه الله على مثاله. وهذا ما يُحسب لفيروز الأرقى من يوميات المتنافسين على احتضانها بأنانية شاحبة. 

لم تكن فيروز يوماً عروبية متشددة ولا مسيحية محافظة، لكنها كانت نجمة العروبة وعنواناً لتبتّل المسيحية وآية لسماحة الإسلام. ومن خلال كل ذلك كانت تنظر إلى لبنان وتحبه وتخاف عليه. فهي غنّت للبنان، للجيش، للبطولة، لفلسطين، للثورة، للعشق الطري وللطفولة البريئة، وكانت دائماً تغنّي للأرض وللإنسان في كل زمن ومكان. وكان أتباع ومناصرو كل الأرياح المتصارعة في البلد يحكّمونها على ذائقتهم الموسيقية- الغنائية، ويتوسمون في شدوها الخير والفلاح، ويبحثون في ترانيمها عن خلاصهم… حتى من خطاياهم. وفي كل تراكضها اللّيّن على شغاف القلوب، لم تترك لأحد أي فرصة لتأطيرها ضمن توجّه محدد، أو لطبعها بطابع سياسي أو إيديولوجي أو ديني أو ثقافي بعينه، فبقيت دائماً، وما تزال، فوق كل التصنيفات، من دون أن تعادي أحداً، تماماً بقدر ما كانت ولما تزل النغمة التي لا يستيقظ صباح من دون ترنيمها، كأنها سيدة الضياء وكل يوم ناهض. 

وكما يبالغ اللبنانيون في محبتهم لفيروز وفي توصيف تقديرهم لفنّها، يبالغون أيضاً في إغفال بقية مكوّنات الشخصية الفيروزية، المتمثلة بالكلمة وبالموسيقى. ولعل هذا العشى الهوَسيّ هو ما يدفعهم إلى الانتقاص أحياناً من «سيادة» اللحن الرحباني الذي كان له الفضل البارز في إطلاق صوت فيروز، أي إطلاق فيروز، أولاً وأساساً. فالأغنية التي صنعت مجد السيدة، لم تخرج من حنجرتها هكذا عارية إلا من زفير الرئتين، بل صدحت (بالصوت العذب الذي لا يوصف) بالكلمة الموهوبة وبالشعر العذب. وجاء ذلك كلّه في كُلٍ فنّي جذّاب يترنّم فيُطرب القلب والروح والذوق والأذن والكيان، ويبني في الذات هيكلاً للفرادة الحميمة.

سحر «الأخوين رحباني»الحقيقة التي باتت اليوم واضحة كأمطار كوانين تؤكد أن الموسيقى الرحبانية لم تكن استمراراً لقبلٍ كان، ولا تواصلت إلا مع مستقبلٍ فاتن، فجاءت جديدة في زمانها، مُبتكرَة مغناجة وغير مسبوقة، ولا سيما في توليفها الإبداعي بين عناصر شتى لم يسبق الأخوين رحباني إلى توليفها أحد من قبل بهذا الشكل والشخصية. لم تكن الموسيقى التي ميزّت الشخصية الفنية الفيروزية، أيّ موسيقى. كانت فتحاً موسيقياً في زمانها، وما تزال. ومن المنصف القول هنا، مع التأكيد، بأنه لولا عبقرية «الأخوين رحباني» الموسيقية، وتلك الألحان التي تحاكي شغاف القلوب، لما كانت فيروز التي نعرفها، كما هي اليوم على الأقل، ولربما أنها ما كانت بالمرّة. وتدعم هذا الرأي عبقرية الشعراء الذين رفعوا قصائدهم إلى مصاف غنائها، ليجتمع الثلاثي الساحر صوتاً وكلمة ولحناً، ويفتح صفحة جديدة مشرقة في كتاب الغناء العربي. وهذا لا يحصر حقيقة وقيمة شخصية فيروز بالصوت فقط، بل إن هذا الصوت، على روعته وفرادته، كان الجزء المسموع من الشخصية الفيروزية، وإن لم يكن كامل هذه الشخصية بكل تنوّعها وغناها. فهذه المرأة كانت وطناً بمعنى ما، هكذا كان صوتها وغناؤها وإطلالاتها. وحين تكون غائبة عن النظر، فهي تكون بمثابة التغطية الإلهية للإيمان وغنى الأنفس المكتفية بها.

يطيب للبعض القول على سبيل المديح إن فيروز لم تُطلق ولا أغنية جديدة لها خلال الحرب اللبنانية، بل يذهبون إلى درجة القول إنها رفضت الغناء خلال تلك الحرب. والحقيقة هي أن السيدة لم تغنِّ فعلاً خلال الحرب، حيث كانت الظروف لا تسمح لمثل هذا النوع من الأنشطة. فضلاً عن ذلك يهمس المقربون منها أن فيروز لم تكن أبداً صاحبة مواقف سياسية، لكنها كانت دائماً تخاف على لبنان، وكانت لا تنام الليل عندما تتأزم الأمور. وطالما الحال كذلك، فكيف لمن تخاف على وطنها ولا تنام الليل حين يُضام، أن تغني تحت هكذا ظروف؟ وإلى ذلك، فكيف تغنّي والناس حولها منقسمون، وهي معهم جميعاً وفوق كل الأطراف والملل والجماعات والطوائف. 

تبقى حقيقة ثابتة: فيروز ما كانت لتغدو كما هي في تألقها الراهن وفي المرتبة التي تتبوّأها اليوم لولا «تعويذة» الأخَوَين رحباني. هذه حقيقة لا يصح ولا يمكن القفز من فوقها أو التقليل من أهميتها. فالوقود الذي أطلق القمر الفيروزي كانت من جملته عبقرية عاصي (الذي صار زوجها) ومتابعة منصور (شقيقه). ولئن تخلّدت أعمال الأخوين بفضل تميّز فيروز صوتاً وإحساساً وأداءً، وبفضل روعتها وفرادة صوتها وعذوبته واستثنائيته، إلا أن ذلك كلّه لا يعني إغفال أُعطيات الأخوين رحباني، هذه الأعطيات المجيدة التي بنت في الجبين كل تلك العوالم الرحبانية الآسرة، والتي باتت معبّرة بطريقة ما، عن لبنان العالم الرحباني الجميل، أيام «البحبوحة» والطفرة المالية والأحلام الكبيرة… هذا الـ (لبنان) الذي يتبيّن اليوم أنه، ويا للأسف، كان مسرحية جميلة في المخيلة الرحبانية، ولم يكن في الواقع وعلى الأرض أكثر من «مملكة من قش» تنتظر أول عود ثقاب.

.. ومع زيادجاءت الأغاني الرحبانية التي أطلقتها فيروز بسيطة التعبير وعميقة التأثير، مع موسيقى جديدة وعميقة التأثير، وتنوّع غني وجذّاب. قدم الأخوان رحباني مع فيروز المئات من الأغاني ومجموعة من المسرحيات أحدثت ثورة في الموسيقى وفي الفن المسرحي العربيين. تميّزت أغنيتها بقصر مدتها وطلاوة معانيها، في حين كانت الأغاني السائدة طويلة وجامدة.

رحل عاصي واضطربت العلاقة مع منصور. قال عارفون إنه انتهى كمبدع مع رحيل عاصي معتبرين أن عاصي كان هو نفسه «الأخوين رحباني». لم تنبس فيروز ببنت شفة. قيل الكثير، لكن «الملكة» ظلّت على ذهب صمتها الكبير. هاجمها بعضٌ من طرف منصور، وهاجمها بعضٌ آخرون، وظلت على صمتها «يا جبل ما تهزّك ريح». أخيراً ابتلع المهاجمون ألسنتهم وصمتوا، وعادت فيروز تغني، هذه المرة تحت إدارة ابنها زياد… الذي طرّز شخصية غنائية- شعرية- موسيقية جديدة للسيدة، لاقت استحساناً وحماساً واسعين، مُلقيةً الضوء على ما أسماه النقاد «عبقرية زياد الرحباني». مع زياد تغيّرت اللهجة الفيروزية لتماشي جيل الشباب أكثر، لكنها لم تخرج من البدن الرحباني الجذّاب. كثيرون رأوا أن فيروز «وُلدت» من جديد مع زياد، لكن الأقرب إلى الواقع أن فيروز – زياد ليست سوى التجلي العصري لفيروز إياها، الرحبانية التي بأكثر من لون، كلّها جميل وأنيق ويستحق الاحترام. لم تغيّر الشهرة والنجومية فيروز. تطلّ اليوم على الثمانين من عمرها (مولودة في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1935) وما برحت هي نفسها، نهاد وديع حداد، الفتاة الخجولة بلا وجل، التي يملأ الخفر سلوكها من دون أن تنقصها صراحة الجرأة وفضيلة التواضع. مرّة قال أنسي الحاج إن «في صوت فيروز، فوق الجمال والبراعة، «شيئاً أكثر».. هو العامل الغامض الذي لا يستطيع أحد له تفسيراً، والذي سيظل يحيّره، كما يظل كل «شيء أكثر» في الخليقة يحيّر العقل والتحليل».

لعل العاشق الراحل أصاب في قوله ما عجز الآخرون عن تشخيصه، فهذه «الشيء الأكثر» هو حاضن السرّ الفيروزي وروحه التي لا تموت.

* الاتحاد

شاهد أيضاً

دور الدراما في تمكين اللغة العربية الفصيحة ونشرها

*زياد أحمد سلامة     يتصور الكثير من الناس أن التحدث باللغة العربية الفصحى بطلاقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *