الرئيسية / إضاءات / في ذكرى رحيله الـ41 .. لماذا كان طه حسين عظيما؟

في ذكرى رحيله الـ41 .. لماذا كان طه حسين عظيما؟


*إيهاب الملاح

في ذروة احتدام القتال على الجبهة أثناء حرب أكتوبر 1973، توقف قلب طه حسين، الرائد والمعلم، وقد رثاه حينها رفيقه الكاتب الكبير توفيق الحكيم قائلا: «لقد فارقت جسده الحياة بعد أن فارق اليأس روح مصر».في الثامن والعشرين من أكتوبر الحالي، تحل الذكرى الحادية والأربعين لرحيل الأستاذ العميد، الدكتور طه حسين، مؤسس النهضة الأدبية الحديثة، وواضع بذور العقلانية والتفكير النقدي في ثقافتنا العربية المعاصرة، وأحد الكبار الذين حملوا عبء الحلم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية الحديثة.

كان طه حسين رجلا متعدد النواحي والمشارب والوجوه، فهناك طه حسين «مؤرخ الأدب» الذي ترك عشرات الكتب التي مثلت في حينها ثورة حقيقية في مناهج درس الأدب العربي ونقده وتأريخه على السواء. وهناك طه حسين «المؤرخ» بألف لام التعريف، الذي كتب عن «الفتنة الكبرى» (عثمان، وعلي وبنوه) وحلل جوانبها السياسية والاجتماعية في بحث عميق متفرد.
وهناك طه حسين الرائد في مجال الإبداع الروائي والقصصي، الذي راد الطريق أمام الناشئة وشباب الكتاب وشجعهم على ارتياد الأرض البكر دون خوف، فكتب «دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض» و«أديب». وهناك طه حسين، الأستاذ الجامعي، الأكاديمي المرموق، الذي تخرجت على يديه أجيال وأجيال، منهم من أصبحوا أساتذة كبارا وأعلاما مرموقين على اختلاف تخصصاتهم العلمية ومجالاتهم البحثية، وهم الذين تأثروا بآرائه وأفكاره ومنهجه، ومجسدين أسمى قيم وأشكال «العلاقة بين الطالب والأستاذ» دون خنوع أو تسليم، بل فهما واستيعابا وتمثلا، نقدا وتطورا وتجاوزا.
«صائد المواهب».. وصانع «المؤسسات البشرية»
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا عند هذا الجانب المحوري في سيرة ومنجز طه حسين، وهو جانب الأستاذ الأكاديمي الرصين الذي مارس البحث العلمي والتدريس الجامعي لما يزيد على نصف القرن، تخرجت خلالها أجيال، عشرات المئات من الطلبة الذين احتلوا مواقعهم في مجالاتهم المختلفة.
أما اللافت بشدة، ويستحق البحث والدراسة، فهو كثرة وتميز عدد التلاميذ الذين أصبحوا فيما بعد «أعلاما بارزين» يحملون مشاعل النور والمعرفة في الحياة الثقافية المصرية والعربية على السواء، كان طه حسين شديد الحساسية تجاه «الموهبة الفردية»، يتشمم النجابة ويستشعر ملامح التفوق والنبوغ في من يقابله من الطلاب الجدد المقبلين على الدراسة الجامعية، عقب انتهاء دراستهم الثانوية الأساسية (البكالوريا حينها).
وقد لا يعرف الكثيرون أن طه حسين هو الذي اكتشف وساعد وشجع أسماء بحجم.. سهير القلماوي ومحمد مندور ولويس عوض وعبد الرحمن بدوي وشوقي ضيف ومحمد كامل حسين ومحمود علي مكي وأحمد هيكل وناصر الدين الأسد وإحسان عباس وشكري الفيصل.. وعشرات غيرهم في مصر وخارجها على استكمال دراستهم الأدبية والتخصص فيها والحصول على درجاتهم العلمية العالية من جامعات أوروبا المختلفة.
عشرات القصص والوقائع التي رواها تلاميذه في مقدمات أعمالهم، أو من خلال إهداء كتبهم ومؤلفاتهم الأولى للأستاذ العميد، أو في أحاديثهم وذكرياتهم لاحقا بعد أن تبوؤا مواقعهم في الجامعات والمراكز البحثية المرموقة، رووا عن الجانب المضيء المشرق من العميد وإن شابته قسوة أحيانا، وصرامة في أغلب الأحايين، والغربة في استفزاز الملكات الفكرية والعقلية لهؤلاء الطلاب المتفوقين في كل حين.
لم تكن رعاية طه حسين لطلابه الموهوبين قاصرة على أبناء قسم اللغة العربية وآدابها، بل كانت تشمل أبناء كلية الآداب من جميع الأقسام، فهو الذي أشرف على رسالة عبد الرحمن بدوي التي تقدم بها إلى قسم الفلسفة لنيل درجة الدكتوراه عن (الزمان الوجودي).
وهو الذي استشرف مبكرا نبوغ وتفوق الطالب محمد مندور الذي تقدم بأوراقه إلى كلية الحقوق وكان طه حسين ضمن أعضاء اللجنة الممتحنة لاختبار الطلاب شفاهيا وتوزيعهم على الكليات والأقسام المختلفة. رأى طه حسين في محمد مندور الطالب الصغير المتفوق الذي لم يكن قد وصل بعد إلى العشرين من عمره «موهبة أدبية» و«عقلية» فيها ذكاء ونبوغ وفضول كبير إلى المعرفة، و«استخسر» طه حسين أن يضيع هذا التلميذ المتفوق من أجل عيون الدراسة القانونية والوجاهة الاجتماعية.
ولذلك بذل طه حسين جهدًا كبيرًا في إقناع مندور بأن يكون طالبًا في كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ولم يمانع طه حسين في أن يبقي مندور طالبًا في كلية الحقوق أيضًا، مادام مصممًا على دراسة القانون، وكانت الجامعة لا تمانع في أن يجمع الطالب بين كليتين في وقت واحد ما دام قادرًا على ذلك. وقد وافق مندور على ما طلبه طه حسين، ودرس في الكليتين معًا، وكان ترتيبه الأول عند التخرج في كلية الآداب، كما كان ترتيبه الخامس على كلية الحقوق، مما يدل على صحة تقديرات طه حسين، لأن تفوق مندور في «الآداب» كان سابقًا ومتقدمًا على تفوقه في القانون.
وهنا لا بد من كلمة موجزة عن وضعية كليتي الآداب والحقوق في الجامعة المصرية (جامعة القاهرة) في ذلك الزمن البعيد.
يذكر المرحوم رجاء النقاش في مقال له أنه عندما أصبحت جامعة القاهرة «جامعة رسمية حكومية»، كان من أهم كلياتها وأكثرها نشاطًا وبريقًا كليتان أساسيتان هما: الآداب والحقوق. وكان نجم كلية الآداب الساطع هو الدكتور طه حسين الذي كان في ذلك الوقت في السادسة والثلاثين من عمره، وكان عائدا لتوه من أوروبا بعد أن نال درجة الدكتوراه من السوربون.
وكان طه حسين يريد لكلية الآداب أن تكون مثل كليات جامعة «السوربون» المضيئة المتلألئة، والمعروفة بحسن سمعتها العلمية والفكرية في العالم كله، ولذلك فقد أراد طه حسين لكلية الآداب أن تحتضن أنبغ الشباب من طلاب مصر، فكان يسعي بنفسه لاكتشاف هؤلاء الشباب وإقناعهم بأن يدخلوا كليته العزيزة عليه والحبيبة إلى قلبه، وهي كلية الآداب، وكان اهتمام طه حسين منصرفًا في البداية إلى قسم «اللغة العربية» على وجه الخصوص، فقد كان يريد أن يجعل من هذا القسم أداة لتحرير الأدب العربي من حالة الجمود التي كان يعاني منها، وكان يسعى إلى إدخال المناهج الأوروبية الحديثة إلى ميدان الدراسات الأدبية العربية، وبذلك يمكن للأدب العربي أن يخرج من إطار المناهج التقليدية. وقد لجأ طه حسين إلى اختيار بعض الأساتذة المتميزين وإقناعهم بالعمل في كلية الآداب، فهو الذي اختار أحمد أمين الذي كان قاضيا شرعيا، وأقنعه بأن يصبح أستاذًا بكلية الآداب، فخلع الشيخ أحمد أمين العمامة ولبس الطربوش، وأصبح من أهم أساتذة كلية الآداب في تاريخها منذ نشأتها إلى الآن.
علي أن طه حسين كان يمد بصيرته إلى أبعد من ذلك، فأخذ يسعى إلى أن يضم إلى كليته عددًا من الطلبة المتميزين، أملاً في أن يصبح هؤلاء بعد سنوات قليلة جيلاً جديدًا مؤثرًا على ساحة البحث والدراسة والتفكير في الأدب العربي وفي الثقافة العربية بصورة عامة. وكان طه حسين، وهو في عز نضجه وقوته آنذاك، يحلم بأن يكون للأدب العربي نهضة كبرى تنقله من حدوده القديمة وتنطلق به إلى آفاق عصرية جديدة متفتحة.
محمود علي مكي.. بين غضبة العميد ورضاه
وأذكر فى هذا الصدد أنني سألت أستاذي الجليل المرحوم محمود علي مكي أستاذ أساتذة وشيخ وشيوخ الأدب والحضارة الأندلسية في الجامعات المصرية والعربية والعالمية، في العام 1999 قبل تخرجي بعام واحد، وقبل اعتزاله التدريس الجامعي بعدة سنوات: هل كنت ترغب في هذا التخصص الذي أصبحت فيه أحد أعلامه الكبار أم كان لك رغبة أخرى؟، فأجابني قائلا: وهل هناك أحد يرفض للعميد يقصد طه حسين طلباً؟ وروى لي المرحوم مكي هذه الحكاية الدالة.. وشرع يقول:
بدأ اهتمامي بالدراسات الأندلسية في الحقيقة قبل أن أعرف شيئاً عن الأندلس أو أفكر في أنني سوف أطأ تلك البلاد في يوم من الأيام، لكن البداية الحقيقية بدأت بعد تخرجي من الكلية، وعندما تخرجت فيها وكنت في قسم الامتياز، وهو قسم خاص بالطلبة المجيدين، كان معي فيه طالبان أحدهما فتاة والآخر هو الدكتور إحسان عباس، وقد تخرجنا معا سنة 1949.
وفي صيف تلك السنة تم الإعلان عن بعثتين إلى باريس الأولى خاصة بالفيلولوجيا والثانية باللغات السامية، وقد تقدمتُ لاجتياز المباراة في البعثتين، وحصلت على تقدير امتياز فيهما معا لذا كنت أظن أنني جدير بالبعثتين لا بواحدة فقط. لكن بعد أسابيع، وكان الدكتور طه حسين قد تولى وزارة المعارف، طلعت لائحة طلبة البعثتين ولم أكن ضمنهما، وأن الذي تم اختياره مكاني هو زميل كان المجموع الذي حصل عليه أقل من ذلك الذي حصلت عليه.
وقد أثار ذلك غضبي، ودفعتني حماسة الشباب آنذاك لأبعث برسالة إلى طه حسين، بصفته الشخصية وبصفته وزيرا، أعبر من خلالها عن استنكاري الشديد لهذا القرار، الذي وصفته بالظالم والمتحيز.
وأرسلت نسخة من الخطاب إلى أهم صحيفة للمعارضة في ذلك الوقت، وهي أخبار اليوم. طبعاً لما كتبت الرسالة كنت أعتقد أن ذلك مجرد صيحة في واد، لأنه من يستطيع أن يهتم بكلام شاب في بداية حياته ينتقد فيها ذلك الجبل الشامخ الذي هو طه حسين. لكن المفاجأة أن الصحيفة نشرت الرسالة كاملة وعلى ستة أعمدة وتحت عنوان مثير هو: «جامعي متفوق يقول لوزير المعارف هل يجب أن أكون قريباً أو محسوباً».
وبعد أسبوع واحد من ذلك، كانت هناك مفاجأة ثانية، وتتمثل هذه المرة في برقية تلقيتها من وزير المعارف طه حسين نفسه، يدعوني فيها لمقابلته، وفعلا طربت لذلك وذهبت وكلي تفاؤل، بحيث اعتقدت أنه استدعاني لينصفني.
لكن الغريب والمفاجئ أن الدكتور طه حسين استقبلني في مكتبه بوجه متجهم وخاطبني بعنف قائلاً: «هل تتحمل تبعة ما كتبت؟ وهل هذا هو الأسلوب الذي يخاطب به أمثالي؟»، في تلك اللحظة أحسست أن كل آمالي وأحلامي تبخرت، وبما أن الأمر كذلك، قلت لنفسي لن أخسر أكثر مما خسرت إن أنا واصلت التحدي، لذا قلت له: «يا معالي الوزير أنا لست فقط أتحمل تبعة ما كتبت وإنما سوف أرفع عليكم وعلى وزارة المعارف كذلك قضية في مجلس الدولة»، وكان ذلك المجلس قد أنشئ لمحاسبة الوزراء.
والغريب أني لم أكد أنطق بهذه الكلمات حتى انفجرت أسارير طه حسين وضحك وقال لي تعال يا فلان، وأخذني إلى ركن في مكتبه وحادثني بشيء من الانبساط الذي لم أره في أول المقابلة، وأخبرني أنه اطلع فعلا على ملفي، وأنه بصدد إعداد بعثة أخرى سيرسلني ضمنها.
ولم يكد يمضي أسبوعان آخران حتى استدعيت من جديد إلى مكتبه، وهناك التقيت لأول مرة بستة شبان آخرين سوف يرافقونني في البعثة. والواقع أن إرسالنا إلى إسبانيا كان مفاجأة، فالبعثات كانت ترسل إلى إنجلترا وفرنسا وبنسبة أقل إلى ألمانيا.
هذه الحكاية المثيرة، وهناك غيرها العشرات رواها أصحابها الكبار في مناسبات مختلفة وكتب عدة، كافية لتؤكد أن العبقري المفكر طه حسين كان يرى في كل طالب اتجاهه الفكري والسياسي، وكان يقوم بتنشيطه ويحسن توجيهه ومساعدته واستنفار ملكاته وقدراته ليأتي بعدها بالعجائب بحثا وتأليفا ترجمة وتحقيقا تدريسا وإشرافا.
بين العميد.. وناصر الدين الأسد
أما وزير الثقافة الأردني الأسبق، والأكاديمي البارز الدكتور ناصر الدين الأسد، فقد ارتبط روحيا وفكريا ووجدانيا بطه حسين أيما ارتباط، فهو الذي أشرف على رسالته القيمة «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية»، ولقد كشف ناصر الدين الأسد جوانب من هذه العلاقة القوية في مقدمة «مصادر الشعر الجاهلي»، وكان يرى بل يؤكد أن رسالته للدكتوراه إنما كانت‏، ‏بطريقة ما‏، من وحي طه حسين‏.‏
وحين ألقى الدكتور ناصر الدين الأسد كلمة ضيف الشرف في جلسة افتتاح المؤتمر الذي انعقد بجامعة المنيا في عام 1989‏، ‏ بمناسبة مئوية طه حسين، وقف شيخ الدراسات الأدبية وتاريخ الأدب بالأردن كثيرا عند تلك الصلة‏، ‏ وأخذ يستعيد من ذاكرته باستمتاع شديد‏، ‏ وكان مما قاله‏:‏ «وكيف لمن كان مثلي أن ينسى هذا المعلم الجليل‏، ‏ الذي أسبغ عليّ من رعايته‏، ‏ وأوسع لي من وقته‏، ‏ وفسح لي من مجالسه‏، ‏ ما سيظل ملء نفسي وعقلي‏، ‏ فمن خلال كل ذلك أتاح لي أن أنهل من معين علمه وأدبه وظرفه»‏.‏
ناصر الدين الأسد إذن هو امتداد لطه حسين‏، ‏ خارج مصر، ولكنه امتداد صحي‏، ‏ يضيف ولا ينقل‏، ‏ هو منه ولكنه غيره‏، ‏ تماما كالصلة بين الاب والابن‏، ‏ أو كالصلة بين الأستاذ وتلميذه‏.. وهي نعم الصلة والرابطة والعلاقة.
ويبقى السؤال: أين نحن الآن من العميد طه حسين ومن تلاميذه الكبار؟!
_________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

فرجينيا وولف ورسالة الانتحار

(ثقافات) إبراهيم أبو عواد      وُلِدت الروائية الإنجليزية فرجينيا وولف ( 1882_ 1941) في لندن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *