الرئيسية / قراءات / سفر في المدى .. ناصر الدين الأسد

سفر في المدى .. ناصر الدين الأسد



*فيصل غرايبة

( ثقافات )

تقدم (مي مظفر) لنا في كتاب من كتبها شخصية ذات أبعاد، فتأخذ في تناول كل بعد لتعكس أن هذه الشخصية قد تفاعلت فيها تلك الأبعاد، وأصبحت كلا واحدا يغذي بعضه بعضا، ويقوي كل بعد منها البعد الآخر، ف(مي) تتحدث عن ناصر الدين الأسد الطالب المجد، الذي يعتمد على ذاته لا في تحصيله العلمي الذي كرس حياته له، ولكن في كده الحياتي وتأمين نفقات عيشه ودراسته، وهو في النهاية يحرز التفوق في التحصيل والنجاح، ويبرز في النشاط الطلابي بمختلف ألوانه أيما بروز.
وتتحدث عنه ذلك (الشاعر) المبدع، الذي تتفجر عنده الوطنية الصادقة والعاطفة الجياشة، قصائد واضحة المعاني مكتملة الصورة، واسعة الخيال، ملامسة للواقع، عاكسة عما يختلج في النفس، وما يداعب القلب والوجدان، يشارك فيها في التعبير عن مواقفه الوطنية في مقاومة الاستعمار والصهيونية، أو ينبري فيها للتعبير عن مشاعره النبيلة والتزامه الواضح تجاه الأصدقاء والزملاء والأقران…الأمر الذي عبر عنه في احدى كتاباته بقوله:(ولا تكون القصة أو القصيدة أو المقالة فنا صافيا الا حينما تصدر عن الوجدان وحده) .
وتتحدث عنه(الباحث)المتعمق المتبصر المتأمل السابر في الأغوار،الباحث عن الجذور، ليتماشى مع الساق، حتى يلمس الثمار والأزهار، ويعلل وجود ما أثمر ويبين سر ما أزهر،حتى انه في أطروحته للدكتوراه،وحين شرع في كتابتها، نحى جانبا كل ما قيل أو كتب سابقا من الأحكام على الموضوع، واتخذ من النصوص ذاتها شاهدا أساسيا على صدق وجودها، فما ترك صغيرة أو كبيرة الا اتى على ذكرها يمحصها ويقلبها بين يديه، ليستكشف معانيها ،وهو قد ترك الباب مفتوحا لمن يريد استكمال هذه الرحلة في رمال الجزيرة العربية، واستكشاف المزيد من جوانبها، التي ما تزال في انتظار من يزيل عنها غبار الزمن.
وتتحدث عنه(المؤسس)المنظم الذي ينبري لاقامة المشروعات الكبرى، فيرود قيامها ويقتحم المصاعب ويواجه التحديات، ليصنع ما لم يصنعه غيره، ويبني ما كان يحلم به الكثيرون،على أرض الوطن ومن أجل أبناء الوطن، فهو الرئيس المؤسس للجامعة الأردنية، والوزير المؤسس لوزارة التعليم العالي في الأردن،والرئيس المؤسس للمجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية(مؤسسة آل البيت)، ووكيل الأدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، والتي تطورت الى المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بالأضافة الى مسؤوليات قيادية أخرى،سفيرا وعضوا في مجلس الأعيان وعضوا في مجامع ومجالس علمية عربية ودولية.
وتتحدث عنه اللغوي القويم المتين، الذي يشكل مرجعا للآخرين وحجة في الكلام العربي المبين، وليعيد قراءة ما مضى، ويكتب الأسطر من جديد، بلغة الوصل بين الماضي والحاضر، وبمحاكاة الأصالة للمعاصرة، وبتجديد الأفكار التي استبد بها الأعتقاد الخاطىء أو الوهم الخادع، وبتسليط الأضواء على تراث كان منسيا عند البعض، أو كان مجهولا عند الكثيرين … وتقول أنه يقرأ ملامح تلك الحضارة، بروح المحبة التي تعلم أن يكتب من خلالها معرفته، فيعيد ما قرأ ويعرض ما خبر بأسلوب بليغ مسترسل. 
وتتحدث عنه الأجتماعي الذي لا ينقطع وده مع أحد، ولا ينتهي وفاءه لأحد، يؤكد الوفاء لمعلميه وأقرانه وزملائه، ويبادل الود أحبته ومريديه وأصدقاءه. وتتحدث عنه السياسي الذي يمثل بلاده على الصعيد الدولي وفي المحافل الدبلوماسية، والذي يدافع عن شرف الأمة وعزتها، في كل مؤتمر وحلقة ولقاء،ويعمل من اجل ثقافة الأمة وحضارتها وتراثها في كل زمان ومكان. وهي تستشهد على ذلك بدوره كسفير وكمدير في جامعة الدول العربية ومنظماتها المتخصصة ومجالسها ولجانها ومجامع اللغة العربية وسواها من المجالس العلمية.
ذلك هو الأستاذ الدكتور ناصر الدين الأسد، الذي تناولت السيدة مي المظفر نشأته وتعليمه وابداعه وفكره وجهوده وحركته ومبادراته في كتاب صغير الحجم، عميق القاع، متباعد الأطراف،سلس الألفاظ، جميل التعابير، حمل عنوان(سفر في المدى .. ناصر الدين الأسد.ملامح من سيرته وأدبه) .. صدر في الربع الأخير من عام 1998 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. 
يتألف الكتاب من 155 صفحة من القطع الصغير، يضمها غلاف جميل يعبر عن الهدوء والوقار الذي يتحلى بها الشخص الذي يتحدث عنه الكتاب، والذي تزينه أيضا صورة ذلك الشخص الوقور ناصر الدين الأسد.
يعكس الكتاب الاجادة التامة للصياغة في كتابة المؤلفة، ويدل على أن صاحبته ذات ذهن صاف،لا ينبهر بالكلمة تبعا لجمالها الظاهري، ولكنه يقدر في الكلمة جمال المعني،لا بل عمقه ومغزاه،ويدل على ان المؤلفة قد تمعنت تمعنا عميقا في فكر الأسد،من خلال قراءتها بدقة وعناية، لما كتبه وما يتحدث به، وما ألفه وما حرره وما صرح به.. وهو غزير وافر.
استطاعت مي بلباقة واضحة وبراعة فائقة، أن توجز الفكر الواسع والممتد،وتلخص التجربة الثرية والطويلة، بين دفتي كتاب خفيف الظل، ممتع القراءة،يسهل على الجميع قراءته،وقبل هذا وذاك يمتع القارىء ويشده اليه، حتى اذا ما انتهى من قراءته يحس بأنه قد فقد شيئا، وذلك للوهلة الأولى،ولكنه لا يلبث أن يشعر بانه قد خرج بحصيلة فكرية ومدخرا أدبيا،ويجد نفسه انه قد سافر على المدى، مع هذا الانسان المفكر الكبير.
أما المؤلفة مي المظفر، فقد كان الكتاب اضافة جديدة وحديثة لأنتاجها الثقافي، تجسد اهتمامها الملوس ومتابعتها الحثيثة للأنجاز الثقافي، نأمل ان يتوالى على هذا المنوال، ليعرف الانسان العربي أن في وطنه مقومات شتى للأبداع، وأن أمته تحتضن افذاذا تنير أفكارهم الطريق دائما، وتدل عليهم أعمالهم في كل حين، وتبقى سيرتهم العطرة على الألسن، ومودتهم في القلوب، وتظل انجازاتهم شاهدة على عطائهم الموصول، وأهدافهم النبيلة من أجل مستقبل الأمة وغد الأجيال.

شاهد أيضاً

منجد صالح هو الأسلوب نفسه

فراس حج محمد لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يعرف به، وربما من أجل ذلك كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *