الرئيسية / مقالات / سحر المرأة الساردة

سحر المرأة الساردة


*خليل قنديل


كلما قرأت كتاباً ممهوراً بتوقيع امرأة واكتشف أنه يشتمل على قدرة هائلة بفنون السرد وتجلياته، فإنني، وكعادتي، أساق مدهوشاً بسحر السرد المتدفق أصلاً من ينابيع أسطورية تتبع الأم الكهفية الأولى التي كانت ترسل أبناءها إلى النوم، ذاك السحري بعيداً عن رعب الأدغال وغيلانها، وتمنحهم الأمان الأرضي عن طريق فن السرد الأخّاذ!
إنها هدهدة كوكبية اختصت بها الأم المتصلة بإمكانات الجدّة الكهفية، وعليه فإن المرأة الكاتبة، أو الساردة، تمتلك إمكانية هائلة في التنقل ما بين العصور والأمكنة بخفة نادرة وعميقة.
ربما هذا ما ينطبق على الروائية التركية أليف شافاق في روايتها الوعرة «قواعد العشق الأربعون» الصادرة عن دار طوى، وترجمة خالد الجبيلي.
وفي المتن الروائي نلحظ أن المؤلفة اختارت موضوعاً لا يخلو من التعقيد والإشكاليات الوجودية، وهو موضوع «المتصوفة»، حتى إن اختيارها لرمز صوفي مثل جلال الدين الرومي لا يخلو من براعة اقتناصية لمثل هذه الشخصية المجددة في الفكر الصوفي، وهي لا تتوقف عند هذا، بل تضيف شخصية أخرى أكثر توهجاً وهي شخصية الدرويش شمس الدين التبريزي. بين شخصيتي جلال الدين الرومي صاحب الفقه الصوفي الذي يكاد يكون سماوياً، وشمس الدين التبريزي الذي يبحث عن حالة اتصال يقينية بين السماء والأرض تحدث كهربة الرواية بالرؤى المدهشة!
إن سحر المرأة الساردة يبدأ بالتجلي منذ الصفحة الأولى في الرواية ومنذ اللحظة التي وافقت فيها «إيلا» على أن تكون محررة لبعض الأعمال الإبداعية، ويكون حظها مع مسود رواية بعنوان «الكفر الحلو» لمؤلفها أ.ز.زاهار. ومن هنا تقود العلاقة القارئ إلى العوالم الساحرة في هذه الرواية، والغريب أن المحررة ذاتها تقع في سحر الرواية وسحر شخوصها وهي تقودنا إلى عوالم شمس الدين التبريزي، الدرويش السابح والهائم بالأمكنة والناس، باحثاً عن أبسط السبل في تحقيق المراد في الاتصال، على أمل ان يلتقي الصوفي الأكبر جلال الدين الرومي.
من هنا يبدأ التنقل في الأماكن وكشف المستور عنها، وتنوع الثقافات المتشكلة في مدن إيران والعراق ومصر، وفقه التكايا وهيمنة المدارس الصوفية على تنوعها المدهش!
وتكمن براعة الساردة في تقسيم فصول الرواية إلى أصوات يتحدث كل واحد منها عن نفسه بخلوصية غريبة، بحيث تبدو أحياناً أن مثل هذه الأصوات متفارقة لبعضها، لكن براعة الساردة تجمع كل هذه المفارقات بخيط سحري لا يكاد يُرى، بحيث تظل الرواية محافظة على صلتها وتواصلها بحميمية تؤكد سحر السرد وتجليه، وهي بهذه المغامرة السردية لا تفقد صلتها بالقدرة على ربط الأزمان الماضية بزمننا المعاصر هذا.
إن «قواعد العشق الأربعون» هي الرواية التي تؤكد سحر المرأة الساردة، تلك الرواية التي أبدعت فيها شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»، وتبعتها في ذلك بقية الحفيدات.
______
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية

(ثقافات)   دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية (مقال إستعادي للأديب الراحل عدي مدانات)* …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *