الرئيسية / مقالات / عصر انحطاط يفتح أبوابه ..

عصر انحطاط يفتح أبوابه ..


ماجد السامرائي*
هل نحن اليوم نغذّ الخطى نحو عصر انحطاط جديد؟
لا يخامرني الشك لحظةً في أننا ماضون إليه. ويكفي النظر في حالة التردي الثقافي والانهيار الأخلاقي عند من يقدمون من أنفسهم “قادة سياسة” و”رجال حكم”، لنجد الدليل واضحاً على ما نرى، ونقول. فإذا كان عصر الانحطاط الأول، يوم انهارت الدولة العربية على أيدي المغول قد بدأ بسقوط بغداد، فإن سقوط بغداد ثانيةً بأيدي “المغول الجدد” عام 2003 قد مهّد السبيل لسقوط متلاحق.
وإذا كان ابن العلقمي هو الشخص الفرد الذي مثّل عنوان الخيانة الكبرى، يوم سلّم مفتاح بغداد للغازي المغولي، مساعداً في إسقاط “خلافتها العربية” و”خليفتها العربي”، فإن “ذريّة” هذا الخائن الذي لعنه التاريخ كبرت، وازدادت عدداً وعديداً، متوزعة على غير مكان من أرض الأمة، ومؤدية دور “الأب الأول”، بشكل جماعي في هذه المرّة.
فيوم دخل الأميركان بغداد غازين، فسقطت بأيديهم، كان أن دخل معهم من “الأدلاء” أعداد كبيرة، جمعت مثقفين وسياسيين عراقيين، تمّ إعدادهم لمثل هذا اليوم والمهمة، في دوائر مختصة بإعداد العملاء في الولايات المتحدة الأميركية، فإذا بسلطة الاحتلال توزع هؤلاء “المارينز الثقافي” على ما أسندت إليهم من مهام، في ما تبقى من هياكل كانت مؤسسات قائمة، قبل دخول قواتهم وعبثها بالبشر والحجر. وكان من بين “أحفاد ابن العلقمي” هؤلاء يساريون عُرفوا، في ما كان لهم من ماضي الأيام، بتشددهم الماركسي، وقوميون من دعاة الفكر المناهض للاستعمار بأشكاله كافة، وإسلاميون متدينون، كانوا يقولون إن التعاون مع “الغريب” ونصرته على الوطن وأبناء الوطن يمثّل خيانة وخروجاً على مبادىء الدين وسننه.
وفي المقابل، كان هناك كثيرون لم يتحملوا المشهد، بما ازدحم فيه من الصور، فقالوا: هذا الاستعمار الذي كنا من مقاوميه، ومن ناعتيه بأبشع النعوت والصفات، وخضنا ضدّه حروباً ومعارك، كيف نجد بيننا، ومنّا، من يفعل هذا الذي فعله من حملتهم دباباته عائدين، وبأيديهم مفاتيح المدينة يسعون بها إلى الغازي المحتل. وبعد ذلك، كما يحصل، اليوم، يلجأون إليه طالبين المساعدة لإطاحة حكم مستبد في أوطانهم، وهم يدركون أن لهذه “المساعدة” ثمنها الثقيل الباهظ. ولم يعتبروا مما حصل لمن سبقوهم إلى الطلب المشابه، فرهنوا أنفسهم والبلد لإرادة من ساعدهم، وهم يعيشون، اليوم، حياة التبعية والاستتباع، من بعد أن أسلموا العراق وشعبه إلى ما لم يكن حتى أعداء البلد والشعب يأملون لهما شيئاً من هذا: فبديل أن يمنحوا الحرية والديمقراطية، وقد وعدوا بهما، أشاعوا الفوضى القاتلة، وعوضاً عن أن يحققوا التقدم على الأرض، وللشعب، سحبوا الأرض بما في أعماقها من ثروات إليهم، تاركين نصف الشعب، أو أكثر، تحت خط الفقر… وقد أصاب أحد مفكرينا، حين وصفهم بـ”التنّين” الذي “كلما افترس ضحيةً، اشتدّت شهيته لغيرها”، وها هم يتمددون ويستطيلون، فإذا بهم، كما حال التنين، هم الأصيل ونحن الدخيل. وكانت النتيجة في ما حدث للعراق، ويحدث فيه، من تمزق مجتمعي، وتشتت إثني وطائفي، وخراب ثقافي، وفراغ اقتصادي، فإن بقي شيء منه محتفظاً بالاسم عنواناً، فليس وراء الاسم سوى الفراغ.

ومن هنا، بدأ إنتاج التخلف، وإشاعة حالاته، وقد بدأت العملية باشتراك متزامن بين “المجتمع” و”المؤسسة”، بإفراغهما من أي مضمون ثقافي متقدم، أو إنتاجي متعيّن. ولكي يكتمل “المشروع” بالصيغة التي تم التخطيط له، جرت عمليةٌ منظمة لاستبعاد الكفاءات العلمية بإحدى طريقتين: التصفية الجسدية (الاغتيال)، والتهجير (الإنذار والتهديد بالتصفية)، لأن أقدام العلماء وأصحاب الخبرة والمعرفة كانت ثقيلة على “أرض الواقع الجديد”، فكان لا بدّ من إزاحتها ـ هذا ما تمّ.
ثم بدأت الخطوة التالية: وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، بما يحقق تعطيل كل نتيجة، يمكن أن يحققها العمل، وتشويه النتائج.
هذه الصورة التي أسقطت الأمل باستئناف الحياة والعمل على نحو طبيعي، أثبتت فاعليتها بالنسبة لما يريده المحتل. فلتكن “مثالاً يُحتذى” من قبله، ما دامت تقود إلى الانحطاط، وتفرض السيادة لسنن التأخر، وتجعل من حالات الانهيار الأخلاقي في مستوى الوطن والوطنية حالة طبيعية. فما تمّ في العراق، وأعطى “نتائجه المطلوبة” يجري العمل، اليوم، على نقله إلى سورية التي يوحي المخطط الموضوع لها، والذي يجري تنفيذه في عمليات تدمير منظم بالقوة الأميركية و”اليد الوطنية” هو ما سيحقق “هدف الانتقال” من “الديكتاتورية المستبدة” إلى “العمالة المعتدلة”، وقد أعلنتها أميركا من دون خشيةٍ أو حياء، ولم تُبقِ “سرّاً على سرّيته”، فهي، على ما يبدو، تريد “عملاء مكشوفين” اسماً و”هوية انتماء”، تماماً كما كان الأمر مع العراق وعملائهم فيه.
فهل نقول، وقد قلنا من قبل، إن هذا الذي يجري يفتح الأبواب واسعة لدخول عصر انحطاط جديد؟
نسأل، ونجد أن ما حصل من تدمير في العراق، وللعراق، إن كان “الأرضيّ” منه يحتاج عقداً أو عقدين من السنين لإصلاحه وإعادته، فإن خمسة عقود قد تكون غير كافية لإصلاح البشر مما لحق النفوس من خراب.
فلماذا أرادت أميركا هذا كلّه؟ ولماذا نجد بيننا من يتقبل هذا كلّه، ويرضاه؟


* أديب من العراق
( العربي الجديد )

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *