الرئيسية / مقالات / الثقافة لبناء المجتمعات أو تخريبها

الثقافة لبناء المجتمعات أو تخريبها


*لطفية الدليمي

الثقافة شأن سيادي حقيقي تتزايد أهميته بمرور الزمن في جميع بلدان العالم التي تخصص أعلى الميزانيات للثقافة- ويعمل الوزراء على تنفيذ المشروع الثقافي ورسم السياسات الثقافية لمستقبل أوطانهم – لا عن طريق الأسابيع الثقافية الهزيلة في الخارج ولا عبر المهرجانات والاحتفالات البائسة التي حولت وزارة الثقافة إلى وزارة إعلام تهريجي بسبب وزراء لاعلاقة لهم بالشأن الثقافي – بل باعتماد مشروع ثقافي مدروس واحترام المنتج الثقافي لمثقفي البلاد والاستئناس برؤاهم ومقترحاتهم البناءة للنهوض بالثقافة ومستقبلها دون خضوع لأمزجة القوى والأحزاب المهيمنة ممن لا يقدرون أن الوطن باق وهم مؤقتون .

ونعلم أن ثقافة التشدد سلاح الإرهاب ووسيلته لغزو العقول الهشة الجاهلة والفئات المعوزة واستقطاب الأفراد المتشبعين بثقافة العنف ، ونعلم أن تخريب ثقافة بلد ما هدف الإرهاب الأول ليسهل اجتياح المجتمع وتدميره عبر ترويج ثقافة التعصب والعنف وعندها تكون الثقافة أخطر من ترسانة سلاح وجيش لو افترضنا امتلاكها لقوة المواجهة بانفتاحها على الثقافات الانسانية والاستفادة من تجارب الشعوب وعندها سيتمكن المسؤولون عن إدارتها عبر تبنيهم لمشروع ثقافي ورؤية متبصرة ، التصدي للفكر التكفيري والتحريمي.
ما لا يمكن تجاوزه من الفظائع بحق المواطن هو أن يكون دمه رخيصا و أن لايستقيل مسؤول عندما ترتكب مجازر جماعية أو تستباح محافظات كاملة ولايحاكم المسؤول عن الكارثة ومالا يمكن السكوت عليه – إلى جانب الاستهانة بالضحايا – أن تعد الثقافة طوال 11 عاما من التغيير شأنا غير سيادي من قبل الساسة والمشرعين فتمنح الأولوية في الميزانية لرواتب النواب والوزراء والرؤساء ونوابهم الذين تتضاعف أعدادهم مع كل تشكيل لحكومة جديدة كما تخصص ميزانية كبرى للتسلح وبناء الجيش مع أن وفرة السلاح لم تنجح في ضمان الأمن الاجتماعي وسلامة المواطنين والوطن.
2
سئل الجنرال ديغول عن مغامرته بتعيين الاشتراكي والكاتب الروائي والمفكر اندريه مارلو وزيرا للثقافة في وزارة اليمين الديغولي بعد الحرب العالمية الثانية إثر الدمار الذي لحق بفرنسا بعد الاحتلال النازي فكان رده : ” نحن الآن بحاجة ماسة لوجوده،فهو من سيعيد بناء المجتمع الفرنسي،لأن الثقافة هي الأساس الصلب في عملية البناء ” لقد وعى ديغول خطورة دور الثقافة في بناء الوطن وأدرك أن حرب البقاء بين دول العالم هي حرب ثقافية بامتياز وأن حروب السلاح تكمل ما تبدأه الثقافة فها هي ثقافة التشدد والتطرف الإرهابي للتنظيمات الاسلامية تثبت صحة هذا الرأي بأن ثقافة التعصب التي أنتجتها بلدان بعينها ونشرتها بين فئات معوزة وجاهلة هي التي ساندت اجتياح داعش لبلادنا.
حين أتى ميتيران للحكم أعاد أمثولة ديغول في جعل الثقافة أساسا لحماية مكانة بلاده وصيانتها فسعى للحصول على أكبر ميزانية للثقافة في تاريخ فرنسا عبر ( القرض الكبير ) و حقق مشروعه الأهم في الحفاظ على التراث الثقافي الفرنسي والإنساني أيضا من آداب بلغات مختلفة وفنون ومتاحف وتراث موسيقى وأفلام في أعظم صرح للثقافة وهو المكتبة الوطنية الكبرى في باريس وعمل على ( رقمنة ) التراث الثقافي الغني وحفظه مستقلا دون ان يجرؤ احد على سرقته او تدميره ..
لقد وضع ديغول ومارلو قضية الثقافة كأساس لإعادة بناء المجتمع الفرنسي بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي وفعل ثروت عكاشة الأمر ذاته في مصر حين سعى لتخصيص ميزانية كبرى للثقافة من أجل تجاوز الجمود الثقافي والتعصب بالانفتاح على الثقافات العالمية وصيانة تراث البلد ودعم النشر وتنشيط السينما المسرح والموسيقى والفنون.
 يتبع
________
*المدى

شاهد أيضاً

الثالوث المُبَجَّل

(ثقافات) * حاتم السروي تعود القراءة الآن لتأخذ مكانها ومكانتها؛ فهي أفضل وسيلة للمتعة الهادفة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *