الرئيسية / إضاءات / الفيلسوف جان دورميسون.. «داعش» والتنوير!

الفيلسوف جان دورميسون.. «داعش» والتنوير!


*هاشم صالح

لم يشتهر جان دورميسون، عضو الأكاديمية الفرنسية، بتدخلاته الكثيرة في القضايا العربية.

فالهموم الفرنسية تكفيه وتزيد.
ولكن يبدو أن أحداث الموصل وتهجير المسيحيين من بيوتهم تحت حد السيف والتهديد الصريح قد أثرا فيه فأمسك بالقلم وكتب ما كتب في جريدة “ألفيجارو”.
والواقع أنه وجه نداء الى كل ذوي الضمائر الحية شرقاً وغرباً، لكي يفعلوا شيئاً ما ولا يسكتوا على هذه المأساة المذهلة التي فاجأت الجميع، وإن كانت غير مستغربة من داعش على الإطلاق.
وجاء في ندائه أن الاسلام من أجمل الأديان وأعظمها، ولا يمكن أن يقبل بمثل هذا العمل الشنيع الذي يسيء إلى سمعته بل ويشوهها.
والشيء الملفت في نداء جان دورميسون هو أنه يعتبر داعش أكثر تطرفاً وخطورة من القاعدة.
بمعنى آخر قد نترحم على عهد بن لادن وأيمن الظواهري قريبا! وهكذا نسير من تطرف الى تطرف أو قل ننخفض إلى قاع الجحيم درجة إضافية في كل مرة.
ولا يبدو أن للوحشية البربرية قرار.
وأكبر دليل على ذلك ما يحدث للطائفة اليزيدية الكريمة حاليا والذي حصل بعد ظهور مقالة الكاتب الفرنسي الشهير والا لأخذه بعين الاعتبار ولاستنكره كل الاستنكار.
والشيء الذي يؤلم جان دورميسون هو أن ادانة هذا الطرد الجماعي الرهيب للمسيحيين العراقيين من عقر دارهم ليست قوية ولا كافية من جهة العرب والمسلمين.
وهو هنا يتحدث عن المسلمين بشكل عام بقدر ما يتحدث عن مسلمي فرنسا بشكل خاص.
ويقول لنا بأنه لو حصل أي شيء من هذا القبيل للمسلمين في فرنسا لتحرك فورا ولهاجم من يؤذيهم أو يحاول طردهم من البلاد بغير حق.
نقول ذلك على الرغم من أنهم ليسوا من سكانها الأصليين وانما عبارة عن جاليات مهاجرة.
أما مسيحيو الموصل فهم راسخون فيها منذ مئات السنين.
ثم يثني الكاتب الديغولي الشهير على عظمة الحضارة العربية أيام بغداد والعصر الذهبي.
ويعتبرها من أعظم الحضارات البشرية على مر العصور.
ثم يقف لكي يتساءل مستغرباً، ومستنكراً: هل يعقل أن تسقط بغداد في أيدي هؤلاء الجهلة المتطرفين من البرابرة الداعشيين؟ قبل ألف سنة كانت عاصمة العباسيين مركز الحضارة والأنوار العالمية.
والآن بعد ألف سنة وفي أوائل القرن الحادي والعشرين قد تصبح عاصمة الظلامية العالمية إذا ما وصلوا اليها! فهل يعقل ذلك؟ ماذا حصل للعرب؟ ماذا حصل للمسلمين؟
المنطقة الخطأ
كلام جان دورميسون ليس صادراً عن شخص يكره العرب بشكل مسبق.
فهو ديجولي الهوى ومنفتح على العرب عموما.
والواقع أن الكثيرين من المثقفين العرب يشاطرونه الرأي ذاته.
وقد عبروا عن ذات الاستنكار والإدانة على صفحات الجرائد العربية.
ولكن يبقى صحيحاً أن الشيء المقلق هو عدم ادانة رجال الدين المسلمين لهذا العمل الرهيب بالشكل الكافي.
لا ريب في أن بعضهم أدانه صراحة ويشكر على ذلك.
ولكن الكثيرين سكتوا وهذا ما يحزن جان دورميسون وبقية مثقفي الغرب.
بل هذا ما يخيفهم.
والأخطر من كل ذلك بدرجات هو أن صفحات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وسواه مليئة بالحماسة لداعش! الآلاف المؤلفة تدعم هذه الفئة الضالة المنحرفة.
بل وحتى بعض المثقفين، الذين يدعون الحداثة أو العصرنة على الأقل هم أيضا سكتوا أو أدانوا من رؤوس الشفاه.
وهذا يعني أنه توجد مشكلة حقيقية في الساحة الثقافية العربية.
ينبغي أن نتفق على الأمور هنا: لا علاقة لداعش بالاسلام السني الوسطي الكبير الذي يرفق حتى بالحيوان فما بالك بالإنسان، والذي هو مفعم بالقيم الأخلاقية والانسانية.
أقول ذلك وأنا أفكر خصوصاً بما يحصل من جرائم مرعبة بحق الطائفة اليزيدية المستباحة في عقر دارها.
ينبغي أن تستصرخ هذه الجريمة النكراء الضمير العالمي كله وليس فقط العربي أو الإسلامي.
هنا كرامة الإنسان، كإنسان، أهينت وديست بالنعال لأنه ولد في “المنطقة الخطأ”.
البشرية كلها معنية بالأمر وليس فقط طائفة صغيرة مستضعفة ومستفرد بها في هذه اللحظات الحرجة بالذات.
تحية إذن لكل هؤلاء المضطهدين المشردين على الطرقات والدروب والمهددين بالعطش والجوع والموت.
ينبغي العلم بأن برابرة داعش يحاسبون الإنسان على مكان ولادته لا على أفعاله وصفاته.
هؤلاء لا يقتلونك لأنك فعلت كذا وكذا وانما لأنك ولدت في مكان كذا وكذا: أي يحاسبونك على شيء لا حيلة لك به.
بمعنى أنك مدان سلفاً مهماً فعلت سواء أكان خيراً أم شراً.
إنها إدانة في المطلق.
من هنا خطورة ما يحصل في سنجار، والأخطر منه السكوت عليه.
لا يمكن للثقافة العربية أن تحظى باحترام العالم ما دامت تسكت على فظائع وجرائم طائفية من هذا النوع.
عندما أقرأ في بعض الجرائد تقول بأنهم ذبحوهم وسطوا على نسائهم لأنهم رفضوا دخول الاسلام أكاد أخرج عن طوري.
من يقبل بالدخول في إسلام داعش؟ عيب على الجرائد العربية أن تقول هذا الكلام أو توحي به مجرد ايحاء.
فهذا يعني خلع المشروعية الدينية أو الالهية على المجزرة الكبرى.
ولكن على من تلقي هذا الكلام يا رجل؟ انهم يجهلون معنى الحداثة الفكرية والدينية من ألفها الى يائها.
إنهم لا يزالون يغطون في نوم عميق.
العالم المتمدن المتحضر في جهة، وهم في الجهة الأخرى.
ثم يقولون لك متعجرفين ومكابرين بأن المجتمعات العربية ليست بحاجة إلى تنوير! وأنا أقول لهم بأن تنويرها يمثل معركة المعارك، أم المعارك من الآن وحتى خمسين سنة قادمة.
ذلك أن القصة طويلة وأخطر مما نظن بكثير ولأجلها سهرت الليالي.
إنها شغلي الشاغل، وستظل حتى آخر لحظة من حياتي.
والله سأحذف عقيدتهم الظلامية التكفيرية عن بكرة أبيها إذا ما أعطاني الله القوة وبضع سنوات إضافية.
وأصلاً لم أفعل شيئاً آخر منذ ثلاثين سنة وحتى الآن.
كل كتاباتي وترجماتي تشهد على ذلك.
رعب الرعب
لحسن الحظ فإنه لا يزال يوجد في هذه الأمة بعض الضمائر الحية والشخصيات المحترمة.
وأذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ سعد بن طفلة العجمي الذي أتحفنا بمقالة جيدة ذات عنوان رائع ومعبر: كلنا داعش! ويمكن أن يوقع عليها المرء بأصابعه العشرة.
شكراً لوزير الإعلام السابق الذي شخص الوضع بكل ألمعية واقتدار.
ما أحوجنا إلى شخصيات من هذا النوع حالياً! أضيف اليه مباشرة جمال خاشقجي في مقالته ذات المنهجية المحكمة في عرض الاشكالية والتحليل الذكي المضيء: “لماذا غضب الملك عبد الله من العلماء”؟ وكذلك نذكر الشيخ السوري المستنير الدكتور محمد حبش.
فقد أصدر أيضا مقالة ممتازة بعنوان: “سنجار.
.
الزيديون وهولوكوست داعش”.
هذا مسلم صحيح، مؤمن حقيقي.
وفيها يفند تلك الأكذوبة ـ أكاد أقول الأسطورة الكبرى ـ التي تقول بأنهم من عبدة الشيطان! لاحظوا الرعب أو رعب الرعب! مجرد شيوع هذه الفرية الحمقاء يعني أن ذبحهم أصبح حلالا زلالا.
وما علينا إلا أن نصفق لداعش لأنها تخلصنا من الكفار الأنجاس! والكفار الحقيقيون الأنجاس هم داعش وأخواتها وكل من يتعاطف معها سرا أو علانية.
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى!
لكن يبقى صحيحا القول بأن الثقافة العربية تواجه الآن أكبر محنة في تاريخها.
ولن تخرج منها عما قريب.
لماذا؟ لأنها محنة مفصلية، بنيوية، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.
هناك مشاكل لا يمكن حلها في المدى المنظور.
منها بل وفي طليعتها مشكلة الأصولية التكفيرية العمياء.
هذا لا يعني أنه لا يمكن أن نفعل أي شيء لمواجهتها.
على العكس ينبغي تجييش كل الطاقات لإنقاذ ما يمكن انقاذه من براثن داعش وأشكالها.
ولكني أقصد أن الحل الفكري للمشكلة الطائفية والمذهبية شيء عويص جدا ويتطلب مراجعة نقدية شاملة لكل الموروث الديني.
وهذا شيء لا يمكن أن يتحقق إلا على مدى عدة أجيال متواصلة.
المشكلة هي أن المثقفين العرب أو قسماً كبيراً منهم لا يعتبرون الأصولية الراديكالية مشكلة مركزية حتى الآن.
وذلك على عكس مثقفي أوروبا في القرن الثامن عشر عندما كانوا يواجهون نفس الظلامية الدينية ومحاكم التفتيش ولكن في صيغتها المسيحية هذه المرة.
توجد هنا استقالة للمثقفين العرب أو قل للتيار المؤدلج والمسيس جداً فيهم.
فهؤلاء يرفضون الانتقال من “المرحلة الايديولوجية الى المرحلة الابيستمولوجية” هذا اذا كانوا يفهمون معنى ذلك أصلا.
وهو الشعار الذي كنت قد طرحته كبرنامج عمل لكل الثقافة العربية منذ سنوات عديدة.
أنا شخصياً أعتقد أن أي مثقف لا يعتبر هذه الجماعة الداعشية مشكلة المشاكل ليس مثقفاً، ولا يستحق أي اعتبار.
أقول ذلك وأنا أزن كلماتي جيداً.
لماذا أتخذ هذا الموقف الحاد؟ لأن الأصولية الداعشية سوف تمزق مجتمعاتنا عن طريق اشعال الحروب الطائفية والمذهبية.
وعندئذ سيصبح التعايش فيما بيننا أمراً مستحيلاً.
عندها ستتحول حياتنا إلى جحيم لأننا شئنا أم أبينا مشكلون من أديان ومذاهب شتى.
ثم لأن داعش تبرهن على صحة كلام متطرفي الغرب بأن الإسلام دين “متعصب” من أساسه وأن القرآن الكريم كتاب “عنف وإرهاب” ليس إلا.
داعش هي أكبر حليف موضوعي لأعداء هذه الأمة.
.
لقد شوهت هذه الجماعة المارقة صورتنا في شتى أنحاء العالم هذا إذا كنا بحاجة إلى تشويه أصلًا.
لذلك لا بد من مواجهة داعش لأنها أصبحت تشكل خطراً ماحقاً على وجودنا وكينونتنا.
إني لا أفهم تقاعس بعض المثقفين عن القيام بهذا العمل.
مرة أخرى أقصد الأغلبية المؤدلجة والحركيين السياسيين بالدرجة الأولى لا الأقلية المستنيرة التي ذكرت عينة منها سابقاً، والتي تنقذ شرفنا حالياً، ولا أستهين بها على الإطلاق.
لن نسترجع احترام العالم المتمدن لنا، ولن تكون لنا مكانة على وجه الأرض قبل أن نحل هذه المشكلة الكأداء.
صرخة فولتير
عندما كانت فرنسا تعاني في القرون الماضية من الظلامية المسيحية والتكفيريين البابويين لم يقل فولتير إن الحق على الطليان! ولم يتردد لحظة واحدة عن إدانة الظلامية الفرنسية.
بل وراح يصرخ بأعلى صوته، قائلاً : “ياجماعة إنجلترا مستنيرة أو في طريقها إلى الاستنارة والحضارة فإلى متى ستظل فرنسا غارقة في الظلام”؟ هذا هو المثقف الحقيقي.
إنه ذلك الذي يقول الحقيقة لشعبه أكاد أقول يصفعه بها صفعاً.
وليس ذلك الذي يدغدغ مشاعره التعصبية ويمالق نزواته الشعبوية وينزل معه إلى الحضيض بدلاً من أن يرتفع به إلى القمة.
هل تعتقدون أن فولتير كان يكره فرنسا إذ قال ما قاله؟ هل تعتقدون أنه كان خائناً أو عميلاً للإنجليز؟ أم أنه من شدة غيرته على بلاده وانزعاجه من سبق الآخرين لها انفجر بالغضب الساطع؟ نعم من شدة غيرته على بلاده راح يقرعها ويؤنبها ويستنهضها.
ولذلك فهي تعتبره الآن أحد أمجادها الفكرية والأدبية الخالدة.
ولحسن الحظ فإن معركته الضارية ضد الأصوليين التكفيريين لم تذهب سدى.
فقد انتصر التنوير على الظلامية المسيحية بعد موته بعشر سنوات فقط عندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789.
_____
*الاتحاد

شاهد أيضاً

ركوّة فيلليني: حول رواية “حذاء فيلليني” للكاتب الروائي وحيد الطويلة

(ثقافات)*طلعت قديح هناك من الروائيين من لا يصح أن تقرأ لهم بطريقة تقليب الصفحات؛ حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *