الرئيسية / نصوص / نثارات الفرح

نثارات الفرح


*فاطمة الشيدي


1.
المرأة والرجل الأكثر خفة من قطين مشردين
تبادلا النظرة الطويلة الساهمة عبر رصيفين متقابلين ذوي سغب للحب
أو طائرين غريبين التقيا صدفة في جزيرة مجهولة
فأرخى كل منهما جناحيه المتعبين لفكرة الوطن
الرجل والمرأة اللذان جاءا لهذه الحياة من طريق معتم وبعيد
وعاشا في زاوية خلفية للمشهد الكبير على ضوء شمعة وألم
كانا يكبران في الظل
رافضين حدود الترسيم الباهت للسائد
أو فجاجة الغفلة الناعمة
مؤمنين بالجوهري والمعتم والأصيل من الجراح
والموغل والعميق من الجذور
صامتين عبر الحياة حتى اليباس
ضامئين في خدور الغيم حتى العطش
متوارين في العتمة المورقة
يكنزان الأحلام ويربيان الوجد
ويشفّعان الكتب والأغنيات في لسعات الحنين والوجد
ويهربان قلبيهما المتعبين في رواية أو فيلم
ويقفزان فوق النتوءات
يختبران الأشواك والعواصف
ويرتقان ثقوب الشراع من الصدمات، واللهفة العابرة
الرجل والمرأة (المذكوران أعلاه)
أصبحا يتورطان كل يوم أكثر في شراك التفاصيل الصغيرة
التي تقيدهما لبعضهما وللحياة بشكل مربك
فأصبحا يضحكان بلا سبب مقنع تماما كلما التقيا
ويصمتان حيث ينبغي الكلام
ويثرثران في مناطق هشة ودافئة ربما تعاليا عليها زمنا
بل لقد نفخ كل منهما منطاده القديم عائدا
ملوحا للغيم (على الأرض ما يستحق الحياة)!
2.
أغنية في رأسي، تنام معي، تستيقظ قبلي، تهزني بعنف «هيا قومي لنغني ما»، تدرك أني لا أحب الصباحات الباكرة، لكنها كطفلة عنيدة تجبرني على النهوض، على الانصياع لجنونها المطلق، أهب روحي للمسافة تنهبها، للصمت وللقليل من الحذر، تقشّر خوفي، تتمكن من قلبي تماما، تستحوذ على ممكنات الفرح، تدغدغ الجراح الغافية على أجنحة الوقت، فتتحرك بخفة، كنورس يجس نبض الماء باحتراف، أو كشجرة طيبة تذهب في السماء الشاهقة بحنان مجيد للأرض، تتحرك في مسارات الدهشة، أغنية بيضاء كزنبقة، خضراء كقلب أشفق من مهاترات الكون وحروبه التافهة، فتعطر بالمحبة ونام.
أغنية «قلبي سعيد وياك ياحياتي» بصوت وردة التي تزرع في شغاف الروح حقل ورد بلدي، وتستقرئ فرح الروح بشفافية مطلقة، وتمنحها أجنحة لتحلق في سماوات زرقاء بعيدة.
أفكر أنه ينبغي أن يعلق هذا الصوت في أقدام حمامة زاجلة بيضاء، أو يوضع في زجاجة يحكم إغلاقها وتلقى في بحر عمان؛ كرسالة طويلة جدا وأبدية، ثم يقرأ عليها كل تعاويذ السحرة والمغايبة في جبال الحجر لتصل لكل العاشقين والمجانين والطيبين فترأف بهم، وتنعش أرواحهم الهائمة وقلوبهم القلقة بفعل المحبة العظيم.
3.
أيها الفرح المستأنف صلاته عند ما تبقى من حنين المشارق والجهات
الذاهب -ما حلا للهفة- في تراتيل البهجة والأمل
وفي شهوة التفاصيل الصغيرة والكثيرة
وفي ارتدادات الصدى بين الخيبة والرجاء
وفي المدى
ها أترك لك باب العمر مفتوحا
ادخل على أطراف أصابعك
كلص محترف سيسرق براعم الأحلام الصغيرة
ويخبئها في حدائق قلبه ليورق بالروح والريحان
وبالندى
لا تحدث الكثير من الضجيج كي لا توقظ أحلام الموتى الغافية عند مدخل العمر
ولا تجمع الأصداف اللامعة في الممر الضيق
فهي تستحضر رائحة البحر لتضيء لقلبينا عتمة الاقتراب
ولا تتلفت كثيرا
سترشدك الموسيقى لما يجب أن تحمله معك بخفة
وستغمز لك اللوحة الجدارية الضاجة بالحياة
عما خلفته الحياة من ندوب في القلب الذي تسعى إليه
امسح عليها كما يفعل نبي أو قديس على رأس يتيم
وابتسم كساحر يخرج من أكمامه سحابات الفرح ومن قبعته أرانب الدهشة
لا تتمسح في الزوايا
فالتقديس لا يليق بالمجانين ولا بنساء المرايا والوهم
فقط استبح المزامير والزبر وغنِ
واحمل ألواحك للبحر
وأكتب بملحه ما يحلو لك على وجه السماء
وابحث في زرقته عن تلك اليد الوحيدة
ستجدها ممدودة على اتساع الشغف
وعلى مد الجنون
خذها إليك بحنان جدة تعطي الحب بلا مقابل
وحينها ستفتح هي لك المزاليج المغلقة
وتدلك على كنزها المخبوء
هناك ستعثر على أمشاط شهرزاد وعلى بقايا الحكايات على فمها
وعلى تفاصيل لم يذكرها الرواة في المتون المدهشة
وعلى ما تسرب من غناءات الجواري في المدى الممتد بين شفتين وقبلة
وعلى رائحة العطر المعتق في قوارير اللهفة
وعلى خمر العشق و(طيب العناق على الهوى)
ضم كنزك لقلبك وارفُ شقوقه الكثيرة
ليعود أبيض أبيض
سعيدا لم يمسسه سوء
4.
أ.
في السفر والغياب؛ ثمة فرح ظاهر، وشجن خفي، وبينهما مسافة موغلة من الصمت الذي لا يريد أن يقول شيئا، ورائحة بلا ملامح توحد بين الأمكنة والوجوه في دائرة الحنين لما لا نعرف، وثمة انغماس كلي في كل شيء بلا نية كاملة لأي شيء، وكأن ثمة تواطؤ ضمني وحميم على الالتذاذ بالمجهول كيفما اتفق.
ب.
في تايلند وفي الصباح الذي ليس باكرا تماما دعوت المدينة على فنجان قهوة في بهو الفندق -الذي أسكنه مع شريك العمر، وصديق الروح في رحلة حلم داخلية أكثر مما هي في المكان- على أن نتمشى قليلا بعدها لتخبرني عن تفاصيلها الدقيقة، وجنونها المغري وهيئتها التي تبدو مدهشة بتمازج فوضاها الخارجية ونظامها الداخلي؛ حين التقينا كانت تبدو شبه ناعسة، تتثاءب بدلال امرأة، تنسل من الفراش بهدوء ثم تبدأ يومها على عجل، تمشي في الشوارع وتسكن الأكواخ وتحيا بين الناس، لا يقلقها الصخب المحيط بها، ولا حركة السياح الكثر الذين تركوا بلادهم الحارة سعيا وراء كل هذا التنوع الثري في الحياة والبشر والطبيعة. كنا هي، وقلبي الـ(سعيد) وأنا، نتمشى معا تحت رذاذ المطر في شوارع «بانكوك» حيث الحياة تبدو أقرب للأرض، وللإنسان، وللكائنات، ولله معا، هي تخبرنا عنها، ونحن نصغي باهتمام يليق بها وبنا.
ج.
في (بوكيت) مدينة الغرق والعشق؛ لأربعة أيام استثنائية بين (بوتنج بيتش) وجزيرة (جيمس بوند) ومصنع اللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة، ومزارع الكاجو، والشطآن الممتدة من القلب للقلب. كانت أرواحنا تطفو في محراب الدهشة والجمال الطبيعي والإنساني،ثم تجثو أمام عقل الإنسان الذي هيأ كل السبل لصناعة الحياة وتهيئة المكان؛ لتكون السياحة مصدر الرزق الأهم، مستعينا بكل الممكنات من جمال الطبيعة وخيراتها، واستثمار سعي الإنسان للبقاء بكل طاقته ووده ولطفه وبكل الكائنات اﻷخرى، وتعمد لبث الجمال في كل خلاياك، وسلبك ما تستطيع من مال لصالح حالتها السياحية وأنت تبتسم بفرح، وتراها وهي تعمد لتوزيع الأدوار والتعاون العميق والنظام الدقيق المقر سلفا بعرف اجتماعي واقتصادي غير معلن بين أبنائها بلا احتكار ولا جشع ولا قوة بطش.
بوكيت المدينة التي يدللها الماء (البحر والمطر) فتمد يدها لتدلل غرق السياح الهاربين من العتمة والضوء ومن الضجيج والهدوء معا .
بوكيت التي لوحت لنا بابتسامة ودودة وزخات مطر كثيفة كأجمل ما يكون اللقاء والوداع معا.
______
*صحيفة عُمان

شاهد أيضاً

عزلة في عزلة – شعر

(ثقافات)  سعيد الشيخ وباء خلف الأبواب والشبابيك وباء في البر والبحر والأجواء وباء في كلّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *