الرئيسية / قراءات / “عالم صوفي”..اعتناق النور ونبذ العتمة

“عالم صوفي”..اعتناق النور ونبذ العتمة



*كريم السماوي

تجاوزت رواية »عالـَـم صوفي« كل التوقعات، كما تجاوزت توقعات مؤلِفها النرويجي جوستاين غاردر، فقال عنها: »لو كنتُ أعلم بأن رواية (عالـَـم صوفي) سيكون لها هذا الشأن، لأبحرتُ جيداً في أعماقها«، فالرواية التي نـُـشرت سنة 1991 بلغت مبيعاتها أكثر من 30 مليون نسخة، وتـُـرجمت إلى أكثر من 50 لغة، وأهم أسباب نجاحها كونها أدخلت قرّاءها عالـَـم الفلسفة وتاريخها من مدخل أدبي روائي، من خلال نظرة أخرى إلى الحياة، يقدمها السارد في بحثه المختلف عن المعرفة بشكل يعتنق النور وينبذ العتمة.

تساؤلات كبرى
تبدأ الرواية بمقولة للأديب والفيلسوف الألماني يوهان غوته: »الذي لا يعرف أن يتعلـّـم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة، يبقى في العتمة«، ولأن الفلاسفة يقولون إننا بحاجة إلى معرفة أنفسنا، ومعرفة الهدف من حياتنا فإن أفضل طريقة لفهم الفلسفة هي طرح أسئلة فلسفية، منها مَن أنا؟ من أين جاء العالـَـم؟ وهو ما يمكن أن نسميه الطريقة السحرية التي استخدمها غاردر ليجعلنا نتساءل معه عن أجوبة لتلك الأسئلة التي يطرحها، ليشوش بها مخيلة طالبة تـُـدعى صوفي امندسون، وهي لمّا تبلغ الخامسة عشر من عمرها حين تصلها رسائل من مجهول يبدأها برسالة على شكل سؤال: »مَن أنتِ؟ بثلاث علامات استفهام، وتعقبها رسالة: من أين جاء العالـَـم؟«.
هذه الأسئلة جعلت صوفي تقف مواجهة المرآة وتخاطب صورتها: »أنتِ أنا«، ولكنها سرعان ما تقلب ترتيب الجملة: »أنا أنتِ «، لتجد صوفي نفسها مشغولة ومشوشة بقصّة غير مألوفة جاهدت أن تبقيها بعيداً عن علم أمها، حيث يعيشان معاً في ظل غياب الأب، أما الرسالة الثانية التي تضمنت سؤال: »من أين جاء العالـَـم؟« فأرجعت الجواب عنه إلى ما تعلمته في المدرسة من أن الأرض كرة صغيرة في قلب الكون الشاسع، وأن الله خلق العالـَـم.
ظواهر كونية
هكذا تواصلت الرسائل لتدخل معها صوفي عالـَـم الفلسفة وتتلقى الدروس التي تحدثها عن الفلاسفة قبل الميلاد، ورؤيتهم لنشأة الكون، مركزين على الظواهر الطبيعية أولاً، ودور السفسطائيين الذين عاصروهم، وقارنت بين الفلاسفة الذين يركنون إلى حواسّهم وبين الآخرين الذين يركنون إلى العقل في تفسير الظواهر الكونية في كون يتمدد ويتغير كل لحظة.
درب الحكمة
تتواصل رسائل دروس الفلسفة إلى صوفي، وكان بعضها عن طريق الكلب هرمز، الذي ينقل لها رسائل فيلسوفها، وتعرج على تفاصيل حياة وأفكار كبار الفلاسفة، سقراط، أفلاطون، أرسطو، الذين عاشوا في أثينا، المدينة التي كانت عاصمة الثقافة للعالـَـم اليوناني، وهناك حيث اعتنوا بدراسة الإنسان وموقعه في المجتمع، قبل أن يصل شريط فيديو يُريها آثار الاكربول المطلـّـة على أثينا بتفاصيل دقيقة.
وعرفت صوفي اسم فيلسوفها الغامض ألبرتو كنوكس، وهو يشرح لها من خلال الفيلم تفاصيل حياة أثينا وفلاسفتها قبل الميلاد بقرون مع ظهور صورته، وهو يقف على الآثار، منبّها إلى أهمية وعظمة المكان آنذاك، قبل أن يتحوّل شريط الفيديو إلى نقلة خيالية حين يصوّر أثينا قديماً ويُريها فيلسوفها سقراط، وتلميذه أفلاطون بملابس أثينا، بل ويقوم بتعريفهما إلى صوفي أيضاً، وليرحب بها أفلاطون، طارحاً عليها بعض الأسئلة المحيّرة!
تعلم التفكير
وعرفت صوفي أنّ الفلسفة ليست شيئاً يمكن تعلـّـمه، وإنـّـما يمكن تعلـّـم التفكير بطريقة فلسفية، وأنّ إدراك الإنسان لجهله هو شكل من أشكال المعرفة، وأنها لا بد أن تكون أكثر من اسم وجسم، ما جعلها تتعلق بدروس الفلسفة التي باتت تأخذها من أستاذها مباشرة، وفي أماكن وأوقات مختلفة حتى أدخلها في عالـَـم الخيال، وخيال الخيال.
دروس متواصلة تؤكّد أنّ الكثيرين يعتقدون اليوم كما بالأمس أنّ شيئاً قد انبثق من العدم في لحظة معينة، وهو ما شكّـل العالـَـم، تلك المعجزة الخارقة، وتساءلت في ما إذا يمكن الوثوق بأنّ الماء والهواء والنار والتراب هي أساس كل ما في الطبيعة كما آمن بذلك البعض، التي أساسا تتكون من وحدات صغيرة، متناهية في الصغر، لكون واسع جداً، يتمدد على الدوام، ويمكن محاكاة صور منه بتشكيل أشكال مختلفة من لعبة الليغو عند تجميع المكعبات بأوضاع متعددة.
مدارس فلسفية
وتتواصل الدروس الطويلة مروراً بفلسفة القرون الوسطى التي استمرّت لألف سنة، ثم عصر النهضة وعصر التنوير ودور الديانات السماوية الثلاث في رفد الفلسفة أو التقاطع معها وأهمية الفلسفة الإسلامية في مرحلة ما زالت تأثيراتها حتى اليوم، مروراً بفلاسفتها الكبار أمثال الكندي، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد، والغزالي، وابن خلدون المشهور بمقدمته، دروس ركّزت على أهم المدارس الفلسفية والفلاسفة العظام. فعرفت صوفي كيف ذاب المتصوفة في ذات الله كقطرة ماء حين تندمج بمياه المحيط.
وعن ديكارت ومقولته الشهيرة: »أنا أشعر إذاً أنا موجود«، وإيمانه بأنّ الجسد والروح يعملان بشكل منفصل أحدهما عن الآخر، وأن العقل هو ذاته الروح، وعن بيكون ومنهجه التجريبي وإيمانه بأن المعرفة هي القوة، وعن نيوتن ونظرياته في الفيزياء ووصفه للنظام الشمسي وحركة الكواكب، وعن ماركس والفلسفة المادية التاريخية، وعن دارون ونظرية التطور، وعن فرويد وأهمية التنقيب الأثري في النفس البشرية من نظريته في اللاوعي وتأثيراتها في السريالية بانبثاق مدرستهم المنفلتة من الرقابة التي يفرضها الوعي، وعن سارتر ومقولته: »الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي وجوده، وأنه يشعر بنفسه غريباً جداً في عالـَـم يفتقر إلى المعنى«.
إدراك للكون
والذي أودى لما عُرف بالمسرح العبثي، وعن كانت وإيمانه بأن ما يمكن أن نكون متأكدين منه هو إدراكنا للكون، وتأثيرات الفلسفة الرومانسية، مروراً بأسماء ليس من السهل نسيانها؛ جاليلو، نيتشه، سبينوزا، لوك، ليبنيز، هيوم، هيغل، كيركجارد، روسو، باركلي وغيرهم كثير، وعرفت صوفي كيف تقاطعت آراء الفلاسفة، كما أدركت مع ما تعلمته من دروس الفلسفة وآراء الفلاسفة أنّ الفلسفة شيء واجه كل جيل، بل وكل فرد، وأنّ الإنسان المعاصر محكوم بأن يكون حرّاً، حرّاً في بحثه الدائم عن ذاته وعن وجوده والكون من حوله، وبحثه الدؤوب لفهم السر الإلهي، ذلك النور الأزلي، الذي كلـّـما اقتربتَ منه وضحت الرؤيا، وكلـّـما ابتعدتَ عنه اقتربتَ من العتمة.
إضاءة
جوستاين غاردر، كاتب نرويجي، ولد سنة 1952 وهو أستاذ للفلسفة وتاريخ الفكر، وعُرف روائياً من خلال روايته »سر الصبر«، أما روايته »عالـَـم صوفي« فقد كانت مدخله إلى العالـَـمية، وعُرف عنه الكتابة للأطفال من خلال كتابة القصّة داخل القصّة، كما أن له منهجه الخاص في الفلسفة، وفيه يدعونا إلى أن ننظر إلى الحياة من حولنا بمنظور جديد.
———
*البيان

شاهد أيضاً

شخصيات تغادر الوطن الغارق في حروبه إلى المنفى ثم تعود لتموت فيه

شهلا العجيلي استطاع الروائي جبور الدويهي الراحل قبل أيام، أن يقدم، في سلسلة أعماله الروائية،  مأساة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *