الرئيسية / مقالات / الصيف وتوابعه

الصيف وتوابعه


*عناية جابر

الحر الخانق يدمرني تماماً. لم أعتد مثل هذا الحرّ الخانق، في كل ما تعاقب على عمري من فصول صيف. يوشك أن يدمّرني تماماً. قابليتي على الانجراح جسدياً وعاطفياً، مُستديمة في الصيف. قلت أمس، لن أرثي لحالي، وعليّ بالكتابة، الطريقة الوحيدة لتصفية هذه الأمور. لجأت الى الكلمات، أردتها قوية الى حدّ يُمكنّها من العيش رغم الدبق والعرق، رغم الأتون مع أن لطماته تخدش صميم نقائي .

بمنشفة مُبللة بماء الورد، مسحت وجهي وحدّقت الى الكومبيوتر بثبات، دون دموع أو صيحات. ليس الآن وقت الحب، حتى أن الكتابة فيه لم تعد تُرضيني . أحتاج الى طرق لغة أخرى تمنح مسامي الميتة والحية، اسلوباً في مُعاندة الصيف. كنت أشعر بأن لغتي قد تصل متأخرّة، وقد تُحدث ضرراً في وسائط تعبيري التي اعتدتها، لكن مخاوفي كانت أقلّ من تصميمي. من لحظة كتابة بعيدة عن الحب، واخرى غيرها، بدأت بتشكيل نص يُترجم قرفي من الصيف وكرهي للشمس. نصّ مُتحرر من عاطفتي السقيمة للحنان، قويّ لتوجيه وصنع معنى شخصي جداً، وكاره لهذا الفصل من السنة. بطراز بدائي ومخيلة ملتهبة تجمعّت الكلمات على شكل شتائم «مُثقفة «. خطر على بالي أنه في حالتي اليائسة، للشتائم أولوية واهمية فائقتان، للنجاة بنصّ حقيقي قبل فوات الأوان. كتبت كأني أحتاج ان أقول، ان لي جسداً وروحاً يتألمان خارج عاطفة الحب تلك، وان ما يؤلمهما يهّم، يهمني انا طبعاً، وان حاجتي للشتاء تفوق بكثير حاجتي للحب، بعد أن تخلى واحدنا عن الآخر . المطر وفيّ. أشعر أن له ولاء تجاه الناس وتجاه الأشجار والعشب والحيوانات والموانىء. المطر يتخلل مزاج الناس. يمنح وجوههم مشهداً متفكرأً، متأملاً ويجعلهم يصمتون لفترة طويلة. يقفون تحت المطر، أو امام نوافذهم دون ان ينظروا الى شيء مُعيّن. المهّم يصمتون، كأنهم داخل ارواح لا يريدون اغضابها بالكلام. في نشأتي في بلدة جبلية متفاهمة مع الغيم، ظننت أن الضوء المطحلب الذي رافق عيشي هناك، موجود في كل مكان. بلدة يغمرها المطر اكثر السنة، الضوء فيها ناعس كضوء قبل الفجر، يُخفّف من حدة ألوان الطبيعة ويجعل الأشجارتقترب منيّ. كنت دائماً أتنزّه وعيناي مفتوحتان على سعتهما، لا حاجة لسترهما من بزوغ الشمس،وانقضاضها على رأسي كما في عيشي البيروتي في مابعد.لون الضباب هو فخي الى الحب، وهو ما شدنّي الى كتابة الشعر. بالاضافة الى المطر، يهطل مدراراً على بعبدا حيث طفلة اقيم في بيت جدتي، والى نوعية مُلطفة من الضوء بفعل المطر نفسه، احتجت القرب من الماء. ليس ماء الينابيع والبرك، بل البحر الكبير، اعتذار بيروت منيّ وتعويضها لي عن نقص البلل الذي أصابني فيها هذا الصيف مُروّع. قصائدي أسرقها من الحضور الرمادي للمطر وصنع الصور في قصائدي، حتى الغرامية منها، تسعون بالمائة مياه « وعشرة بالمائة قوة الكلمة والخيال. الشتاء، والبهجة التي يمدّها على قلبي، ساهما في الصبر والفضول اللذين قوّيا قدرتي على التقاط التفاصيل. مشلولة الآن في الحرّ الفاجر وألهث خلف الكلمات تبحث عن طريقها الى المعنى من جديد. معنى النقمة والرغبة في فهم طبيعة انتقام الكلمات. في النتيجة، كتبت قصيدتين في لعن الصيف، وشعرت أني وصلت الى العدل الوحيد المتوفّر لي لتنفيس غضبي، وتبجيل الشتاء الآتي لاريب. قصائد لتعديل رؤيتي المغبّشة الى الكثير من امور حياتي، منها ما هو اكثر مكراً من الصيف.
***
العيش البيروتي متعدد متناقض، ليس بناء واحداً ولا روحاً واحدة. هل يمكن الحديث هنا عن بيروت عدمية وعدمية لبنانية. قد يبدو نهار اللبناني نهار بناء ومصالحة، ضيق وصبر نافد وتأسيس صخب لا ينقطع. الليل في بيروت في المقابل، حياة ثانية تبارك كل المتع. من يحيا ليل بيروت، مع ناس ذلك الليل يرى إلى الحياة التي حفلت بالتباسات الحرب الأهلية، وقدرت ان تصنع ديانة جديدة للسهر واللهو. الليل في بيروت يذهب في كل اتجاه، وليس بعيداً ان يضرب في دروب الغرائبية احيانا، وحتى ألفة هذه الغرائبية. شوارع تحفل بالمقاهي وأماكن السهر، الكتف لصق الكتف كما لو ناس المدينة في ليلها، معاً في آنية من العقيق. الفرح والرقص واللذة والحب كمصداق لاعادة الاعتبار إلى الحياة في هروب مموّه من كل ذكرى بائسة. سهر في اقصى غناه وتقاطعه وسلاسته في آن. بيروت مدينة ليلية لكائن نهاري مثلي، أرى إليها مدهوشة، أرى إلى ناس ليلها وأضعهم في توريات وكنايات «فينيقية» تحديداً، هي بطبيعة الحال افتضاح للموت وإشارة إلى تناسيه. في الليل، والشوارع ساهرة بناسها تنوء من كثرتهم، كل الهموم باطلة، وكل الأذى القديم مشبوه، وكل حزن قاصر، فلا يبقى مفتاح على «بيروت الحرب» ولا دليل. قدر من الانسجام يغمر ليل بيروت فلا تعود الاسئلة ملغمة، تتبدد الشكوك وتختفي اسئلة النهار المقلقة، والحقائق التي تتربص باللبنانيين. يسر وسهولة في التواصل، ولربما نجد تلميحاً لمنغصات السياسة اللبنانية، لكن الليل يلطفها ويرققها ولربما استوحى منها اللبناني الليلي، بعض الدعابات والسخرية والهزء منها وحتى رذلها.في الليل البيروتي، يخلع الساهر تعبه من النهار، وتلعلع لغة الأرواح وكوثر العطف تتناقله كلمات الساهرين. الليل ينعى النهار، ينعى فقر الفقراء، وهواجس المرضى، ويتجنب الخوض في السياسة إلا بحدود الشرط الخاص والشرط الإنساني للفرح بكليته. ينعى الليل البيروتي نهار بيروت وينأى بسهولة عن قهره، ويسري على تقاطع تفاوتات البهجة والسمر. في الأماسي يأتي التهليل بالحب، وتنفتح الشوارع على المارة وعلى الغرباء والأصحاب والعشاق. بئس النهار الذي يسكنني كجلدي.
_______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *