الرئيسية / قراءات / “طشّاري” بالفرنسية: المسيح مغادراً العراق

“طشّاري” بالفرنسية: المسيح مغادراً العراق


عبد الإله الصالحي


تعاقدت دار “غاليمار” الباريسية مع الروائية العراقية إنعام كجه جي لإصدار الترجمة الفرنسية لروايتها الأخيرة “طشّاري” (251 صفحة من القطع المتوسط) الصادرة عن دار “الجديد” اللبنانية. كما حصلت غاليمار على الحقوق الدولية للرواية. ومن المنتظر أن يتولى نقلها إلى الفرنسية المترجم اللبناني فرانسوا زبال.

تتناول “طشاري” قصة طبيبة عراقية من الموصل تدعى وردية، أمضت عمرها تعالج الحوامل وتتلقى المواليد وتعتني بأبناء المعدمين. لكنها تضطر إلى مغادرة منزلها والهجرة إلى بلد غريب، وهي في سن الثمانين، بعد أن تدهورت أحوال العراق وتعرضت الأقليات فيه لتهديد عصابات المتطرفين.

وبالتوازي مع حكاية وردية، تسرد كجه جي حكاية حفيدتها الطبيبة هند التي تعيش حياة شبيهة بحياة جدتها وهي تعالج مدمني الخمور والمهمّشين والسكّان الأصليين في منطقة صقيعية نائية في كندا. وتبدو الرواية في شقّها العراقي ـ ويا للمفارقة! ـ وكأنها تحاكي ما يحدث على الأرض، في الموصل حالياً، حيث اضطرت آلاف العائلات المسيحية إلى الهرب من المدينة بعد تهديدات تنظيم “داعش” التكفيري الذي فجر كنائسها وصادر ممتلكاتها. (انظر مقطعاً من الرواية أسفل المقال).

يتأرجح السرد في الرواية ويتشعّب ما بين الماضي والحاضر عبر تقنية الـ”فلاش باك” والتقطيع السينمائي. وتبدأ الأحداث بمشهد وصول وردية إلى قصر الإليزيه في باريس لحضور حفل يقيمه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي على شرف البابا السابق بنديكتوس السادس عشر، وتحضره مجموعة من اللاجئين العراقيين المسيحيين. مشهدٌ يتراجع بسرعة مفسحاً المجال لوردية لاسترجاع سيرة الماضي واستحضار خيط الذكريات في العراق، قبل أن تعود إلى الحاضر في باريس وكندا.

تقيم كجه جي في باريس، منذ عقود، وتعمل في الصحافة. وسبق لها أن أصدرت كتباً تُرجمت إلى عدة لغات، منها روايتي “سواقي القلوب” الصادرة عام 2005 عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، و”الحفيدة الأميركية” الصادرة عن دار “الجديد” والتي بلغت القائمة القصيرة لـ “البوكر” العربية، عام 2009، وترجمت إلى الإنجليزية والفرنسية والصينية.

تبتسم كجه جي حين نسألها عن صفة “العالمية” التي قد تراود الكُتّاب حين تُفتح لهم أبواب الترجمة، فهي ترى أن من الوهم أن يتصور الكاتب أنه “بلغ العالمية” لمجرد أنّ كتبه تُترجم ويباع منها بضع مئات من النسخ، أو حتى بضعة آلاف. وتضيف أنها تضع دوماً نصب عينيها القارئ العربي لأنه هو من يعنيها بالتحديد وله تكتب بالأساس.

الترجمة المرتقبة لـ”طشّاري” إلى الفرنسية تعكس اهتمام دار “غاليمار” المتزايد بترجمة جديد الأدب العربي. وسبق للدار أن نشرت في السنوات الأخيرة لعدة كتّاب لبنانيين مثل علوية الصبح وربيع جابر، وللمصري بهاء طاهر، والسعودي أحمد أبو دهمان. إلا أن هذه الشجرة مهما أينعت لا حيلة لها في إخفاء غابة القصور في عملية تقديم الأدب العربي إلى القارئ الفرنسي لأسباب عديدة لا مجال هنا لتفصيلها. 

يذكر أن “طشّاري” كانت قد اختيرت في القائمة القصيرة لـ”الجائزة العالمية للرواية العربية- البوكر” هذا العام. في حين وصلت رواية كجه جي “الحفيدة العراقية” إلى القائمة القصيرة لنفس الجائزة قبل ثلاثة أعوام. 


_______________________________________

مقطع من “طشّاري”
سليمان النصراني يفوز بالمصحف في الموصل




سليمان، عشق اللغة منذ يفاعته. كان يرى في امتلاكه لناصيتها تأكيداً لانتمائه، وهو السريانيّ، إلى الهوية الوطنية في دولة تأسست وهو دون العاشرة من العمر. لقد ولد في الموصل مع أُولى سنوات الحرب الأُولى. فلما انتصر الحلفاء راحت المدينة تتأرجح بين أهواء الدول العظمى. جلس مندوبون إنكليز وفرنسيون يرسمون خرائط المنطقة وبيد كل منهم مسطرة وفرجال وفي قلبه شهوة سافرة. خططوا الحدود وبتّوا في مصير ولاية الموصل. قرّروا إنهاء علاقتها بالدولة العثمانية المندحرة وضمّها إلى خارطة العراق. لولا جرّة قلم لكانوا اليوم أتراكاً.

حفظ الطالب المجتهد المعلقات والشعر القديم. يقف في ساحة المدرسة، أو على سطح الدار، ويلقيه بصوت عال وبلسان قويم. كان أقرباؤه في القرى القريبة يتحادثون بالسريانيّة وأقرانه يرطنون بالكثير من الكلمات التركية وهو ينام في حضن الضاد. أنهى الثانوية وجاء ترتيبه الأول على لواء الموصل في اللغة العربية. وقد جرت العادة أن يكون المُصحف مكافأة الطالب الأول لتفوّقه في لغة القرآن. لكن العادة، مع سُليمان إسكندر، كانت تختلف.

خرج من المدرسة، في موعد انصراف الطلاب، ووجد المدير في انتظاره، جالساً في عربة الربل، عند البوابة.

ـ تعال ابني سُليمان أفندي، اصعد معي.

يأمر المدير الحوذيّ بالتوجه إلى المكتبة المركزية. وهناك يطلب من الطالب المتفوق أن يختار أي كتاب يريد، على سبيل المكافأة، مهما غلا ثمنه. يقرأ سُليمان ما يدور في بال مديره ويردّ بأدب:

ــ أُستاذ، لن أقبل بأي جائزة أُخرى.

ــ ابني… أنت نصراني والموصل مدينة محافظة.

ــ لن أقبل بغير المصحف.

يتأثرّ المدير ويربت على كتف الطالب وينصاع لعناده. ينال سُليمان الجائزة المعهودة ويدخل القرآن إلى بيتهم للمرة الأُولى. كلّما اختلفوا على معنى أو إعراب أو آية احتكموا إليه. ولما انتقلوا إلى بغداد رافقهم وأخذ مكانه في أعلى رفوف المكتبة.
– العربي الجديد

شاهد أيضاً

كتاب «أزمنة مثيرة» لجيمس فِن: العناية البريطانية باليهود… الغاية والمبرر

* رامي أبو شهاب في كتاب بعنوان «أزمنة: مثيرة وقائع من سجلات القنصلية البريطانية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *