الرئيسية / مقالات / كل الطرق تؤدي للشعر

كل الطرق تؤدي للشعر


*وسيلة بكيس

( ثقافات )

الشعر كعبة مقدسة يحج إليها الشعراء بـأرواحهم كلما ارتقت وسمت عن ماديات الحياة، تصطنع الذات الشاعرة لنفسها أكثر من معراج سماوي يَقطُر فيضا وبهاء إلى عالم الفضيلة حيث النقاء والطهر والصفاء، الشعر العظيم اليوم كما وصفه يوسف اليوسف يحتل كل مكان من أرجاء هذا الوجود الفسيح، بواسطته نحيا ونولد من جديد وبه نعيش ونتنفس عبق الشذى الفواح من خصلات قصائده الشجية…الشعر اليوم سلطة ما فوقها سلطة حتى سلطة الذات التي يقولبها كيفما شاء ويسموا بها في سماء الفيض الشعري.
الشعر اليوم يسكننا وإن كان هايدقر رأى أن اللغة بيت الوجود فالشعر اليوم أضحى روح الوجود…يمتطي اللغة مسافرا بها عبر أجنحة مخيلته، فيدهشنا كل مرة باغتصاب جميل لقلعة اللغة رغم حراسها الأمناء من قواعد ونحو وصرف…وهو إذ يفعل ذلك يفجر الدلالات المألوفة ويقطع بها انهارا وفيافي ليحط على أرض بكر لم تنطق بها شفة…. 
في رحبة الشعر العظيم يصبح للحياة أكثر من معراج مستفيدة من المعراج الأول لان عربي والحلاج، تعرج الروح إلى عالم تنشده خالي من أدران المادة والواقع الأليم، فهو تلك الجوهرة اللغوية البهية التي تستشرف آفاق المستقبل وتنسينا أوجاع الماضي… الغوص في هذا البحر الرائق يغسل آثام وجراح هذه الذات المعذبة.
في رحبة الشعر نمارس كل شعائر الحياة وطقوس الحب والعشق والجنون، نستمتع بكل صنوف الملذات والشهوات من خلال الكلمات العذبة…نموت ليحيا الشعر..نمارس كل شيء نتذوق طعم المعاني المجردة نعيش الحسرة.. الألم.. العزلة.. الصمت.. الغياب.. الذاكرة.. 
تتشظى أرواحنا بلهيب الحب.. الجسد.. الرغبة.. الشهوة.. المحرّم.. اللامرئي.. المصير.. الموت.. اللغة.. الكتابة.. تعتني أيضا بما يحفل به الواقع اليومي من تفاصيل و تشذّرات و مستجدات و مفارقات.. وتتخذ الذات الكتابة الشعرية متخذ الحياة أو الموت… 
الشعر ليس مجرد كلمات فقط مرصوصة البنيان…ولا استعارات بديعة تكسر آفاق انتظارنا، إنه قطعة مقدسة تشترك فيه كل ما أوتينا في الوجود..إنه الروح والجسد.. إنه الحياة والموت في آن…روح تتغزل شوقا للراحة بين أحضان الكلمات..جسد يمارس حريته راقصا على أوتار ناي تعزفه العبارات…حياة وموت يتوهج بريقها بلذة ونشوة الخلق الفريد بعد مخاض عسير ومحنة لا يحس بها غير ناقِش تلك الكلمات على جسد القصيد. 
الشعر قوام هذه الحضارة الأساسي وناسج هويتها الإنسانية من خلال الرغبة الجموحة في المغامرة الإبداعية وغواية التجريب والكتابة، وفي مراحل تالية تنشأ الاستجابات الجمالية من خلال ثمرة الأنس والتلاقي بين الشعر والقارئ والعالم والوجود وكل ذلك إنما سعيا لخلق عالم ووجود شعري جديد مجاوز للعالم المادي المبتذل..فهو عالم سحري يموج بألوان الحياة الزاهية..
الشعر ليس همَّ أي فرد إنه هَمُّ الكل.. همّ مشترك يقبع في ذواتنا يسكن رغباتنا يحمل همَّ الذات، همَّ العالم بأسره.. فهو يُسائل بأسئلة شغوفة يطرحها حول الذات ووجودها، يُسائل العلم عن مصيره..يُسائل الكون عن تجلياته ومظاهره..يُسائل الآخر عن مكانه في حياتنا.. يُسائل الوجود عن نهايته…محاولا تسلل قمم الموجودات لاستكناه لبِّها.
يخترق في سكون ضوضاء هذا الفضاء الواسع يعبر كل الجسور المعلقة على أستار الروح ينفتح على كل الآفاق يصهرها في بوتقته..إنه همّ يؤرقنا…أليس في دواخِل كل واحد منا شاعر كما يقال؟..
كل الرجاء فسيحة مشرقة بنور الشعر كل المحافل تهتف بالشعر أيضا أيضا كل الطرق شائكة ومعقدة….لكن كل الطرق تؤدي الى درب واحد…كل الطرق تؤدي للشعر…… 

شاهد أيضاً

قد جاء وقتي وآنَ لي أن أكشفَ

* أحمد الشهاوي عاش النفَّري صاحبُ ” المواقف ” و ” المُخاطبات ” يسترُ معانيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *