الرئيسية / قراءات / حرارة الكتابة

حرارة الكتابة


*عثمان حسن

الشعور بالرغبة الجارفة في الكتابة هي السبيل لصناعة مبدع كبير وليس غيرها من الأمور المتداولة، كالشهرة الفاقعة أو المنصب أو الترف المادي وما شابهها من أشياء . الكاتب الجيد هو صنيعة نفسه قبل أي شيء آخر، فهو من اختبر الحياة وعاشها كما لو أنه عارف بكل تفاصيلها وناسها وبشرها . . فقراء كانوا أم أغنياء، عمالاً في المصانع والحقول والمزارع، أو في الوظائف الكبرى وفي مواقع اتخاذ القرار .

قبل الحديث عن الكتابة، لا بد من ذكر توأمها الروحي وهو القراءة، تلك التي تبدأ من الصفر، ولنقل من فكرة الحب، ساعة تكون متأججة كالنار التي تلتهب بين الجوانح، وتحرك الجسد بإشارات الأمل والورود المتلألئة على الأغصان .
القراءة بهذا المعنى، صورة تدع المرء يغرق في الأحلام، كمن يبتغي بيتاً، فيتخيل نفسه على شرفة منزل مدجج بالزخارف التي صنعتها أحلام لحظاته الجميلة، وكما لو أنه خطط لآنية الورد على شرفات الممرات وبين نافورات المياه المتخيلة والمشتهاة .
أن تقارن القراءة بالحب، فهذا يكفي لأن تطير بالكتابة إلى رابع المستحيلات . الكتابة اليوم أشبه بالقراءة الموسمية، واللحظية والمتعرجة، وربما المضطربة والمواربة، وأحيانا القاتلة، وهي بالضرورة قراءة تخلو من الشغف، من ذلك الضوء الذي يبقيها مشتعلة بالإنسان وكرامته، ذلك الشغف وذلك الضوء الذي يبقيها مكتنزة ونقية وهادفة، وذات معنى يبشر بالتلاحم البشري بعيداً عن الفردية والآنية والطمع الشخصي، وذلك المجد الذاتي الزائل لا محالة .
عمل الكاتب الأمريكي “أرسكين كالدويل” في معصرة لبذور القطن في مناوبة ليلية طويلة دون علم والديه، وعمل أيضاً في مهن متواضعة أخرى كسائق وطباخ ونادل، والتحق بالجامعة وتركها وعمل مراسلاً صحفياً، قبل أن يبرز اسمه كواحد من الكتاب الأكثر شهرة، وفي الوقت نفسه سرد تفاصيل من عذابات الجنوب الأمريكي، تلك القصص والروايات التي صنعت منه نجما كبيرا حوالي منتصف القرن الفائت حتى توفي في 1987 .
يتبادر إلى الذهن ونحن نفتش عن فضاءات القراءة والكتابة في هذا الزمن السريع كسرعة تناولنا للطعام الذي يخلو من المتعة والفائدة، تلك “الإعاقات” الكبيرة التي تحول بين الكاتب وهدفه، بين الكاتب وقراءاته، بين الكاتب وأسئلته، إنه اللهاث الذي يريد أن يختصر الحياة والتجربة الإنسانية المشتتة والمتقشفة والرازحة في أتون البرد والقسوة والألم، في كتابة مشوهة وباردة، لا حرارة فيها ولا معنى .
تقفز إلى الذهن نماذج كثيرة لمن اكتووا بنار الحياة من الكتاب العالميين، فحين سئل “أرسكين كالدويل” عن أفضل طريقة لتعلم كتابة القصة أجاب: هي كتابتها، وكالدويل كتب القصص ومزقها وأعاد كتابتها في مرات كثيرة، مثل هذه التجربة من المهم أن نستحضرها ونحن نحث الكتاب الشباب على اختبار الحياة .
تحدثنا نماذج أخرى من الأسماء العالمية في ميدان الكتابة عن دور الخبرة الحياتية في جانبها الاجتماعي، منها المربي والفيلسوف الأمريكي ادوارد ليندمان (1885 1953) الذي ينحدر من عائلة دنماركية مهاجرة، عمل إدوارد كمنظف اسطبلات ومزارع للزهور وفي مصنع للطوب وموزع بقالة، بينما كان يتابع تعليمه الرسمي بشكل متقطع، وقد ألف المقالات وكتب الشعر والافتتاحيات الصحفية .
تأثر ليندمان من الناحية الفكرية بثلاثة مصادر رئيسية هي: فيلسوف التعليم جوي ديوي، والمربي والدنماركي نيكولاي غروندفتش، واللاهوتي والكاتب والفيلسوف رالف والدو إمرسون، وتقاسم مع جون ديوي قلقه تجاه العدالة الاجتماعية، والإيمان بفرص تعليم أفضل، والالتزام العميق بالديمقراطية . اعتنى ليندمان بتعليم الكبار لأنهم من وجهة نظره يملكون دوافع كبيرة للتعلم محورها الحياة، ومن الأمور التي ركز عليها أن يكون التعليم متزامنا مع الحياة بغرض اكتشاف معنى التجربة وسعي العقل للحفر أسفل الأفكار المسبقة التي تصوغ السلوك الإنساني .
في قائمة الكتاب الكبار الذين كانت تمثل لهم الكتابة رغبة جارفة في الاكتشاف والتعمق في واقع الإنسان، للقارىء أن يتمعن في تجربة عدد من هؤلاء، على سبيل المثال: مونتين، توماس براون، لورنس ستيرن، امبرتو ايكو، جوته كافكا، ماركيز، كارلوس فوينتس، هنري جيمس وغيرهم الكثير . 
______
* الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

صدور كتاب “وعي الهزيمة- إعادة اختراع المعنى” لأحمد زكارنة

صدر مؤخرا الكتاب الثاني للكاتب والإعلامي الفلسطيني الصديق أحمد زكارنة والذي يحمل عنوان: ” وعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *