الرئيسية / قراءات / “حرمة ” رواية الحريم والتحريم للكاتب اليمني علي المقري

“حرمة ” رواية الحريم والتحريم للكاتب اليمني علي المقري



إبتسام القشوري*

( ثقافات )



“…….يومها شعرت لأول مرة انّنى احمل ثقلا , شعرت اننى لم اعد امشي وانما اتدحرج ككومة سوداء سألت نفسي امام المرآة : ما الفائدة من هذا الجسد ؟
لم اكن قد اكتشفت أنّ الآخرين لا يروننى حاملة ثقل بل يعتبروننى ثقلا بذاته “
الرواية

حرمة لعلى المقري الكاتب اليمني الذى ينقلنا بروايته الى عوالم الممنوع والتحريم بجرأة مضمونيه ولغوية كبيرة هتك فيها ستر هذا المجتمع الذكورى المنافق والمزيف الذى يعانى من الجهل والظلامية 
حرمة رواية المرأة بامتياز رواية رصدت احوال المرأة فى المجتمع اليمني وما تعانيه من عنف وظلم ودونية وإقصاء باسم الدين. 

حرمة رواية الحريم 

“الانثى حرمة قبل ان تولد وأثناء حياتها وبعد ان تموت ..” الرواية 
ينقلك المقرى فى روايته على اول عتبة تعترضك عند القراءة وهو العنوان” حرمة” وهي الكنية التى تكنى بها المرأة فى العديد من البلدان العربية المشرقية التى ينتشر فيها الفكر الوهابي و هذه كلمة مشتقة من التحريم اصلها عربي ولكن وصفها تركى تم تصديره للبلدان العربية عن طريق الدولة العثمانية خلال تواجدها فى هذه البلدان. حرمة توصيف غير مستعمل لا فى القرآن ولا فى الحديث النبوي .

الحرمة هنا هي الساردة ومحور الاهتمام التى لا نعرف لها اسما فهي مجرد حرمة من البداية الى النهاية ولعلّ المقرى كان متقصدا ذلك لشمولية الموضوع على كامل نساء اليمن فهي ليست قضية فردية بل هي قضية مجتمع باسره .فهذه الساردة لم ينادها احد باسمها فهي بنت ومفعوصة وحرمة ثم تتطور لتصبح شيخة عبر الجهاد . يدخلنا المقرى عالم الحريم عن طريق هده الحرمة الساردة التى تعانى من العنف المعنوى والجسدى داخل الاسرة وخارجها وعبر تقنية الاسترجاع يرجعنا الكاتب الى ذكريات الحرمة فى الاسرة ثم فى المدرسة الدينية وبعد ذلك فى الكلية الاسلامية يسلط مجهره على هذه التربية الخاطئة التى تتلقاها الحرمة فى كامل هذه المراحل فهي فى مرتبة دون الرجل فلا تسمع الا اقوال مثل” الرجال قوامون على النساء “”للرجال عليهن درجة”” للذكر حظ الانثيين” فدورها ان كان لها دور لا يتعدى ان يكون طاعة الاوامر طاعة الاب والاخ اولا ثم طاعة الزوج ف”على الحرمة طاعة زوجها” ولقد امر الرسول المرأة طاعة زوجها ويقول لو انه امر بالسجود لغير الله لأمر المرأة السجود لزوجها. تتربي الحرمة على هذه القيم فترضى بها وتقتنع بهاو الادهى من ذلك انها تتبناها .

فى مقابل هذه الحرمة المغلوب على امرها يرسم لنا المقرى معالم حرمة اخرى تعيش فى نفس العائلة تنتمى الى نفس الظروف ” لولا” اخت الحرمة الساردة اسم جميل وعصرى هذه الحرمة التى تتظاهر بالتدين الا انها فى الواقع تضرب عرض الحائط كل قوانين وضوابط المجتمع فهي حرة جنسيا واقتصاديا ليس لها أي خوف من انتهاك هذه الضوابط فهي المرأة التى اكملت تعليمها ولم يكن تعليما دينيا تخرج تعمل تسافر دون محرم تمارس الجنس فهي نموذج للمرأة المتحررة. ولسائل ان يسأل كيف تجمع العائلة الواحدة هذا التناقض السافر بين بيتين تعيش نفس الظروف والظغوطات ؟ وهنا لا استطيع إلا ان اقر ان هذه الشخصية لم تكن شخصية روائية بالمعنى الدقيق هي مجرد حيلة سردية اتخذها المقرى ليفتح ابوابا للحرمة الساردة لاكتشاف عالم آخر عالم الرجل والجسد والعالم الخارجى بصفة عامة فهي طيف فى فكر الحرمة هي الصورة التى تتمنى ان تكونها بدليل ان هذه الشخصية المتحررة كانت المتسببة فى قتل الاب بتهورها وجرأتها الزائدة وماقتل الاب إلا فى فكر الحرمة نفسها قتل السلطة الابوية والذكورية وتنطفئ “لولا” كالشمعة وهو تعبير المقرى وتنسحب من الرواية عندما تشعر الحرمة انها وجدت ضالتها ووجدت هدفا تعيش من اجله بعد سلسلة الخيبات والفشل التى تعرضت لها فى اثبات ذاتها ولم يكن هذا الهدف الاالجهاد فى افغنستان بتأثير من زوجها نصرة للاسلام ولم تكن تدرى ان هذا الجهاد ما هو الا جهاد النكاح وحتى هذا الجهاد لم تظفربه هذه الحرمة سافرت الى بلدان عديدة لتصل وعانت ويلات الطريق والسجن ولكنها ذهبت بلقب حرمة ورجعت بنفس الصفة حرمة مرة اخرى .

حرمة رواية التحريم :

” انتبهى يا بنتى …..هذا عيب ” الرواية 
يقدم لنا المقرى شريط حياة الحرمة عبراسترجاعها لذكرياتها فى طفولتها ومراهقتها ودراستها بالكلية الاسلامية وزواجها الذى كان مفروضا عليها وخلال هذه الاشواط تعيش الحرمة الساردة بين الممنوع والممنوع فصوتها عورة والغناء ممنوع ومشاهدة التلفزيون ممنوع والتبرج ممنوع وخروجها دون محرم ممنوع البطء والسرعة فى المشي ممنوع والاختلاط بين الجنسين ممنوع قراءة الدوايين الشعرية والروايات ممنوع تناولها للخيار والموز ممنوغ ؟؟؟ عليها ان تلبس الزي الاسلامى فلا يظهر من مفاتنها شيء فلا تجرؤ الحرمة حتى للتفكير فى طرح السؤال؟ فالسؤال ممنوع والملاحظ ان قائمة الممنوعات كلها متعلقة بالمرأة خوفا من ان تنفلت هذه الحرمة فترتكب المعاصى.

ورغم ذلك وتبعا ان كل ممنوع مرغوب لا ترى فى رواية المقرى الا حديث الجنس بين النساء ومشاهدة الافلام الثقافية(الافلام الاباحية) والممارسات الشاذة .صور صادمة لما تحت العباءات والتناقض الصارخ التى تعيشه الشخصيات نتيجة التعصب والتطرف الدينى فى التعامل مع المراة ومع جسدها 
هذه الممنوعات قدمها المقرى بطريقة مؤلمة تارة وكاريكاتورية مضحكة تارة اخرى 
.
حرمة رواية المضمون والسخرية اللاذعة 

لئن تميزت رواية حرمة بطرافة بنائها حيث عمد المقرى الى اغنية ام كلثوم” سلو قلبي” ومقاطعها كمفاتيح لذاكرة الحرمة واسترجاع ذكريات طفولتها ودراستها وزواجها وجهادها الا ان المضمون كان هاجس المقرى لاهمية الموضوع وخطورته وكان ذلك على حساب بعض العلاقات المنطقية بين الاحداث فلا نفهم التحول السريع لاخ الحرمة من شيوعى متطرف ينقد ذلك المجتمع الذكورى ويشجع اختيه على الحرية والمساواة الى اسلامى متطرف غيور جدا يدعو لمكوث المراة فى البيت ومتعصب للمفاهيم الدينية التقليدية ويدعو للجهاد فى افغنستان بمجرد زواجه من امرأة. لا نفهم ايضا هذا التناقض الصارخ التى بين الحرمة واختها الا اذا ذهينا الى ما حللناه سابقا فالمقرى كان مهوسا بايصال الفكرة نقد المجتمع اليمنى وموقع المراة فيه وقد نجح كثيرا فى ذلك وقدم مواقف كاريكاتورية ساكتفى باستعراض ثلاث صور صدمتنى وتوقفت عندها كثيرا :
سلطة الشيخ المدرس بالكلية الاسلامية قزمه المقرى وقدمه فى صورة كاريكاتورية مضحكة ومقززة اسقطت عنه هالة القداسة وهو يتحدث عن الزواج والمعاشرة الزوجية ما يجوز وما لايجوز بلغة مباشرة فجة 
موقف الزوج العاجز جنسيا عندما ابلغ زوجته انه سيقدم لها هدية فيصور لنا المقرى فرحة الزوجة وتخيلها لهذه الهدية وهي تغلق عينيها منتظرة المفاجأة السارة ولم تكن هذه الهدية الا زوجة ثانية ؟؟؟ وهنا نتساءل هل هذه الهدية للزوجة ام له صورة كاريكاتورية فى اهانة المرأة واستفزازها واللعب على مشاعرها .
صورة الحرمة فى آخر الرواية وهي تستجدى جارها سهيل لممارسة الجنس معها صورة صادمة لما وصلت عليه هذه الحرمة بعد هذه الحياة المريرة التى عاشتها والتى لم تختر منها شيئا كل شيء كان مفروضا عليها صورة امراة لم يكن لها دور فى الحياة تم اقصاؤها وتبليد فكرها حتى انها اصبحت لا تعرف فى الحياة من دور سوى ان تكون فى حضن رجل .

صور صادمة وجريئة بقلم اصر عل سبر اغوار المسكوت عنه بشجاعة كبيرة وبلغة بعيدة عن التورية والمجاز فكانت لغة مباشرة توصلك للهدف دون عناء ولذلك صودرت الرواية وسلطت عليها السنة الرقابة …وتعرض كاتبها للمضايقات. 
حرمة رواية ممتعة ومؤلمة فى نفس الوقت رواية جديرة بالقراءة والمتابعة تمثل سندا هاما فى رصد العنف المسلط على المراة فى المجتمع اليمني .

* كاتبة من تونس

شاهد أيضاً

“شاربو النُّجوم” للشاعر الإيطالي: إرنستو راغاتْسوني

صدر عن منشورات المتوسط -إيطاليا، الكتابُ الثَّاني من سلسلة الشِّعر الإيطالي، وحملَ عنوان: “شاربو النُّجوم” لـ إرنستو راغاتْسوني. الكتاب يضمُّ مختاراتٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *